وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ ° ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ° ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ° ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ° ، أَنَّهُمَا قَالا : لا بَأْسَ بِأَكْثَرِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، وَيَرْفَعَانِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وروى مسلمة بن علقمة ، عن ابن سيرين ، عن مسلم بن يسار ، وعبد الله بن عبيد ، عن عبادة ، قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيع الذهب بالورق ، والبر بالشعير كيف شئنا يدا بيد . ومن الحجة في هذا أيضا حديث مالك ، عن ابن شهاب ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، عن عمر بن الخطاب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء ، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء ، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء ، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء . ففصل بين البر والشعير كما فصل بين الشعير والتمر بواو فاصلة ، ولو كان البر والشعير صنفا واحدا لما فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما كما لم يفرق بين صنف من الذهب ، وصنوف الفضة وصنوف التمر ، وكما لم يفرق العلماء بين صنوف الزيت ، ومعلوم أن بعضه أجود من بعض . قال مالك : الأمر المجتمع عليه عندنا ، أن لا تباع الحنطة بالحنطة ، ولا التمر بالتمر ، ولا الحنطة بالتمر ، ولا التمر بالزبيب ، ولا الحنطة بالزبيب ، ولا شيء من الطعام كله ، إلا يدا بيد ، فإن دخل شيئا من ذلك الأجل ، لم يصلح ، وكان حراما ، ولا شيء من الأدم كلها ، إلا يدا بيد . قال مالك : ولا يباع شيء من الطعام والأدم إذا كان من صنف واحد ، اثنان بواحد ، فلا يباع مد حنطة بمدي حنطة ، ولا مد تمر بمدي تمر ، ولا مد زبيب بمدي زبيب ، ولا ما أشبه ذلك من الحبوب والأدم كلها ، إذا كان من صنف واحد ، وإن كان يدا بيد ، إنما ذلك بمنزلة الورق بالورق ، والذهب بالذهب ، لا يحل في شيء من ذلك الفضل ، ولا يحل إلا مثلا بمثل ، يدا بيد . قال أبو عمر : أجمع الفقهاء من التابعين ، فمن بعدهم أنه لا يجوز الورق بالورق إلا مثلا بمثل ، يدا بيد ، وكذلك الذهب بالذهب لا يجوز إلا مثلا بمثل ، يدا بيد ، وكذلك البر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر . وقد ذكرنا ما شذ فيه معاوية ، وما شذ فيه ابن عباس أيضا فيما سلف من كتابنا ، والحجة في السنة ، لا فيما خالفها من الأقوال التي هي جهالة يلزم ردها إلى السنة ، وقول مالك في الطعام كله والأدام ، أنه لا يجوز في شيء منه النسيئة ، وقول جمهور علماء الأمة ، وقد ذكرنا في هذا الباب ما يدل على صواب القول في الأصناف مما يقطع عند ذوي الأفهام الاختلاف ، والحمد لله . وشذ داود فأجاز النسيئة ، والتفاضل فيما عدا البر ، والشعير ، والتمر ، والملح من الطعام ، والادام ، لنص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولعموم قول الله عز وجل : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ سورة البقرة آية 275 . فلم يضم إلى النسيئة المنصوصة في حديث عبادة ، وغيره شيئا غيرها ، وهي الذهب ، والورق ، والبر ، والشعير ، والتمر ، والملح ، وشذ ابن علية في ذلك أيضا ، فقال : إذا اختلف النوعان كالبر بالشعير ، والبر بالزبيب ، فليس بواحد بأضعاف الآخر ، يدا بيد ، ونسيئة ، قياسا لكل ما يكال على ما يوزن . قال : ولما أجمعوا في الموزونات أنها جائز أن يشتري الحديد ، والقطن ، والعصفر ، وما يوزن من مثل ذلك كله كالذهب ، والفضة اثنان بواحد نقدا ، أو نسيئة ، لأنه لا يشبه الذهب ، والفضة شيء من الموزون ، فكذلك في القياس كل شيء يكال أبعد شبها من الذهب ، والفضة وأحرى أن يكون واحد بأضعافه بالنقد ، والنسيئة . قال أبو عمر : ما أصاب وجه القياس ، ولا اتبع الجمهور ، ولا اعتبر الآثار ، ولا أعلم له ولداود سلفا فيما ذهبا إليه من ذلك مع تضاد أصولهما في القياس إلا حديث يرويه ابن جريج ، عن إسماعيل بن أمية ، وأيوب بن موسى ، أن نافعا أخبرهما أن ابن عمر باع تمرا بالغابة صاعين بصاع حنطة بالمدينة ، وقد روي عن ربيعة ، وأبي الزناد نحو ذلك ، قال مالك : وإذا اختلف ما يكال أو يوزن ، مما يؤكل أو يشرب ، فبان اختلافه ، فلا بأس أن يؤخذ منه اثنان بواحد ، يدا بيد ، ولا بأس أن يؤخذ صاع من تمر بصاعين من حنطة ، وصاع من تمر بصاعين من زبيب ، وصاع من حنطة بصاعين من سمن ، فإذا كان الصنفان من هذا مختلفين ، فلا بأس باثنين منه بواحد ، أو أكثر من ذلك يدا بيد ، فإن دخل ذلك الأجل ، فلا يحل . قال مالك : ولا تحل صبرة الحنطة بصبرة الحنطة ، ولا بأس بصبرة الحنطة بصبرة التمر ، يدا بيد ، وذلك أنه لا بأس أن يشترى الحنطة بالتمر جزافا . قال مالك : وكل ما اختلف من الطعام والأدم فبان اختلافه ، فلا بأس أن يشترى بعضه ببعض جزافا ، يدا بيد ، فإن دخله الأجل فلا خير فيه ، وإنما اشتراء ذلك جزافا كاشتراء بعض ذلك بالذهب والورق جزافا ، قال مالك : وذلك أنك تشتري الحنطة بالورق جزافا ، والتمر بالذهب جزافا ، فهذا حلال لا بأس به . قال أبو عمر : على ما رسمه مالك ، وذكره من هذا مذهب الشافعي ، والكوفي ، وجمهور العلماء في تحريم النسيئة في الطعام بعضه ببعض من صنف واحد كان ، أو من صنفين مختلفين . وتحريم النسيئة دون التفاضل في الجنسين على ما ذكرنا من اختلاف أصولهم في الأصناف ، والأجناس ، وكل ما جاز فيه التفاضل من الطعام جاز بيع بعضه ببعض جزافا صبرا ، وغير صبر ، ومعلوما بمجهول ، ومجهولا بمجهول ، وأما ما لا يجوز فيه التفاضل ، فلا يجوز بيعه جزافا ، ولا يباع منه معلوم بمجهول المقدار ، ولا مجهول بمعلوم المقدار ، وهذا كله قد تقدم مثله في باب بيع الفاكهة ، وذكرنا هناك أيضا مذهب الكوفيين في أن الجنس بانفراده يحرم النسيئة ، وكذلك الكيل ، والوزن عندهم كل واحد منهما بانفراده يحرم النسيئة ، وإن اختلف الجنس . والشافعي ، ومالك ، والكوفيون متفقون في أن الصنف الواحد يحرم فيه النسيء ، والتفاضل في المأكول ، والمشروب المدخر عند مالك ، وعند الشافعي ، المأكول مدخر ، وغير مدخر ، والجنسان من المأكول ، والمشروب يجوز فيهما التفاضل ، ويحرم النسيئة على ما ذكرنا من اختلاف مالك ، والشافعي ، في المأكول غير المدخر ، وزاد الكوفيون على الحجازيين مراعاة الكيل ، والوزن ، وإن اختلف الجنس ، لأن الكيل ، والوزن عندهم كالجنس ، وغير المأكول ، والمشروب عندهم كالمأكول ، والمشروب إذا كان بوزن ، فهو جنس ، أو كان يكال ، فهو جنس ، والجنس عندهم الصنف عندنا . وقد مضى ذلك كله في باب بيع الفاكهة بأبسط من هذا . وأما الذهب ، والفضة ، وإن كانا موزونين ، فلا يشبهما غيرهما من الموزونات عند الجميع ، لأنهما مسلمان في كل شيء من الموزون وغيره ، ولا يسلم بعضها ببعض . وقال مالك ، والشافعي : لا يجوز أن يباع شيء من الطعام كله ، والإدام بعضه ببعض ، إلا يدا بيد . وقال أبو حنيفة : إن افترقا في المجلس ، ثم تقابضا بعد لم يصر العقد . وقول الليث في ذلك كقول مالك ، والشافعي ، وذلك عندهم كالصرف ، وخالف أبو حنيفة في قوله هذا بينه وبين الصرف . قال مالك : ومن صبر صبرة طعام وقد علم كيلها ، ثم باعها جزافا ، وكتم المشتري كيلها ، فإن ذلك لا يصلح ، فإن أحب المشتري أن يرد ذلك الطعام على البائع ، رده بما كتمه كيله ، وغره ، وكذلك كل ما علم البائع كيله ، وعدده من الطعام ، وغيره ، ثم باعه جزافا ، ولم يعلم المشتري ذلك ، فإن المشتري إن أحب أن يرد ذلك على البائع رده ، ولم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك . قال أبو عمر : قد قال بقول مالك في ذلك الليث بن سعد ، والأوزاعي ، وروي ذلك عن ابن سيرين ، وقد روي عن الأوزاعي ، أنه قال : إذا اشترى شيئا مما يكال ، وحمله إلى بلد يوزن فيه ، لم يبعه جزافا ، وإن كان حيث حمله لا يكال ، ولا يوزن ، فلا بأس به . وأما الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما ، والثوري ، والحسن بن حي ، فقالوا : لا بأس أن يبيع طعاما قد علم مقداره ممن لا يعلم مقداره . وقد روى ابن القاسم ، عن مالك أنه قال : جائز بيع القثاء ، ونحوه جزافا ، وإن علم البائع عدده ، ولم يعلم المشتري ، لأن ذلك يختلف ، ولم يجز ذلك في الجزر ، وما أشبهه من المعدود . قال أبو عمر : ولا أعلم أصلا يحرم ذلك . وقد قال رسول الله : " دعوا الناس يرزق بعضهم من بعض " . وكل تجارة ، عن تراض لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عنها ، ولا كانت في معنى ما نهى عنه ، فجائز بظاهر القرآن ، ومن أبى من جواز ذلك جعله من باب الغش ، والتدليس بالعيب . قال مالك : ولا خير في الخبز قرص بقرصين ، ولا عظيم بصغير ، إذا كان بعض ذلك أكبر من بعض ، فأما إذا كان يتحرى أن يكون مثلا بمثل ، فلا بأس به ، وإن لم يوزن . قال أبو عمر : هذا تحصيل مذهب مالك عند أكثر أصحابه ، وقد روي عنه أن الخبز بالخبز فيه التفاضل ، والتساوي ، لأن الصناعة قد أخرجته عن أصل جنسه . ذكره ابن خواز بنداذ ، عن مالك ، واختلف أصحابه في خبز القطاني بعضه ببعض اختلافا كثيرا ، قد ذكرناه في اختلاف قول مالك ، وأصحابه ، ولم يختلفوا في أن العجين بالعجين لا يجوز متفاضلا ، ولا متساويا ، وكذلك العجين بالدقيق عند أكثرهم ، وأما الشافعي فلا يجوز عنده بيع الخبز بالخبز متفاضلا ، ولا متماثلا ، وكذلك العجين بالعجين ، وكذلك عنده كل شيء لا يجوز أصله إلا مثلا بمثل ، لا يجوز إذا خرج عن أصله بيع بعضه ببعض بحال ، لأنه وقف على صحة ما في كل واحد منهما من الأصل ، وأنه لا يدري مقدار ما في العجين من الماء ، وبعض الدقيق يحمل من الماء أكثر مما يحمل غيره ، وكذلك الطبخ ، فبلغ من بعض الخبز ما لم يبلغ من غيره ، ولا يجوز عند الشافعي بيع الخل بالخل متماثلا ، ولا متفاضلا ، لأنه لا يوقف على ما في كل واحد منهما من الماء ، فإن كان خل العنب لا ماء فيه ، فلا بأس ببيع بعضه ببعض متماثلا ، يدا بيد ، وكذلك الشرف بالشرف ، ولا يجوز عنده بيع الدقيق بالبر ، لا متفاضلا ، ولا متساويا ، ولا يجوز عنده يتحرى في شيء من الأشياء التي لا يجوز التفاضل في بيع بعضها ببعض ، ولا يجوز بيعها إلا مثلا بمثل ، لا يجوز التحري في شيء من ذلك كله ، لا في اللحم ، ولا في غيره ، ولا بد من وزن ما يوزن منها ، وكيل ما يكال ، والكيل عنده أصله ما كان يكال على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والوزن ما كان يوزن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا يصرف إلى الكيل ما كان يوزن على عهد النبي عليه السلام ، ولا إلى الوزن ما كان يكال على عهد النبي عليه السلام ، وأما أبو حنيفة ، فجائز عنده التفاضل في الخبز ، لأنه قد خرج عن جنسه ، وكملت فيه الصناعة ، وما جاز فيه التفاضل جاز فيه التحري ، ولا يجوز عند مالك بيع الحنطة المقلوة بالحنطة ، ويجوز عنده السويق بالبر ، وبالدقيق متفاضلا ، لما دخله من الصنعة ، وبه قال أبو يوسف ، ومحمد . وقال أبو حنيفة : لا يباع السويق بالحنطة ، ولا بالدقيق متفاضلا ، ولا متساويا . وهو قول الشافعي ، والثوري ، والأوزاعي ، والليث ، قال مالك : لا يصلح مد زبد ومد لبن بمدي زبد . وهو مثل الذي وصفنا من التمر الذي يباع صاعين من كبيس ، وصاعا من حشف ، بثلاثة أصوع من عجوة ، حين قال لصاحبه : إن صاعين من كبيس بثلاثة أصوع من عجوة لا يصلح . ففعل ذلك ، ليجيز بيعه ، وإنما جعل صاحب اللبن مع زبده ، ليأخذ فضل زبده على زبد صاحبه ، حين أدخل معه اللبن . قال أبو عمر : قول الشافعي في ذلك كقول مالك . وأما أبو حنيفة فجائز ذلك كله عنده ، لأنه يجوز عنده مد لبن بمد لبن ، ومد زبد بمد زبد ، ويكون المد من الزبد بالمد من الزبد ، وأما الشافعي فلا يجوز عنده اللبن بالزبد بحال إذا كان من جنسه ، والألبان عنده أجناس ، لبن الغنم ماعزها ، وضأنها صنف واحد ، ولبن البقر غربيها ، وجواميسها صنف ، ولبن الإبل مهريها ، وعرابها صنف ، وإن اختلف الصنفان ، فلا بأس به متفاضلا ، يدا بيد ، واختلف قوله في اللحوم ، فقال المزني : الأولى به أن تكون أصنافا كاللبن . وهو قول الكوفي . قال مالك : والدقيق بالحنطة مثلا بمثل لا بأس به . وذلك ، لأنه أخلص الدقيق فباعه بالحنطة مثلا بمثل ، ولو جعل نصف المد من دقيق ، ونصفه من حنطة فباع ذلك بمد من حنطة ، كان ذلك مثل الذي وصفنا لا يصلح ، لأنه إنما أراد أن يأخذ فضل حنطته الجيدة ، حتى جعل معها الدقيق ، فهذا لا يصلح . قال أبو عمر : اختلف قول مالك في بيع الدقيق بالحنطة : فالأشهر عنه ، والأكثر أنه أجازه مثلا بمثل ، وهو قول الليث ، وابن شبرمة ، وروي عنه أنه منع منه ، وهو قول الشافعي ، والكوفي ، وبه قال ابن الماجشون ، وقال : هذا مثل الرطب بالتمر . وقال أبو حنيفة ، والشافعي ، وأصحابهما : لا يجوز بيع الدقيق بالحنطة ، لا متماثلا ، ولا متفاضلا . وكان عبد العزيز بن أبي سلمة يجيز بيع الدقيق بالقمح متفاضلا . وروي عنه مثل قول الشافعي ، والأول أصح عنه . وقال شعبة : سألت ابن شبرمة عن الدقيق بالبر ، فقال : شيء لا بأس به . قال شعبة : وسألت الحكم وحمادا عن ذلك ، فكرهاه . وأما قول مالك في نصف مد دقيق ، ونصف مد من حنطة بمد من دقيق فقد بين علته في ذلك ، ووافقه الشافعي ، وأبو حنيفة ، في الجواب دون العلة ، لأنهما لا يجيزان بيع الدقيق بالحنطة أصلا ، ونحن على مذهب من أجاز بيعها مثلا بمثل ، لأنه نصف مد دقيق بمثله من دقيق ، ونصف مد حنطة بمثله من حنطة .