أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُحْنُونُ بْنُ سَعِيدٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ ° ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ° ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ° ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ° ، عَنْ عَائِشَةَ ° ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَتْ : " لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي ، فَقَالَ : إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ . قَالَتْ : وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَبَوَايَ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ ، قَالَتْ : ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ : يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا سورة الأحزاب آية 28 . قَالَ : فَقَالَتْ : أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَالدَّارَ الآخِرَةَ . قَالَتْ عَائِشَةُ : ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حِينَ قَالَهُ لَهُنَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاخْتَرْنَهُ ، طَلاقًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُنَّ اخْتَرْنَهُ "
قال ابن وهب ، وحدثني مالك ، عن ابن شهاب أنه قال : لقد خير رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمره الله بذلك ، فاخترنه بذلك ، فلم يكن تخييرهن طلاقا . قال ابن وهب : وحدثني رجال من أهل العلم ، عن عائشة ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن مسعود ، وعمر بن الخطاب ، وعبد الله بن عباس ، وعطاء بن أبي رباح ، وسليمان بن يسار ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وابن شهاب ، وعمر بن عبد العزيز ، كلهم يقول : إن اختارت زوجها فليس بشيء . قال مالك في المخيرة : إذا خيرها زوجها ، فاختارت نفسها ، فقد طلقت ثلاثا ، وإن قال زوجها : لم أخيرك إلا واحدة ، فليس له ذلك ، وذلك أحسن ما سمعته . قال مالك : وإن خيرها ، فقالت : قد قبلت واحدة . وقال لم أرد هذا ، وإنما خيرتك في الثلاث جميعا أنها إن لم تقبل إلا واحدة ، أقامت عنده على نكاحها ، ولم يكن ذلك فراقا ، إن شاء الله تعالى . قال أبو عمر : فرق مالك بين التمليك والخيار ، فقال في التمليك ما قدمنا ذكره عنه في أبوابه من هذا الكتاب أن له أن يناكرها ، ويحلف على ما أراد من عدد الطلاق . وقال في الخيار : إذا اختارت نفسها ، فهو الطلاق كله ، فإن أنكر ذلك زوجها فلا تكره له ، ولا ينفعه . قال : وإن اختارت واحدة ، فليس ذلك بشيء ، قال : وإنما الخيار ألبتة ، إما أخذته ، وإما تركته . واختلف قوله في الخيار والتمليك ، هل هما على المجلس ، أم ذلك بيدها حتى تقضي فيه ؟ فقال مرة ، وهو المشهور المعمول به من قوله : إن الخيار على المجلس ، وأنهما إن افترقا من مجلسهما قبل أن يقضي في الخيار فلا خيار لها . ومرة قال : إذا خير امرأته ، فالأمر بيدها ، تختار فيه فراقه ، إن شاءت ، وإن قاما من المجلس ، ولها الخيار حتى توقف أو يجامعها . وقد بينا هذا في التمهيد ، فاختار ابن القاسم القول الأول ، وقال الليث ، والشافعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، والأوزاعي : الخيار على المجلس ، وهو قول جمهور التابعين بالحجاز والعراق ، كلهم يقول بمعنى واحد : الخيار لها ما لم يقوما من مجلسهما . وقال الزهري ، وقتادة : المخيرة والمملكة أمرها بيدها حتى تقضي فيه . وهو قول عثمان البتي ، وبه قال أبو عبيد ، واختاره محمد بن نصر المروزي ، وقد ذكرنا الحجة على من تأول في حديث عائشة ، أن الخيار ليس على المجلس ، في باب التمليك . وأما بسط أقوالهم , وحكاية ألفاظهم ، فقال الشافعي : لا أعلم خلافا أنها لو طلقت نفسها قبل أن يفترقا من المجلس أن الطلاق يقع عليها . قال : ويجوز أن يقال لهذا إجماع . وقال الشافعي : إذا خيرها فلها الخيار ما لم تأخذ في غير ما خاطبها به ، أو تقم من مجلسه ، أو تمازحه . قال مالك : إن مضت ساعة قدر ما يقضي فيه ما جعل لها لا يتكلم ، ثم تكلمت ، فذلك لها ، وإن لم تقل شيئا حتى تقول ، سقط الخيار ، وهو لها ما دامت في المجلس ، فإن عجل الزوج ، وقام به قبل أن تقضي كلامها ، فذلك ليس بشرط قبل أن تقضي ، أو يتفرقا . قال : ولا أحب لأحد أن يملك امرأته أمرها ويجعل لها الخيار إلى أجل معين ، ولا بأس باليوم ، وما أشبهه في خيارها ، وتوقف حتى تختار ، أو ترد ذلك إليه . وقال أبو يوسف ، وأبو حنيفة ، ومحمد ، والثوري : الخيار لها ما دامت في مجلسها ، وإن مكثت يوما ما لم تقم ، أو تأخذ في عمل ، فإن كانت قائمة ، فجلست ، فهي على خيارها . قال أبو حنيفة : ولا ألتفت إلى قيام الزوج وخروجه عنها . قال : وإن قال أمرك بيدك اليوم ، فهو بيدها حتى ينقضي اليوم . وقال الأوزاعي : إذا خير امرأته ، ثم افترقا قبل أن يقول شيئا ، فلا شيء لها . وقال عثمان البتي : لو وقع عليها بعد ما ملكها ، أو خيرها ، فهي على خيارها ، والله أعلم . لا أعلم أحدا قاله غيره . وقال مغيرة الضبي : إذا خيرها فسكتت ، فهو رضا بالزوج ، وإن كانت في مجلسها . وقال ربيعة ، ويحيى بن سعيد : إذا خيرها فتفرقا قبل أن تحدث شيئا ، سقط الخيار . وقال ربيعة : فإن خيرها إلى أجل ، فليس لها في نفسها خيار إلا إلى الأجل ، فإن اختارت نفسها عند الأجل ، فهي ألبتة . وقال مالك : ذلك لها ، وإن خيرت ذلك بعد الأجل لتنظر فيه . وقال الليث : إذا انقضى الأجل ، ولم تقض شيئا ، رد الأمر إلى الزوج . وقال أحمد ، وإسحاق ، في الخيار إلى الأجل : لها الخيار ما لم يغشها ، ويرجع في الخيار إذا شاء . فإن لم يكن الخيار إلى أجل ، فهو لها حتى تقوم من مجلسها ، أو تأخذ من غير المعنى الذي كانا فيه . وقال عبيد الله بن الحسن : إن جعل لها الخيار في المجلس ، فهو على المجلس ، وإن جعله مرسلا ، لم أرجع لذلك غاية ، وإن طاوعته له الرجوع إلى القضاء ذلك الوقت والأجل ، كذلك لو جعله بيدها . قال أبو عمر : قد مضى قول مالك ومذهبه في الخيار ، وما يلزم فيه من الطلاق إن اختارت نفسها . وقال الشافعي : ليس في الطلاق خيار إلا أن يريده الزوج بقوله : اختاري . وتطلق نفسها ، فإن طلقت نفسها بقوله ذلك ، فكذلك إليه ، لا إليها ما نوى من الطلاق ، وأراده لزمه ، وإن لم يرد طلاقا ، فليس بطلاق ، وإن أراد واحدة ، فهي رجعية ، والتخيير والتمليك عنده سواء . وقال أبو حنيفة : من خير امرأته ، وهو ينوي ثلاثا ، فهي له ثلاثا إن طلقت نفسها ثلاثا ، وإن قالت : قد اخترت نفسي , ولا نية له ، فلا يقع عليها إلا تطليقة واحدة ، وسواء قالت قد طلقت نفسي ، أو قالت قد اخترت نفسي . وقال الثوري : إذا خيرها ، فاختارت نفسها ، فهي واحدة بائنة ، والتخيير والتمليك عنده سواء ، وكذلك هو عند الكوفيين . وقول عبيد الله بن الحسن في الخيار كقول الثوري ، وأبي حنيفة في أنها واحدة بائنة ، وقوله في التمليك نحو قول مالك ، وقد مضى ذلك . وقال ابن أبي ليلى : إن اختارت نفسها ، فواحدة تملك الرجعة . قال أبو عمر : انظر فيه ، فهو خلاف بين ، لقوله في التمليك ، وفيه نظر .