حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ° ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ° ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ° ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ° ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ° ، عَنْ شُعْبَةَ ° ، عَنِ الْحَكَمِ ° ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ° ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ ° ، قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقَالَتْ : سَلْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ° ، فَإِنَّهُ كَانَ يَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ ، وَيَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِلْمُقِيمِ " .
رفعه كما رفعه شعبة ، وأبو خالد الدالاني ، عن الحكم ، وأبو معاوية ، عن الأعمش ، عن الحكم ، وكذلك رواه مرفوعا عن المقدام بن شريح ، عن أبيه . ومن رفعه أحفظ وأثبت ممن وقفه واحتج بعض أصحابنا للمسح في السفر دون الحضر ، بأنها رخصة لمشقة السفر ، قياسا على الفطر والقصر , وهذا ليس بشيء ، لأن القياس والنظر لا يعرج عليه مع صحة الأثر . واختلف العلماء في توقيت المسح على الخفين . فقال مالك وأصحابه ، والليث بن سعد : لا وقت للمسح على الخفين ، ومن لبس خفيه وهو طاهر , يمسح ما بدا له في الحضر والسفر ، المقيم والمسافر في ذلك سواء . وروي مثل ذلك ، عن عمر بن الخطاب ، وسعد بن أبي وقاص ، وعقبة بن عامر ، وعبد الله بن عمر ، والحسن البصري . وقد ذكرنا الأسانيد عنهم في التمهيد . وروي في المسح بلا توقيت عن النبي عليه السلام , حديث أبي بن عمارة ، وهو حديث لا يثبت ، وليس له إسناد قائم . وقال أبو حنيفة وأصحابه ، وسفيان الثوري ، والأوزاعي ، والحسن بن حي ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وداود ، والطبري : للمقيم يوم وليلة ، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن . وقد روي عن مالك التوقيت في المسح ، في رسالته إلى بعض الخلفاء ، وأنكر ذلك أصحابه . وروي التوقيت ، عن النبي عليه السلام من وجوه كثيرة : من حديث علي بن أبي طالب ، وخزيمة بن ثابت ، وصفوان بن عسال ، وأبي بكرة ، وغيرهم . وروي عن عمر بن الخطاب ، التوقيت في المسح على الخفين ، من طرق قد ذكرتها في التمهيد , أكثرها من حديث أهل العراق ، وبأسانيد حسان . وثبت ذلك عن علي ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وسعد بن أبي وقاص ، على اختلاف عنه ، وعمار بن ياسر ، وحذيفة ، وأبي مسعود الأنصاري ، والمغيرة بن شعبة ، وغيرهم . وعليه جمهور التابعين وأكثر الفقهاء ، وهو الاحتياط عندي ، لأن المسح ثبت بالتواتر ، واتفق عليه جماعة أهل السنة ، واطمأنت النفس إلى ذلك . فلما قال أكثرهم : إنه لا يجوز المسح للمقيم أكثر من يوم وليلة خمس صلوات ، ولا يجوز للمسافر أكثر من خمس عشرة صلاة ، ثلاثة أيام ولياليها ، وجب على العالم أن يؤدي صلاته بيقين ، واليقين الغسل حتى يجمعوا على المسح ويتفق جمهورهم على ذلك ، ويكون الخارج عنهم في ذلك شاذا ، كما شذ عن جماعتهم من لم ير المسح . ذكر أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا حاتم بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن حرملة ، قال : قال لي سعيد بن المسيب : " إذا أدخلت رجليك في الخفين ، وهما طاهران ، وأنت مقيم ، كفاك إلى مثلها من الغد ، وللمسافر ثلاث ليال " . واختلف الفقهاء أيضا في الخف المخرق والمسح عليه : فقال مالك وأصحابه , يمسح عليه إذا كان الخرق يسيرا ، ولم تظهر منه القدم ، فإن ظهرت منه القدم لم يمسح عليه . وقال ابن خويز منداد : معناه أن يكون الخرق لا يمنع الانتفاع به ، ومن لبسه يكون مثله يمشي فيه وينتفع به . وبنحو قول مالك في ذلك قال الثوري ، والليث بن سعد ، والشافعي ، على اختلاف عنهم في ذلك . وقد روي ، عن الثوري ، إجازة المسح على الخف المخرق ، وإن تفاحش خرقه . قال بعضهم عنه : ما دام يسمى خفا . قال : وقد كانت خفاف المهاجرين والأنصار لا تسلم من الخرق . وروي عن الشافعي فيه تشديد ، قال في الكتاب المصري : إذا كان الخرق في مقدم الرجل ، فلا يجوز أن يمسح عليه إذا بدا منه شيء . وقال الأوزاعي : يمسح على الخف وعلى ما ظهر من القدم . وهو قول الطبري . وأصله جواز المسح ، إذا كان ما ظهر منه يغطيه الجورب ، وإن ظهر شيء من القدم لم يمسح . وهذا على أصله في إجازة المسح على الجوربين ، إذا كانا ثخينين . وهو قول الثوري ، وأبي يوسف ، ومحمد . ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة ، والشافعي ، إلا أن يكونا مجلدين . وهو أحد قولي مالك ، ولمالك قول آخر : لا يجوز المسح على الجوربين ، وإن كانا مجلدين . واختلفوا فيمن نزع خفيه بعد أن مسح عليهما . فقال الشافعي ، وأبو حنيفة وأصحابهما : إذا كان ذلك غسل قدميه . وقال مالك ، والليث مثل ذلك ، إلا أنهما قالا : إن غسلهما مكانه أجزأه ، وإن أخر غسلهما استأنف الوضوء . وقال الحسن بن حي : إذا خلع نعليه أعاد الوضوء من أوله ، ولم يفرق بين تراخي الغسل ، وغيره . وقال ابن أبي ليلى ، وداود : إذا نزع خفيه بعد المسح ، صلى كما هو وليس عليه غسل رجليه ، ولا استئناف الوضوء ، قياسا على مسح شعر الرأس . وقال بكل قول من هذه الأقوال , جماعة من فقهاء التابعين . وروي عن الأوزاعي في هذه روايتان : إحداهما يعيد الوضوء ، والأخرى أنه يغسل رجليه خاصة . وعن إبراهيم النخعي في ذلك ثلاث روايات . إحداها : أنه لا شيء عليه مثل قول ابن أبي ليلى ، وهو قول الحسن البصري . والثانية : أن يعيد الوضوء . والثالثة : أن يغسل قدميه . فوجه قول ابن أبي ليلى ، ومن قال بقوله أن نزع الخف ليس بحدث . وقد كان على طهارة تجب له الصلاة بها ، ثم اختلفوا فلا يزيل اختلافهم طهارته ، وشبهه بعضهم بالمسح على الرأس ثم حلقه . ومن قال : يغسل قدميه حجته أن العلة الموجبة للمسح مغيب القدمين في الخفين ، فإذا ظهرتا عاد الحكم إلى أصله ، فوجب غسله . ومن قال بغسلهما مكانه ، وابتدأ الوضوء راعى تبعيض الوضوء ، وهذا المعنى راعى من رأى استئناف الوضوء ، والله أعلم . وفي التمهيد مسائل من هذا الباب ، وآثار كثيرة ليس موضع ذكرها هذا الكتاب . وأما حديث مالك في تأخير المسح على الخفين حين بال في السوق وتوضأ ، فمحمول عند أصحابنا أنه نسي ، لا أنه تعمد تبعيض وضوئه ، وهو محتمل لذلك . وليس في حديث أنس موضع للقول غير المسح في الحضر ، والباب كله يدل عليه . مالك ، عن نافع ، وعبد الله بن دينار ، أنهما أخبراه : " أن عبد الله بن عمر قدم الكوفة على سعد بن أبي وقاص ، وهو أميرها ، فرآه عبد الله بن عمر يمسح على الخفين . فأنكر ذلك عليه ، فقال له سعد : سل أباك إذا قدمت عليه ، فقدم عبد الله فنسي أن يسأل عمر عن ذلك ، حتى قدم سعد . فقال : أسألت أباك ؟ فقال : لا . فسأله عبد الله ، فقال عمر : إذا أدخلت رجليك في الخفين ، وهما طاهرتان ، فامسح عليهما . قال عبد الله وإن جاء أحدنا من الغائط ؟ فقال عمر : نعم ، وإن جاء أحدكم من الغائط " . وذكرنا هذا الحديث من طرق ، عن عبد الله بن دينار ، وأبي الزبير ، وأبي سلمة ، عن عبد الرحمن ، كلهم عن ابن عمر بهذا المعنى . وإنكار ابن عمر على سعد ، إنما كان المسح في الحضر ، لأنه جهل مسح الخفين في الحضر ، وهو بيِّن في حديث مالك . وفي رواية ابن جريج ، عن نافع في هذا الخبر : " وهو مقيم بالكوفة " ، وهو ظاهر حديث مالك ، وهذا يقتضي المسح للمقيم ، فمن أراد رواية هذا الخبر باختلاف ألفاظه واتفاق معانيه ، نظره في التمهيد . وأما قول عمر وشرطه فيه : " إذا أدخلت رجليك في الخفين وهما طاهرتان " ، فقد ثبت ذلك ، عن النبي عليه السلام من حديث الشعبي ، عن عروة بن المغيرة بن شعبة ، عن أبيه ، عن النبي عليه السلام ، رواه عن الشعبي ، يونس بن أبي إسحاق ، وذكره ابن أبي زائدة ، ومجالد بن سعيد ، وغيرهم . قال الشعبي : شهد لي عروة على أبيه كذلك ، وشهد أبوه ، عن النبي عليه السلام . وقد ذكرت ذلك كله في التمهيد ، بالطرق والأسانيد . وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يمسح على الخفين ، إلا من لبسهما على طهارة ، إلا أنهم اختلفوا في هذا المعنى فيمن قدم في وضوئه غسل رجليه ، ولبس خفيه ، ثم أتم وضوءه : هل يمسح عليهما أم لا ؟ وهذا إنما يصح على قول من أجاز تقديم أعضاء الوضوء بعضها على بعض ، ولم يوجب النسق ولا الترتيب فيها . وهي مسألة قد ذكرناها فيما تقدم ، من كتابنا هذا . وأما هذه المسألة فقال أبو حنيفة وأصحابه : من غسل رجليه ولبس خفيه ، ثم أكمل وضوءه ، أجزأه أن يمسح عليهما . وقال مالك ، والشافعي : لا يجزئه إلا أن يكون لبس خفيه ، بعد أن أكمل الوضوء . وقال الطحاوي محتجا للكوفيين : يجوز أن يقال : إن رجليه طاهرتان إذا غسلهما ولم يكمل الطهارة قبل ذلك ، كما يقال : صلى ركعتين وإن لم يتم صلاته . وقال غيره منهم : إنما يراعى الحدث ، والحدث لا يرد إلا على طهارة كاملة ، فهو كمن يقدم رجليه . وحجة أصحابنا أن من لبس خفيه قبل كمال طهارته ، فكأنه مسحهما قبل غسل رجليه ، لأن في حديث المغيرة : إذا أدخلت رجليك في الخفين وأنت طاهر ، فامسح عليهما ، ولا يكون طاهرا إلا بكمال الطهارة . وكذلك في حديث أبي بكرة : إذا تطهر فلبس خفيه مسح عليهما . وهذا يقتضي أن يكون لبسه خفيه بعد تقدم طهارته على الكمال . وأما أصحاب الشافعي فيبطلون الطهارة على غير الترتيب ، وليس عندهم على طهارة من فعل ذلك ، فكيف يمسح ؟ وقد تقدم القول في ذلك لهم وعليهم . ومن هذه المسألة تفرع الجواب ، فيمن لبس أحد خفيه بعد غسل إحدى رجليه ، وقبل أن يغسل الأخرى . فقال مالك : لا يمسح على خفيه من فعل ذلك ، لأنه قد لبس الخف الآخر قبل تمام طهارته ، وهو قول الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . وقال أبو حنيفة ، والثوري ، والمزني ، والطبري ، وداود : يجوز له أن يمسح وهو قول طائفة من أصحابنا منهم مطرف . وقد أجمعوا أنه لو نزع الخف الأول ، بعد لبسه جاز له المسح . وفي هذا الباب سئل مالك ، عن رجل توضأ وعليه خفاه ، وسها عن المسح عليهما حتى جف وضوءه وصلى . قال : ليمسح على خفيه وليعد الصلاة ، ولا يعد الوضوء . هذا لأن تبعيض الوضوء عنده سهوا لا يضره ، ولو تعمد ذلك ابتدأ الوضوء . وهذا أصل قد تكرر القول فيه .