الخيار في البيع

الحنفية

المبسوط اقرأ →
بَابُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْع قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { ۝ مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَهُوَ يُؤَخِّرُ النَّظَرَيْنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ } وَفِي رِوَايَةٍ { ۝ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ } فَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ .
وَالْمُرَادُ خِيَارُ الشَّرْطِ وَلِهَذَا قَدَّرَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَذَكَرَ التَّحْفِيلَ لِبَيَانِ السَّبَبِ الدَّاعِي إلَى شَرْطِ الْخِيَارِ ، وَالْمُحَفَّلَةُ الَّتِي اجْتَمَعَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهَا وَالْمَحْفِلُ هُوَ الْمَجْمَعُ ، وَاجْتِمَاعُ اللَّبَنَيْنِ فِي ضَرْعِهَا قَدْ يَكُونُ لِغَزَارَةِ اللَّبَنِ وَقَدْ يَكُونُ بِتَحْصِيلِ الْبَائِعِ بِأَنْ يَسُدَّ ضَرْعَهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهَا فَلَا يَتَبَيَّنُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ لِلْمُشْتَرِي إلَّا بِالنَّظَرِ مُدَّةً ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ; لِأَنَّهُ إذَا حَلَبَهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لَا يَتَبَيَّنُ لَهُ شَيْءٌ ، وَكَذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَلَعَلَّ النُّقْصَانَ تَعَارَضَ فَإِذَا حَلَبَهَا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَكَانَ مِثْلَ الْيَوْمِ الثَّانِي عَلِمَ أَنَّ لَبَنَهَا هَذَا الْقَدْرُ وَأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ كَانَ لِلتَّحْفِيلِ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَشْتَرِطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى يَدْفَعَ الْغُرُورَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ فَجَوَّزَ لَهُ الشَّرْعُ ذَلِكَ ، وَجَعَلَهُ يُؤَخِّرُ النَّظَرَيْنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَأَمَّا إذَا اشْتَرَاهَا بِغَيْرِ شَرْطِ خِيَارٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِسَبَبِ التَّحْفِيلِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا وَيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ لِأَجْلِ اللَّبَنِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى نَاقَةً فَوَجَدَهَا مُصَرَّاةً وَهِيَ الَّتِي سَدَّ الْبَائِعُ ضَرْعَهَا حَتَّى اجْتَمَعَ اللَّبَنُ فِيهِ فَصَارَ ضَرْعُهَا كَالصَّرَاةِ وَهِيَ الْحَوْضُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا ، وَالتَّصْرِيَةُ لَيْسَتْ بِعَيْبٍ عِنْدَنَا ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِسَبَبِ التَّصْرِيَةِ وَالتَّحْفِيلِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَوَّدَ أَنَامِلَ الْعَبْدِ حَتَّى ظَنَّهُ الْمُشْتَرِي كَاتِبًا أَوْ أَلْبَسَهُ ثِيَابَ الْخَبَّازِينَ حَتَّى ظَنَّهُ خَبَّازًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الشَّاةِ الْمُحَفَّلَةِ أَخَذَ بِالْحَدِيثِ وَأَقُولُ يَرُدُّهَا وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ أَخَذْنَا بِالْقِيَاسِ ، وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ 39 حَدِيثٌ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { ۝ : مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَهُوَ يُؤَخِّرُ النَّظَرَيْنِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ } وَبَعْدَمَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَكُلُّ قِيَاسٍ مَتْرُوكٌ بِمُقَابَلَتِهِ مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ مُوَافِقٌ لِلْأُصُولِ ; لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْخِيَارَ لِغُرُورٍ كَانَ مِنْ الْبَائِعِ ، وَالتَّدْلِيسُ وَالْغُرُورُ يُثْبِتُ لِلْمُشْتَرِي حَقَّ الرُّجُوعِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى صُبْرَةَ حِنْطَةٍ فَوَجَدَ فِي وَسَطِهَا دُكَّانًا أَوْ اشْتَرَى قُفَّةً مِنْ الثِّمَارِ فَوَجَدَ فِي أَسْفَلِهَا حَشِيشًا .
ثُمَّ ذِكْرُ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ لَيْسَ لِلتَّوْقِيتِ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ بَلْ لِبَيَانِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَظْهَرُ فِيهَا الْعَيْبُ ، وَأَمَّا رَدُّ التَّمْرِ لِمَكَانِ اللَّبَنِ فَلِأَنَّ مَا كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ مِنْ اللَّبَنِ قَدْ أَتْلَفَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ فَسَدَ فِي يَدِهِ وَلَا يُعْلَمُ مِقْدَارُهُ لِيَرُدَّ مِثْلَهُ فَأَمَرَهُ بِرَدِّ التَّمْرِ مَكَانَهُ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الرِّبَا فَالْقُوتُ فِيهِمْ كَانَ هُوَ التَّمْرُ وَاللَّبَنُ فَلِهَذَا أَقَامَ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ فَيُجْعَلُ كَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ فَيَبْقَى أَوَّلُ الْحَدِيثِ مَعْمُولًا بِهِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا سَقَى الدَّابَّةَ وَعَلَفَهَا حَتَّى ظَنَّهَا الْمُشْتَرِي حَامِلًا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : لَهُ حَقُّ الرَّدِّ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ لِلتَّدْلِيسِ وَالْغُرُورِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : لَيْسَ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ هُنَا ; لِأَنَّ اكْتِسَابَ سَبَبِ هَذَا الْغُرُورِ يُجْعَلُ كَالشَّرْطِ فِيمَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ وَشَرْطُ الْحَبَلِ فِي بَيْعِ الدَّابَّةِ لَا يَجُوزُ فَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ كَالْمَشْرُوطِ ، وَأَمَّا شَرْطُ كَوْنِ النَّاقَةِ لَبُونًا وَالْعَبْدُ كَاتِبًا أَوْ خَبَّازًا يَجُوزُ فَيُجْعَلُ الْبَائِعُ إنَّمَا اكْتَسَبَ مِنْ السَّبَبِ كَالشَّارِطِ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ مُطْلَقَ الْبَيْعِ يَقْتَضِي سَلَامَةَ الْمَبِيعِ وَبِقِلَّةِ اللَّبَنِ لَا تَنْعَدِمُ صِفَةُ السَّلَامَةِ ; لِأَنَّ اللَّبَنَ ثَمَرَةٌ وَبِعَدَمِهَا لَا تَنْعَدِمُ صِفَةُ السَّلَامَةِ فَبِقِلَّتِهَا أَوْلَى ، وَإِذَا ثَبَتَ صِفَةُ السَّلَامَةِ انْتَفَى الْعَيْبُ ضَرُورَةً وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْخِيَارُ لِلْغُرُورِ ; لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُغْتَرٌّ لَا مَغْرُورٌ ، فَإِنْ ظَنَّهَا عَزِيزَةَ اللَّبَنِ بِالْبِنَاءِ عَلَى شَيْءٍ مُثْبِتٍ فَإِنَّ انْتِفَاخَ الضَّرْعِ قَدْ يَكُونُ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ .
وَقَدْ يَكُونُ بِالتَّحْفِيلِ وَعَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ عَادَاتِ النَّاسِ احْتِمَالُ التَّحْفِيلِ فِيهِ أَظْهَرُ فَيَكُونُ هُوَ مُغْتَرًّا فِي تَبَاطُنِهِ عَلَى الْمُحْتَمَلِ وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً ، وَقَدْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَنْ يَسْأَلَ الْبَائِعَ لِيَبْنِيَ عَلَى النَّصِّ الَّذِي سَمِعَ مِنْهُ فَحِينَ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ مُغْتَرًّا وَلَئِنْ كَانَ مَغْرُورًا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الشَّرْطَ غَزَارَةَ اللَّبَنِ عِنْدَنَا ; لِأَنَّ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْبَيْعِ كَشَرْطِ الْحَمْلِ فَأَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ جَبْرٍ يَجْبُرُهُ الْبَائِعُ أَنَّهَا عَزِيزَةُ اللَّبَنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ ، وَالْغُرُورُ بِالْخَبَرِ لَا يُثْبِتُ حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَى الْغَارِّ كَمَنْ أَخْبَرَ إنْسَانًا بِأَمْنِ الطَّرِيقِ فَسَلَكَهَا فَأَخَذَ اللُّصُوصُ مَتَاعَهُ ، وَإِنَّمَا 40 يَثْبُتُ لِلْمَغْرُورِ حَقُّ الرُّجُوعِ إذَا كَانَ مَشْرُوطًا فِي عَقْدِ الضَّمَانِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ بِخِلَافِ الصُّبْرَةِ فَقَدْ شَرَطَ أَنَّ جَمِيعَ الصُّبْرَةِ حِنْطَةٌ وَأَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْقُفَّةِ عِنَبٌ فَإِذَا وَجَدَهُ بِخِلَافِ مَا شَرَطَ كَانَ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ لِذَلِكَ فَأَمَّا الْحَدِيثُ قُلْنَا : مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ إنَّمَا يُقْبَلُ مِنْ أَحَادِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَا لَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ فَأَمَّا مَا خَالَفَ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ فَالْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ ظَهَرَ تَسَاهُلُهُ فِي بَابِ الرِّوَايَةِ وَقَدْ رَدَّ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بَعْضَ رِوَايَاتِهِ بِالْقِيَاسِ نَحْوُ حَدِيثِ الْوُضُوءِ مِنْ حَمْلِ الْجِنَازَةِ فَقَالَ : أَيَلْزَمُنَا الْوُضُوءُ مِنْ حَمْلِ عِيدَانٍ يَابِسَةٍ ، وَنَحْوُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ حَيْثُ قَالَ : لَوْ تَوَضَّأْتُ بِمَا سُخِّنَ كُنْتُ أَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأُصُولِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهُمَا أَنَّ ضَمَانَ الْمُتْلِفَاتِ يَتَقَدَّرُ بِالْمِثْلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَفِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ بِالْقِيمَةِ ، فَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَالْوَاجِبُ الْمِثْلُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ عَلَيْهِ فِي بَيَانِ الْمِقْدَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَالْوَاجِبُ هُوَ الْقِيمَةُ ، فَأَمَّا إيجَابُ التَّمْرِ مَكَانَ اللَّبَنِ مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ .
وَفِيهِ تَسْوِيَةٌ بَيْنَ قَلِيلِ اللَّبَنِ وَكَثِيرِهِ فِيمَا يَجِبُ مَكَانَهُ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ إذَا قَلَّ الْمُتْلَفُ قَلَّ الضَّمَانُ ، وَإِذَا كَثُرَ الْمُتْلَفُ كَثُرَ الضَّمَانُ وَهُنَا الْوَاجِبُ صَاعٌ مِنْ التَّمْرِ قَلَّ اللَّبَنُ أَوْ كَثُرَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ تَوْقِيتَ خِيَارِ الْعَيْبِ فَوَجَبَ رَدُّهُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَحْمِلُهُ عَنْ تَأْوِيلٍ ، وَإِنْ بَعُدَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الرَّدِّ فَنَقُولُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهَا عَزِيزَةُ اللَّبَنِ فَكَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا بِالشَّرْطِ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَدِّهَا مَعَ مَا حَلَبَ مِنْ لَبَنِهَا ; لِأَنَّ الْمُشْتَرَاةَ شِرَاءً فَاسِدًا تُرَدُّ بِزَوَائِدِهَا ، وَقَدْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَكَلَ اللَّبَنَ فَدَعَاهُمَا إلَى الصُّلْحِ وَرَدَّ مَكَانَ اللَّبَنِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّهُ أَلْزَمَهُ ذَلِكَ ، وَقَدْ يَقَعُ مِثْلُ هَذَا لِمَنْ قَلَّ فَهْمُهُ مِنْ الرُّوَاةِ وَلِهَذَا لَمْ يَرْوِ الْحَدِيثَ أَحَدٌ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ الْمَشْهُورِينَ بِالْفِقْهِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ - قَالَ : وَبَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ جَعَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ بِالْخِيَارِ فِي كُلِّ بَيْعٍ يَشْتَرِيهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَاسْمُ هَذَا الرَّجُلِ حِبَّانُ بْنُ مُنْقِدٍ وَأَبُوهُ مُنْقِدُ بْنُ عُمَرَ فَالِاخْتِلَافُ فِي اسْمِهِ رَوَى الْحَدِيثَ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَقَدْ كَانَ يُعَيِّنُ فِي الْبِيَاعَاتِ لِمَأْمُومَةٍ أَصَابَتْ رَأْسَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا بَايَعَتْ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ وَلِيَ الْخِيَارُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَكَانَ أَلْثَغَ بِاللَّامِ فَكَانَ يَقُولُ لَا خِيَابَةَ فَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلُ جَوَازِ الْبَيْعِ مَعَ شَرْطِ الْخِيَارِ وَالْقِيَاسُ يَأْبَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ تَعَلُّقُ الْعَقْدِ وَعُقُودُ الْمُعَاوَضَاتِ لَا تَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ 41 وَيَبْقَى مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَهُوَ اللُّزُومُ وَمُوجِبُهُ وَهُوَ الْمِلْكُ ، وَلَكِنَّا نَقُولُ تَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ لِلْحَدِيثِ وَلِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى ذَلِكَ فَالْبَيْعُ عَقْدُ مُعَايَنَةٍ وَالْمَقْصُودُ بِهِ الِاسْتِرْبَاحُ وَلَا يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَرَى النَّظَرَ فِيهِ وَيُرِيهِ بَعْضَ أَصْدِقَائِهِ لِيَحْتَاجَ لِأَجْلِ ذَلِكَ إلَى شَرْطِ الْخِيَارِ فَإِذَا كَانَ يَجُوزُ بَعْضُ الْعُقُودِ لِحَاجَةِ النَّاسِ كَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا فَشَرْطُ الْخِيَارِ فِي الْعَقْدِ أَوْلَى ثُمَّ أَصْلُ الْعَقْدِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ ; لِأَنَّ الْخِيَارَ صِفَةٌ فِي الْعَقْدِ يُقَالُ : بَيْعٌ بَاتٌّ وَبَيْعٌ بِخِيَارٍ وَبِالصِّفَةِ لَا يَتَعَلَّقُ أَصْلُ الْمَوْصُوفِ ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْخِيَارُ فِي الْحُكْمِ فَيَجْعَلُهُ فِي مَعْنَى الْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يَخْلُو السَّبَبُ عَنْ الْحُكْمِ إلَّا أَنْ يَتَّصِلَ الْحُكْمُ بِهِ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ الْحُكْمُ عَنْهُ لِمُؤَخَّرٍ كَمَا يَتَأَخَّرُ وُجُوبُ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ بِشَرْطِ الْأَجَلِ ثُمَّ خِيَارُ الشَّرْطِ يَتَقَدَّرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَمَا دُونَهَا وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - .
وَقَدْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : يَجُوزُ إذَا كَانَتْ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً طَالَتْ أَوْ قَصُرَتْ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ } فَإِذَا شَرَطَ الْخِيَارَ شَهْرًا وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَجَازَ الْخِيَارَ لِرَجُلٍ فِي نَاقَةٍ شَهْرَيْنِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ هَذَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ شَرْطًا فَلَا تَتَقَدَّرُ بِالثُّلُثِ كَالْأَجَلِ ، وَهَذَا لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ كَالثُّلُثِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ جَوَّزْنَا شَرْطَ الْخِيَارِ ثُمَّ يُعْتَبَرُ هَذَا الْخِيَارُ بِخِيَارِ الْعَيْبِ وَالرُّؤْيَةِ أَوْ بِنَفْسِ هَذَا الْعَقْدِ عَلَى عَقْدِ الْكَفَالَةِ فَكَمَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ هُنَاكَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ هُنَا ، وَأَبُو حَنِيفَةَ اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَّرَ الْخِيَارَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَالتَّقْدِيرُ الشَّرْعِيُّ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِمَنْعِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ أَوْ لِمَنْعِ أَحَدِهِمَا وَهَذَا التَّقْدِيرُ لَيْسَ لِمَنْعِ النُّقْصَانِ فَاشْتِرَاطُ الْخِيَارِ دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَجُوزُ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لِمَنْعِ الزِّيَادَةِ إذْ لَوْ لَمْ تُمْنَعْ الزِّيَادَةُ لَمْ يَبْقَ لِهَذَا التَّقْدِيرِ فَائِدَةٌ ، وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الشَّرْعِ مِنْ التَّقْدِيرِ لَا يَجُوزُ إخْلَاؤُهُ عَنْ الْفَائِدَةِ ; لِأَنَّهُ مَا كَانَ بِحَازِقٍ فِي بَيَانِ الْأَحْكَامِ ثُمَّ بِسَبَبِ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ يَتَمَكَّنُ مَعْنَى الْغَرَرِ وَبِزِيَادَةِ الْمُدَّةِ يَزْدَادُ الْغَرَرُ ، وَقَدْ كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ أَصْلًا وَهُوَ قِيَاسٌ يَسُدُّهُ الْأَثَرُ ; { ۝ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ } إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ فِي مُدَّةِ الثَّلَاثَةِ لِوُرُودِ الْأَثَرِ فِيهِ .
وَجَوَازُ الْعَقْدِ مَعَ الْقَلِيلِ مِنْ الْغَرَرِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ عِنْدَ كَثْرَةِ الْغَرَرِ وَبِهِ فَارَقَ الطَّفَالَةَ ; لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْغَرَرَ وَالْخَطَرَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَعْلِيقُ أَصْلِ الطَّفَالَةِ بِأَنْ يَقُولَ مَا لَكَ عَلَى فُلَانٍ فَهُوَ عَلَيَّ وَبِهِ فَارَقَ خِيَارَ الْعَيْبِ وَالرُّؤْيَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ الْغَرَرُ بِسَبَبِهِ وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ 42 رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ أَجَازَ الْخِيَارَ وَلَيْسَ فِيهِ بَيَانُ خِيَارِ الشَّرْطِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ ، وَأَنَّهُ أَجَازَ الرُّؤْيَةَ بَعْدَ الشَّهْرَيْنِ وَكَمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { ۝ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ } فَقَدْ قَالَ أَيْضًا { ۝ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَهُوَ بَاطِلٌ } ثُمَّ جَوَازُ شَرْطِ الْخِيَارِ لِحَاجَةٍ وَهَذِهِ الْحَاجَةُ تُرْفَعُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَفِيمَا رَآهُ لِحَاجَةٍ

الحنابلة

الإنصاف اقرأ →
باب الخيار في البيع
المبدع في شرح المقنع اقرأ →
باب الخيار في البيع
المبدع في شرح المقنع اقرأ →
باب الخيار في البيع