← طبقات الشافعية الكبرى
طبقات الشافعية الكبرى
#261 2 : 209 ☰ ومن الفوائد والغرائب والأشعار عنه
A− A+

وبه : إلى أَبِي الْحَسَن بْن أَبِي عمر وهو النوقاني ، قَالَ : سمعت أَبَا سليمان الخطابي يقول : الغنى ما أغناك لا ما عناك . قال : وسمعته يقول : عش وحدك حتى تزور لحدك ، احفظ أسرارك وشد عليك أزرارك . ومن شعر الخطابي غير ما تقدم : وما غربة الإنسان فِي شقة النوى ولكنها والله فِي عدم الشكل وإني غريب بين بست وأهلها وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي ومنه : فسامح ولا تستوف حقك كله وأبق فلم يستوف قط كريم ولا تغل فِي شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم

ذكر الخطابي فِي ( معالم السنن ) الحديث الذي رواه أَبُو داود ، وفيه أن رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رد شهادة القانع لأهل البيت ، وأجازها لغيرهم ، واقتصر فيه على قوله : القانع السائل والمستطعم ، وأصل القنوع : السؤال ، ويقال فِي القانع : إنه المنقطع إلى القوم يخدمهم ، ويكون فِي حوائجهم ، وذلك مثل الأجير ، والوكيل ، ونحوه . ومعنى رد هذه الشهادة التهمة فِي جر النفع إلى نفسه ؛ لأن القانع لأهل البيت ينتفع بما يصير إليهم من نفع ، إلى أن قَالَ : ومن رد شهادة القانع لأهل البيت بسبب جر المنفعة ، فقياس قوله أن يرد شهادة الزوج لزوجته ؛ لأن ما بينهما من التهمة فِي جر النفع أكثر ، وإلى هذا ذهب أَبُو حنيفة . انتهى . وقد تبعه جماعة من الأصحاب ، منهم القاضي الْحُسَيْن ، فَقَالَ فِي تعليقته ما نصه : فرع : شهادة القانع لأهل البيت لا تقبل ، وهو الذي انقطع فِي مكاسبه ، والتجأ إلى أهل بيت يؤاكلهم ، ويرمي عن قوسهم فلا تقبل شهادته لهم ؛ لما فيه ولما هو عليه من سقوط المروءة . قَالَ القاضي رحمه اللَّه : ولو كانت الزوجة بهذه الصفة أقول : لا تقبل شهادتها انتهى . وصاحب ( البحر ) الروياني اتبع الخطابي فِي كلامه هذا والحديث ذكره من أصحابنا زكريا الساجي ، والماوردي ، ولم يشبعوا عليه كلاما . والروياني اقتصر فيه على كلام الخطابي ، وَقَالَ فِي شهادة أحد الزوجين للآخر : الصحيح عندي أنها لا تقبل ، ففيها تهمة قوية ، خاصة فِي زماننا ، قَالَ : وَقَالَ أَبُو سليمان الخطابي : إنه القياس على القانع الذي ورد به النص . قلت : ومسألة القانع مع ورود حديث فيها لم أجد من أشبعها قولا ، وقليل من خصها بالذكر ، ولم أرها فِي شيء من كتب الرافعي ، والنووي ، وابن الرفعة ، بل لا أحفظها مقصودة بالذكر فِي غير تعليقة القاضي ، ومن بعده ممن سأذكره . والذي أقوله فيها : إن الحديث إن صح وكان معناه ما ذكره ، فلا مدفع له ، وواجب الرجوع إليه ، غير أنه لا يكاد يثبت ، ولفظه مضطرب ، ومعناه مختلف فيه . أما توقفنا فِي ثبوته ، فمن قبل أنه من حديث مُحَمَّد بْن راشد ، وفيه كلام عن سليمان بْن موسى الدمشقي ، وفيه أيضا كلام ، قَالَ البخاري : عنده مناكير عن عمرو بْن شعيب ، عن أبيه ، عن جده . وأما اضطراب لفظه ، فلفظ أَحْمَد : لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ، ولا ذي غمر على أخيه ، ولا شهادة القانع لأهل البيت ، والقانع الذي ينفق عليه أهل البيت . ولفظ أَبِي داود : رد شهادة الخائن والخائنة ، وذي الغمر على أخيه ، ورد شهادة القانع لأهل البيت ، وأجازها لغيرهم . وفي لفظ آخر عنده لم يذكر القانع بالكلية . ورواه الدارقطني من حديث عائشة ، ولفظه : ولا القانع من أهل البيت لهم . رواه من حديث يزيد بْن أَبِي زياد ، وَقَالَ : يزيد بْن أَبِي زياد هذا لا يحتج به . قلت : وذكر ابن أَبِي حاتم فِي العلل أن أَبَا زرعة الرازي ، قَالَ : إنه حديث منكر . وأما الاختلاف فِي معناه فما ذكره الخطابي اعتمد فيه على قول أَبِي عبيد : القانع : السائل والمستطعم . وَقَالَ أيضا : قد يقال إنه المنقطع إلى القوم يخدمهم ، ويكون فِي حوائجهم . قلت : ولعل هذا أشبه بمعنى الحديث ، وقد تقدم فِي بعض ألفاظه ما يؤيده ، ومع هذا الاضطراب يقف الاحتجاج به . وأما شهادة أحد الزوجين للآخر ، وقياس أَبِي سليمان لها على القانع فموضع نظر ، وأوضح منه ما ذكره القاضي من قياس الزوجة على القانع لا القانع ؛ فإن الزوجة هي التي تستجر النفع بمال زوجها ، ومن أجل ذلك حكى بعض الأصحاب قولا : إن شهادتها له ترد بخلاف شهادته لها ، غير أنه ضعيف وبعيد الشبه من القانع ؛ فإنها إنما تأخذ النفقة عوضا ، فلا يقع بها من التهمة ما يقع للقانع ، ولا يحملها على ما يحمله . والرافعي لم يذكر القانع لا مقصودا ولا مستطردا ، وحكى فِي شهادة أحد الزوجين للآخر ثلاثة أقوال ، أصحها عنده ، وعند النووي القبول . قال : وفي ( التهذيب ) طريقة قاطعة به ، وثالثها قبول الزوج دون الزوجة ، ولم يزد الرافعي على ذلك . وفي المسألة وجه رابع : أن شهادتها تقبل له ، إن كان موسرا ، وإن كان معسرا فوجهان . وخامس : أنها ترد فيما إذا شهدت بمال هو قدر قوتها ذلك اليوم ، ولا مال للزوج غيره ، لعود النفع إليها يقينا ، وتقبل فِي غير هذه الحالة ؛ لأنه لا يتحقق عود النفع إليها . حكاهما القاضي شريح فِي كتاب ( أدب القضاء ) ، وجزم فيمن انقطع إلى كنف رجل يراعيه ، وينفق عليه أنه لا يمتنع بذلك قبول شهادته . قلت : وهذا هو القانع بعينه ، وإن لم يصرح بلفظه ففيه مخالفة لما جزم به القاضي من الرد ، وما ذكره من القبول هو الذي لا تكاد تجد سواه فِي أذهان الناس ، وهو الفقه الظاهر إن لم يثبت الحديث . حكى الخطابي فِي ( معالم السنن ) ، عن أَبِي ثور ، أنه قَالَ : الجماعة فِي الجمعة كسائر الصلوات . وهذا رد على دعوى ابن الرفعة ، أنه لا خلاف فِي اشتراط الجماعة في الجمعة ، بشرط أن يكون أَبُو ثور لا يرى وجوب الجماعة فِي سائر الصلوات ، وإلا فمتى رأى ذلك لم يكن فيه دليل إلا على أنه يكفى فيها إمام ومأموم ، فلم ينف عنها أصل الجماعة . ذهب الخطابي إلى أن أكل الثوم والبصل ليس عذرا فِي ترك الجمعة . قال النووي فِي كلام الخطابي إشارة إلى تحريم البول فِي الطريق ، وهو الذي ينبغي لحديث : " اتقوا اللعانين " ، ولما فيه من إيذاء المسلمين ، ولكن الأصحاب متفقون على أن كراهيته كراهية تنزيه . كره الخطابي للمرأة لبس خاتم الفضة ؛ لأنه من شعار الرجال ، قَالَ : بخلاف خاتم الذهب . ومن كلام الخطابي فِي حديث ابن عباس الذي أخرجه أَبُو داود قضى رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دية المكاتب يقتل فيودى ما أدى من كتابته دية الحر ، وما بقي دية المملوك . كذا أخرجه أَبُو داود ، ورواه النسائي مرسلا . قال الخطابي : أجمع عامة الفقهاء أن المكاتب عَبْد ما بقي عليه درهم فِي جنايته والجناية عليه . ولم يذهب إلى العمل بهذا الحديث أحد فيما بلغنا إلا إِبْرَاهِيم النخعي . وروى فِي ذلك شيء عن علي كرم اللَّه وجهه ، وإذا صح الحديث وجب العمل به ، إذا لم يكن منسوخا ، ولا معارضا بما هو أولى منه . انتهى . قلت : وقد حكى هذا القول عن الإمام أَحْمَد بْن حنبل رضي اللَّه عنه . استحسن ابن السمعاني أَبُو المظفر فِي كتاب ( القواطع ) قول الخطابي : ليس كل سبب علة ، ولكن كل علة سبب ، كما أنه ليس كل دليل علة ، ولكن كل علة دليل . ووصفه بما ذكرناه عنه آنفا من المدح . وهذا الكلام حسن فِي بادئ الرأي ، للتفرقة بين العلة والسبب ، إلا أن فيه تسمحا ؛ فإن العلة ما به الشيء ، والسبب ما عنده الشيء لا به ، فهما قسمان ليس أحدهما أعم من الآخر ، فلا يصح هذا الكلام ، وهذا لا يقبل من الخطابي ، وإن علا شأنه فِي العلوم التي يدريها غير الكلام ، فليس هو من صناعته . وقد تكلمنا عن السبب ، والعلة كلاما مبسوطا فِي كتاب ( الأشباه والنظائر ) ، وفي كتاب ( منع الموانع ) على لسان أصحاب هذه العلوم . قال الخطابي فِي كتابه ( تفسير اللغة التي فِي مختصر المزني ) فِي باب الشفعة : بلغني عن إِبْرَاهِيم بْن السرى الزجاج النحوي ، إنه كان يذهب إلى أن الصاد تبدل سينا مع الحروف كلها ؛ لقرب مخرجهما ، فحضر يوما عند علي بن عيسى ، فتذاكرا هذه المسألة ، واختلفا فيها ، وثبت الزجاج على مقالته ، فلم يأت على ذلك إلا قليل من المدة ، فاحتاج الزجاج إلى كتاب إلى بعض العمال فِي العناية ، فجاء إلى علي بْن عيسى الوزير ينتجز الكتاب ، فلما كتب علي بْن عيسى صدر الكتاب ، وانتهى إلى ذكره ، كتب : وإبراهيم بْن السري من أخس إخواني . فَقَالَ الرجل : أيها الوزير ، الله الله فِي أمري ، فَقَالَ له علي بْن عيسى : إنما أردت أخص ، وهذه لغتك فأنت أبصر ، فإن رجعت وإلا أنفذت الكتاب بما فيه ، فَقَالَ : قد رجعت أيها الوزير ، فأصلح الحرف وطوى الكتاب .

السند · الإسناد بالترتيب
أبي الحسن بن أبي عمر وهو …←أبا سليمان الخطابي