قال : وحدثني عبد الرزاق ، قَالَ : حدثني حجاج بْن المنهال ، قَالَ : حدثني حماد بْن سلمة ، قَالَ : حدثني هشام بْن عروة ، عن أبيه ، أنه سئل عن لحم الغراب فكرهه .
قال أبو عمر : جائز عند مالك أكل الغراب ، والحدأة ، وكل ذي مخلب من الطير . ولم يصح عنده في ذلك النهي الذي روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وقد صح عند أبي بكر الصديق ، أنه قَالَ : " كل الطير كله " . وقد ذكرنا الخبر عنه في غير هذا الموضع ، وهو قول عطاء ، وجماعة من العلماء . وذكر ابن وهب ، عن خالد بْن حميد ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، " أنه سأله رجل عن أكل البازي ، فأمره بأكله " . قال ابن وهب ، وأخبرني الليث ، قَالَ : كتبت إلى يحيى بْن سعيد في لحم الغراب ، والحدأة ، والنسر ، والصقر ، والبازي ، والعقاب ، وأشباهها ، هل يكره أم لا ؟ فقال يحيى بْن سعيد : ليس ينبغي أن تحرم إلا ما حرم الله عز وجل ، أو بما تكلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالنهي عنه . قَالَ ابن وهب : وسألت مالكا عن أكل الغراب ، والحدأة ، وقلت له : إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " سماهما فاسقين ، وأمر المحرم بقتلهما " ؟ فقال : لم أدرك أحدا ينهى عن أكلهما . قَالَ : ولا بأس بأكلهما . قَالَ : وإني لأكره أكل الفارة ، والحية ، والعقرب من غير أن أراه حراما . قَالَ : ومن أكل حية ، فلا يأكلها حتى يذكيها . قَالَ أبو عمر : العلماء مجمعون على قتل الحية ، والعقرب في الحل والحرم للحلال ، والمحرم ، وكذلك الأفعى عندهم جميعهم . وفي حديث ابن مسعود : كنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنى ليلة عرفة ، فخرجت حية ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اقتلوا فسيقا " . وفي حديث أبي سعيد الخدري ، قَالَ : قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يقتل المحرم : الأفعى ، والأسود ، والحية ، والعقرب ، والحدأة ، والكلب العقور ، والفويسقة " . قَالَ أبو عمر : قد ذكرنا إسناد هذين الحديثين في التمهيد . والأسود : الحية ، والفويسقة : الفأرة . روى شعبة ، عن مخارق بْن عبد الله ، عن طارق بْن شهاب ، قَالَ : " اعتمرت فمررت بالرمال ، فرأيت حيات فجعلت أقتلهن ، وسألت عمر ، فقال هي : عدو فاقتلوهن " . وقال ابن عيينة : سمعت الزهري ، يحدث عن سالم ، عن أبيه أن عمر ، " سئل عن الحية يقتلها المحرم ؟ فقال : هي عدو فاقتلوها حيث وجدتموها " . قال سفيان : وقال لنا زيد بْن أسلم : ويحك أي كلب أعقر من الحية ؟ قال أبو عمر : وكذلك أجمع العلماء على جواز قتل الفأرة في الحل والحرم ، وقتل العقرب ، والوزغ . إلا أن ابن القاسم ، وابن وهب ، وأشهب رووا عن مالك ، وذكره ابن عبد الحكم عنه ، قَالَ : لا أدري أن يقتل المحرم الوزغ ، لأنه ليس من الخمس التي أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتلهن . قيل له : فإن قتل المحرم الوزغ ؟ قَالَ : أرى أن يتصدق وهو مثل شحمة الأرض . وقد قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خمس من الدواب " ، فليس عليهن شيء إلا سبعا . قَالَ : ولا يقتل المحرم قردا ، ولا خنزيرا ، ولا الحية الصغيرة ، ولا صغار السباع ، ولا فراخ الغربان . قال أبو عمر : " أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتل الوزغ ، وسماه فويسقا " . رواه ابن شهاب ، عن عامر بْن سعد بْن أبي وقاص ، عن أبيه ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وعن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . والآثار بذلك متواترة ، وقد ذكرنا بعضها في التمهيد . وقد أجاز مالك قتل الحية ، والأفعى ، وليست من الخمس التي سماها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، والكلب العقور عنده صفة لا عين مسماة ، فيدخل في ذلك أكثر من الخمس . وقد قَالَ إسماعيل بْن إسحاق : اختلف في الزنبور ، فشبهه بعضهم بالحية ، والعقرب . قَالَ : ولولا أن الزنبور لا يبتدئ لكان أغلظ على الناس من الحية والعقرب ، ولكنه ليس في طبعه من الأذى ما في الحية والعقرب ، لأنه إنما يجيء إذا أوذي . قَالَ : فإن عرض الزنبور لإنسان فدفعه عن نفسه لم يكن عليه فيه شيء . قال إسماعيل : وإنما لم يدخل أولاد الكلب العقور في حكم العقور ، لأنهن لا يعقرن في صغرهن . قَالَ : وقد سمى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخمس فواسق ، والفواسق فواعل ، والصغار لا فعل لهن . قَالَ أبو عمر : وحرم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التمثيل بالبهائم ، ونهى أن يتخذ شيئا فيه الروح غرضا ، ونهى أن تصبر البهائم ، وذلك فيما يجوز أكله ، وفيما لا يجوز ، وإجماع العلماء المسلمين على ذلك . وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من قتل عصفورا بغير حقه عذب به يوم القيامة " . قيل : وما حقه يا رسول الله ؟ قَالَ : " يذبحه ولا يقطع رأسه فيرمي به " . وفي هذا كله دليل ، واضح أن ما يحل أكله لا يجوز قتله لما فيه من الفساد ، وإضاعة المال ، والله قد نهى عن الفساد ، وأخبر أنه لا يحبه . وقد نهى عن إضاعة المال ، وكل مقدور عليه ذكاته الذبح ، وكل ممتنع من الصيد ذكاته الحديد حيث أدركت منه مع سنة التسمية في ذلك . وقد أباح رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قتل تلك الفواسق ، وشبهها في الحل ، والحرم على ما في حديث عائشة ، وغيره . وقال : المحرم يقتله . وأما مالك ، ومن تابعه على جواز أكل الطير كله ذي المخلب منه ، وغير ذي المخلب ، فمن حجتهم أن الحدأة والغراب استثناهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الصيد الذي نهى المحرم عنه . وقد قالت فرقة منهم مجاهد بْن جبر : ولا يقتل الغراب ، ولكن يرمي . وروي ذلك عن علي رضي الله عنه ، ولا يصح عنه . وقد ذكرنا إسناده عنه في التمهيد . واحتج من قَالَ بذلك بحديث أبي سعيد الخدري ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه سئل عما يقتل المحرم ؟ فقال : " الحية ، والعقرب ، والفويسقة ، ويرمي الغراب ، ولا يقتله ، والكلب العقور ، والحدأة ، والسبع العادي " . رواه هشيم ، قَالَ : حدثني يزيد بْن أبي زياد ، قَالَ : حدثني عبد الرحمن بْن عبد الرحمن بْن أبي نعم ، عن أبي سعيد الخدري ، وقد ذكرناه بإسناده ، ويزيد بْن أبي زياد ليس بحجة فيما انفرد به . وشذت فرقة أخرى ، فقالت : لا يقتل من الغربان إلا الغراب الأبقع ، واحتجوا :