وأول بحثي عنه ترجمته لما كنت أقرأ طبقات الشيخ أَبِي إسحاق على شيخنا الذهبي ، مررت بقوله : وبخراسان وفيما وراء النهر من أصحابنا خلق كثير ، كالأودني ، وأبي عَبْد اللَّه الحليمي ، وأبي يعقوب الأبيوردي ، وأبي علي السنجي ، وأبي بَكْر الفارسي ، وأبي بَكْر الطوسي ، وأبي منصور البغدادي ، وأبي عَبْد الرحمن السلمي ، وناصر المروزي ، وأبي سليم الشاشي ، والغزالي ، وأبي مُحَمَّد الجويني ، وغيرهم ، ممن لم يحضرني تاريخ موتهم . هذا كلام الشيخ أَبِي إسحاق . أخبرنا به أَبُو عَبْد اللَّه الْحَافِظ ، بقراءتي عليه ، من أصل سماعه ، وهو أصل صحيح ، قَالَ : أخبرنا عمر بْن عَبْد المنعم بْن القواس ، أخبرنا زيد بْن الْحَسَن الكندي ، إجازة ، أخبرنا ابن عَبْد السلام ، أخبرنا الشيخ أَبُو إسحاق ، فذكره . وقد سألت شيخنا الذهبي حالة القراءة عليه : من هذا الغزالي ؟ فَقَالَ : هذا زيادة من الناسخ ، فإنا لا نعرف غزاليا غير حجة الإسلام وأخيه ، ويبعد كل البعد أن يكون ثم آخر ؛ لأن هذه نسبة غريبة ، يقل الاشتراك فيها .
قال : ويبعد أن يريد حجة الإسلام ، إذ هو مثل تلامذته . وأيضا فإنه لم يذكر من أقرانه أحدا ، كإمام الحرمين ، وابن الصباغ وغيرهما ، فكيف يذكر من هو دونهم ؟ وأيضا ، فإنه ذكره قبل الشيخ أَبِي مُحَمَّد ، والشيخ أَبُو مُحَمَّد شيخ شيخ الغزالي ، فإنه شيخ ولده إمام الحرمين ، شيخ الغزالي ، فكل هذا مما يمهد أنه لم يرد الغزالي ، فقلت له إذ ذاك : وثم دليل آخر قاطع على أنه لم يرد أَبَا حامد حجة الإسلام ، فَقَالَ : ما هو ؟ فقلت : قوله لم يحضرني تاريخ موتهم ، فإن هذا دليل منه على أنهم كانوا قد ماتوا ، ولكن ما عرف تاريخ موتهم ، وحجة الإسلام كان موجودا بعد موت الشيخ ، قَالَ : صحيح . ثم ذكرت ذلك لوالدي الشيخ الإمام ، تغمده اللَّه برحمته ، فذكر نحوا مما ذكره الذهبي . وتمادى الأمر ، وأنا لا أقف على نسخة من الطبقات ، وأكشف عن هذه الكلمة إلا وأجدها ، فأزداد تعجبا وفكرة . ثم وقعت لي نسخة عليها خط الشيخ أَبِي إسحاق ، وقد كتب عليها بأنها قرئت عليه ، فألفيت هذه اللفظة فيها . ثم وقفت فِي تعليقة الإمام مُحَمَّد بْن يحيى صاحب الغزالي فِي الزكاة فِي مسألة التلف بعد التمكن : أنه ألزم شافعي ، فقيل له : أليس لو تلف النصاب قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة ، فكذلك بعد التمكن ، بخلاف ما لو أتلف ، فإنها لا تسقط . فقال : مسألة الإتلاف ممنوعة ، لا زكاة عليه ، ولا ضمان ، وأسند هذا المنع إلى الغزالي القديم ، والشيخ أَبِي علي ، تفريعا على أن الزكاة إنما تجب بالتمكن . انتهى . ثم وقفت فِي كتاب الأنساب لابن السمعاني ، فِي ترجمة الزاهد أَبِي علي الفارمذي ، على أن أَبَا علي المذكور تفقه على أَبِي حامد الغزالي الكبير ، فلما وقفت على هذين الأمرين سر قلبي ، وانشرح صدري ، وأيقنت أن فِي أصحابنا غزاليا آخر ، فطفقت أبحث عنه فِي التواريخ ، فلا أجده مذكورا ، إلى أن وقفت على ما انتقاه ابن الصلاح من كتاب المذهب فِي ذكر شيوخ المذهب للمطوعي ، فرأيته ، أعني : المطوعي ، قد ذكر أَبَا طاهر الزيادي ، وعظمه . ثم قَالَ : وتخرج بدرسه من لا يحصى كثرة ، كأبي يعقوب الأبيوردي ، صاحب التصانيف السائرة ، والكتب الفائقة الساحرة وذكره . ثم قَالَ : وكأبي حامد أَحْمَد بْن مُحَمَّد الغزالي ، الذي أذعن له فقهاء الفريقين ، وأقر بفضله فضلاء المشرقين والمغربين ، إذا حاور العلماء كان المقدم ، وإن ناظر الخصوم كان الفحل المقرم ، وله فِي الخلافات ، والجدل ، ورءوس المسائل ، والمذهب تصانيف ، انتهى . فازددت فرحا وسرورا ، وحمدت اللَّه حمدا كثيرا . وقد وافق هذا الشيخ حجة الإسلام فِي النسبة الغريبة ، والكنية ، واسم الأب ، ثم بلغني أنه عمه ، فقيل لي : أخو أبيه . وقيل : عم أبيه أخو جده ، ثم حكى لي سيدنا الشيخ الإمام العلامة ولي اللَّه جمال الدين عمدة المحققين ، مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد الجمالي ، حياه اللَّه وبياه ، وأمتع ببقياه : أن قبر هذا الغزالي القديم معروف مشهور ، بمقبرة طوس ، وأنهم يسمونه الغزالي الماضي ، وأنه جرب من أمره أنه من كان به هم ودعا عند قبره استجيب له .