18 وَحَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ° ، عَنْ وَكِيعٍ ° ، عَنِ الضَّحَّاكِ ° ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ° ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صُحَارٍ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ " إِنِّي رَجُلٌ مِسْقَامٌ فَأْذَنْ لِي فِي جَرَّةٍ أَنْتَبِذُ فِيهَا ، فَأَذِنَ لِي " ، فَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ فِي الظُّرُوفِ . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا حَرَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُتَرَخَّصَ فِيهِ لِمَنْ شَاءَ عَلَى حَسَبِ الْعِلَّةِ وَالْعُذْرِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَخَّصَ فِيمَا حَظَرَ اللَّهُ ، إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَطْلَقَهُ اللَّهُ

وَمِثْلُ الْمُحَرَّمِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، سُنَّتُهُ الَّتِي سَنَّهَا ، مِنْ تَوَابِعِ صَلَوَاتِ الْفَرْضِ ، وَالْوِتْرِ ، وَالْعُمْرَةِ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا ، فَلَيْسَ كَوُجُوبِ الْفَرَائِضِ نَفْسِهَا ، وَلَا يُحْكَمُ عَلَى تَارِكِهِ عَامِدًا ، بِمَا يُحْكَمُ عَلَى تَارِكِ الْفَرَائِضِ عَامِدًا . وَبَعْدَ الْمُحَرَّمِ بِالسُّنَّةِ شَيْءٌ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ ، وَأَمَرَ بِهِ عَلَى جِهَةِ التَّأْدِيبِ ، فَالْعَمَلُ بِهِ فَضِيلَةٌ وَمَثُوبَةٌ ، وَلَيْسَ عَلَى تَارِكِهِ عُقُوبَةٌ ، كَأَمْرِهِ بِالتَّلَحِّي وَنَهْيِهِ عَنِ الاقْتِعَاطِ ، وَكَنَهْيِهِ عَنْ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ ، وَعَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ ، وَهَذَا لَيْسَ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَا مِمَّا حَرَّمَ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْأَشْرِبَةُ بِهَذَا السَّبِيلِ مَا حَدَّهَا الْخَمْرُ ، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَمَا حُرِّمَتِ الْمَيْتَةُ ، وَالدَّمُ ، وَلَحْمُ الْخَنْزِيرِ ، وَلَا يَحِلُّ مِنْهَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ ، حَتَّى تَفْسُدَ وَيُفَارِقَهَا الْعَرَضُ الَّذِي حَرَّمَهَا . وَالْخَمْرُ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَالْآخَرُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَأَمَّا الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ : فَهُوَ مَا غَلَى مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُصِيبَهُ النَّارُ ، أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ هَذَا خَمْرٌ لَا يَحِلُّ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ ، وَلَا دَوَاءٍ حَتَّى يَنْقَلِبَ فَيَصِيرَ خَلًّا . وَالْجِنْسُ الْآخَرُ ، الْمُخْتَلَفُ فِيهِ : نَقِيعُ الزَّبِيبِ إِذَا اشْتَدَّ ، وَنَقِيعُ التَّمْرِ إِذَا صَلُبَ ، وَهُوَ السُّكْرُ . يَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ : لَيْسَ ذَاكَ بِخَمْرٍ ، وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ عُمَرَ : مَا انْتُزِعَ بِالْمَاءِ فَهُوَ حِلٌّ ، وَمَا انْتُزِعَ بِغَيْرِ الْمَاءِ فَهُوَ حَرَامٌ . وَقَالُوا : وَقَدْ فَارَقَ الْخَمْرَ فِي الصِّفَةِ وَالْهَيْئَةِ فَلَيْسَ بِخَمْرٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ خَمْرٌ ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْأَوْلَى ، لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ نزل وَجُمْهُورُ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ ، وَكُلُّهَا يَقَعُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ . قَالَ أَبُو مُوسَى : خَمْرُ الْمَدِينَةِ مِنَ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ ، وَخَمْرُ أَهْلِ فَارِسٍ مِنَ الْعِنَبِ ، وَخَمْرُ أَهْلِ الْيَمَنِ الْبِتْعُ ، وَخَمْرُ الْحَبَشَةِ السُّكُرْكَةُ ، فَخَمْرُ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ الْفَضِيخُ ، وَالسُّكُرْكَةُ ، وَالْبِتْعُ هُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ أَهْلُ مِصْرَ وَالْيَمَنِ . وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ أَيْضًا الْمِزْرُ وَهُوَ مِنَ الشَّعِيرِ . وَالسُّكُرْكَةُ مِنَ الذُّرَةِ ، وَهُوَ الْغُبَيْرَاءُ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا ، وَقَالَ : " هِيَ خَمْرُ الْعَالَمِ " . وَقَوْلُ عُمَرَ : الْخَمْرُ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ ، مِنَ الْبُرِّ ، وَالَشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ ، وَالْعَسَلِ ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ ، يُوَضِحُ هَذَا . فَأَمَّا مَا شَرِبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَحَابَتُهُ مِنْ نَبِيذِ السِّقَايَةِ وَهُوَ نَقِيعٌ ، فَإِنَّ نَبِيذَ السِّقَايَةِ يُتَّخَذُ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ أَوِ اثْنَيْنِ ، فَيَشْرَبُهُ النَّاسُ حُلْوًا وَنَاشِئًا ، وَرُبَّمَا دَخَلَهُ شَيْءٌ مِنْ عَرَضِ النَّبِيذِ بِالرَّائِحَةِ ، لِحَرَارَةِ الْبَلَدِ ، وَسُرْعَةِ تَغَيُّرِ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ فِيهِ ، وَلَيْسَ يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ حَرَامًا ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ إِذَا دَخَلَهُ عَرَضُ الْخَمْرِ ، وَاعْتَرَتْهُ النَّشْوَةُ وَصَلُبَ . أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانَ يُنْقَعُ لَهُ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ فَيَشْرَبُهُ ثَلَاثًا ، فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ أَمَرَ بِهِ فَسُكِبَ ، أَوْ سَقَاهُ الْخَدَمَ ، لِأَنَّهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ يَتَغَيَّرُ شَيْئًا فَيَتَنَزَّهُ عَنْهُ ، لَا أَنَّهُ حَرَامٌ ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا سَقَاهُ أَحَدًا . وَهَذَا كَتَرْكِهِ أَكْلَ الثَّوْمِ تَنَزُّهًا عَنْهُ ، وَصَوْنًا لِلْوَحِي ، وَإِذْنِهِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَكْلِهِ إِذَا طُبِخَ . وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ : مَا انْتُزِعَ بِالْمَاءِ فَهُوَ حَلَالٌ ، وَمَا انْتُزِعَ بِغَيْرِ الْمَاءِ فَهُوَ حَرَامٌ ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ . وَالثَّانِي مِنَ الْأَشْرِبَةِ : الْمُسْكِرُ ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا حُرِّمَتْ لُحُومُ السِّبَاعِ ، وَلُحُومُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، وَلُحُومُ ذَوَاتِ الْمَخَالِبِ مِنَ الطَّيْرِ ، وَلَيْسَ التَّغْلِيظُ فِيهَا كَالتَّغْلِيظِ فِي الْخَمْرِ ، وَإِنْ كَانَتْ حَرَامًا . وَلَا يَكُونُ مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ ، نَبِيذَ الزَّبِيبِ ، أَوْ نَبِيذَ التَّمْرِ ، وَإِنْ أَسْكَرَ كَثِيرُهُمَا ، كَمَنْ شَرِبَ خَمْرًا ، كَمَا أَنَّ أَكْلَ لَحْمِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ لَيْسَ كَأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، عَلَى مَا مَثَّلْتُ لَكَ مِنْ تَشْبِيهِ الْمُحَرَّمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِالْفُرُوضِ ، وَتَشْبِيهِ الْمُحَرَّمِ بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسُّنَنِ . وَالْمُسْكِرُ مِنَ الشَّرَابِ : كُلُّ مَا صَلُبَ وَاشْتَدَّ وَازْدَادَ عَلَى مَرِّ الْأَيَّامِ جَوْدَةً ، مِنْ نَبِيذِ الزَّبِيبِ الْمَطْبُوخِ ، وَنَبِيذِ التَّمْرِ الْمَطْبُوخِ ، مُفْرَدَيْنِ وَخَلِيطَيْنِ ، وَالطِّلَاءِ ، وَنَبِيذِ الدَّاذِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ مُسْكِرًا ، لِأَنَّهُ مُدْخَلٌ فِي السُّكْرِ ، وَالسُّكْرُ ذَهَابُ الْعَقْلِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي السُّكْرِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ ، فَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ : " السَّكْرَانُ الَّذِي يَغِيبُ وَيَخْلِطُ " . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : السَّكْرَانُ الَّذِي فَارَقَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِلْمِ ، وَالسُّكُونِ ، إِلَى السَّفَهِ وَالْجَهْلِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : هُوَ الَّذِي اخْتُلِسَ عَقْلُهُ ، وَلَا يُقِيمُ آيَةً ، وَإِنِ اسْتَقَرَّ بِهَا ، وَإِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ أَجَابَ عَنْ غَيْرِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : السَّكْرَانُ الَّذِي يَذْهَبُ عَقْلُهُ فَلَا يَعْرِفُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ ، وَهُوَ مُقَارِبٌ لِقَوْلِ الثَّوْرِيِّ ، غَيْرَ أَنَّ أَدْنَى السُّكْرِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الثَّوْرِيُّ ، مِنَ اخْتِلَاسِ الْعَقْلِ ، وَغُرُوبِ الْعَقْلِ ، حَتَّى يُجِيبَ عَنْ غَيْرِ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ ، وَلَا يُقِيمَ آيَةً إِنِ اسْتَقْرَأَهَا ، وَأَشَدُّهُ ذَهَابُ الْعَقْلِ حَتَّى لَا يَفْهَمَ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا ، لِأَنَّ السُّكْرَ فِي اللُّغَةِ رَيْنُ الشَّرَابِ عَلَى الْعَقْلِ ، وَإِلْبَاسُ سَوْرَتِهِ الدِّمَاغَ ، وَكُلُّ شَيْءٍ سَدَدْتَهُ فَقَدْ سَكَرْتَهُ ، وَمِنْهُ مَا قِيلَ لِمَا سُدَّ بِهِ مَجَارِي الْمِيَاهِ : السُّكُورُ ، وَاحِدُهَا سَكْرُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا سورة الحجر آية 15 ، أَيْ غُشِّيَتْ شَيْئًا أَزَالَ النَّظَرَ عَنْ حَقَائِقِهِ ، كَمَا يَقُولُ الْعَوَامُّ : أَخَذَ فُلَانٌ بِعَيْنِي . وَهَذَا لَا يُقَالُ لَهُ خَمْرٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَإِنْ فَعَلَ فِعْلَ الْخَمْرِ ، لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ نزل وَالنَّاسُ لَا يَنْتَبِذُونَ بِالنَّارِ ، فَحَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ : " كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ " عَلَى مَجَازِ اللُّغَةِ ، يُرِيدُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَمْرِ ، لِأَنَّهُ حَرَّمَهُ بِالسُّنَّةِ ، كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَمْرَ بِالْكِتَابِ . وَلَوْ كَانَ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرًا ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَعْرِفُ ذَلِكَ ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَنْ يَقُولَ هَذَا الْقَوْلَ ، وَلَاكْتَفَى بِمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقُرْآنِ ، وَلَكِنَّ الْخَمْرَ كَانَتْ عِنْدَ الْعَرَبِ مَا أَعْلَمْتُكَ ، فَاعْلَمْهَا ، إِنَّ هَذَا شَبِيهٌ بِهَا . وَهَذَا كَرَجُلٍ قَالَ : لَيْسَ عِنْدَنَا بُرٌّ ، وَإِنَّمَا غِذَاؤُنَا الشَّعِيرُ ، فَيَقُولُ لَهُ قَائِلٌ : كُلُّ مُشْبِعٍ بُرٌّ ، يُرِيدُ أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْبُرِّ . وَكَذَلِكَ نَقُولُ : الْمُتْعَةُ زِنًى أَوْ مِنَ الزِّنَا ، فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنَّهَا شبيهة بِهِ لِتَحْرِيمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا ، بَعْدَ أَنْ أَبَانَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا ، وَنَدْخُلُ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا زِنًى عَلَى الْحَقِيقَةِ أَنْ يَقُولَ : إِنَّ اللَّهَ أَحَلَّ الزِّنَا وَأَذِنَ فِيهِ . وَكَذَلِكَ نَقُولُ : النَّرْدُ مَيْسِرٌ وَمِنَ الْمَيْسِرِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، لِأَنَّ الْمَيْسِرَ ضَرْبُ الْقِدَاحِ عَلَى أَجْزَاءِ الْجَزُورِ ، فَلَمَّا كَانَتِ النَّرْدُ قُمَارًا وَكَانَتْ بِفَصَّيْنِ ، وَكَانَ الْمَيْسِرُ قُمَارًا ، وَكَانَ بِقِدَاحٍ ، قِيلَ : النَّرْدُ مَيْسِرٌ عَلَى التَّشْبِيهِ . وَقَالَ الْأَضْبَطُ بْنُ قُرَيْعٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانَ قَوْمُهُ أَسَاءًُوا مُجَاوَرَتَهُ وَآذَوْهُ ، فَرَحَلَ عَنْهُمْ إِلَى قَوْمٍ آخَرِينَ ، فَأَسَاءُوا مُجَاوَرَتَهُ وَآذُوهُ ، فَانْتَقَلَ إِلَى آخَرِينَ ، فَفَعَلُوا بِهِ مثل ذَلِكَ ، فَرَجِعَ إِلَى قَوْمِهِ ، وَقَالَ : " كُلُّ النَّاسِ بَنُو سَعْدٍ " ، وَبَنُو سَعْدٍ قَوْمُهُ ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ مِثْلُهُمْ فِي سُوءِ الْمُجَاوَرَةِ . وَقَالَ فِي نَحْوِ هَذَا : فَلَا تَحْسَبَا هِنْدًا لَهَا الْغَدْرُ وَحْدَهَا سَجِيَّةُ نَفْسٍ كُلُّ غَانِيَةٍ هِنْدُ . أَيْ كُلُّ غَانِيَةٍ مثل هِنْدٍ فِي الْغَدْرِ وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : يَا أَخِلَّاي إِنَّمَا الْخَمْرُ ذَنْبٌ وَأَبُو جَعْدَةَ الطِّلَاءُ الْمُزِيبُ وَنَبِيذُ الزَّبِيبِ مَا اشْتَدَّ مِنْهَا فَهْوَ لِلْخَمْرِ وَالطِّلَاءُ نَسِيبُ . وَإِنَّمَا أَخَذَ هَذَا مِنْ قَوْلِ عَبِيدِ بْنِ الْأَبْرَصِ : هِيَ الْخَمْرُ تُكْنَى الطِّلَى كَمَا الذِّئْبُ يُكْنَى أَبَا جَعْدَه . وَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ : دَعِ الْخَمْرَ يَشْرَبُهَا الْغُوَاةُ فَإِنَّنِي رَأَيْتُ أَخَاهَا نَاكِسًا لِمَكَانِهَا . قِيلَ لَهُ : فَنَبِيذُ الزَّبِيبِ ؟ قَالَ : فَإِلَّا يَكُنْهَا أَوْ تَكُنْهُ فَإِنَّهُ أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهَا بِلِبَانِهَا . وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : إِنَّ السَّكْرَانَ هُوَ الَّذِي يَغِيبُ وَيَخْلِطُ ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ : إِنَّهُ الَّذِي فَارَقَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِلْمِ وَالسُّكُونِ إِلَى السَّفَهِ ، فَإِنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي أَخْذِ الْكَأْسِ مِنْهُمْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَكَلَّمُ وَيَهْجُرُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْكُنُ وَيَفْتُرُ . قَالَ الشَّاعِرُ : قَدْ أَشْهَدُ الشَّارِبَ الْمُعَذَّلَ لَا مَعْرُوفُهُ مُنْكَرٌ وَلَا حَصِرُ فِي فِتْيَةٍ لَيِّنِي الْمَآرِبِ لَا يَنْسَوْنَ أَحْلَامَهُمْ إِذَا سَكِرُوا . وَقَالَ آخَرُ : وَمَا خَيْرُ نَدْمَانٍ سَكُوتٌ كَأَنَّمَا تَدُورُ عَلَيْهِ الْكَأْسُ وَهُوَ كَئِيبُ إِذَا مَا نُفُوسُ الْقَوْمِ طَابَتْ فَنَفْسُهُ أَبَتْ لَا يَرَاهَا عِنْدَ ذَاكَ تَطِيبُ . وَقَالَ آخَرُ : يَزِيدُ السَّفِيهَ الْكَأْسُ فِيهِ سَفَاهَةً وَيَتْرُكُ أَخْلَاقَ الْكَرِيمِ كَمَا هِيَا وَجَدْتُ أَقَلَّ النَّاسِ عَقْلًا إِذَا انْتَشَى أَقَلَّهُمُ عَقْلًا إِذَا كَانَ صَاحِيَا . وَقَالَ آخَرُ : أُحِبُّ اللَّيِّنِينَ مِنَ النَّدَامَى وَأَبْغَضُ كُلَّ نَدْمَانٍ شَحَاحِ . فَكَيْفَ يُقْضَى عَلَى مَنْ كَانَتْ سَجِيَّتُهُ فِي سُكْرِهِ الْحِلْمَ وَالسُّكُوتَ بِالسُّكْرِ ، إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَا ، وَلَكِنِ الْحَالُ الَّتِي يَسْتَوِي فِيهَا النَّاسُ ذَهَابُ الْعَقْلِ . وَقَالَ الْأَخْطَلُ فِي سَكْرَانٍ : صَرِيعُ مُدَامٍ يَرْفَعُ الشَّرْبُ رَأْسَهُ لِيَحْيَا وَقَدْ مَاتَتْ عِظَامٌ وَمَفْصِلُ يُهَادِيهِ أَحْيَانًا وَحِينًا يَجُرُّهُ وَمَا كَادَ إِلَّا بِالْحُشَاشَةِ يَعْقِلُ إِذَا رَفَعُوا عُضْوًا تَحَامَلَ صَدْرُهُ وَآخَرُ مِمَّا نَالَ مِنْهَا مُخَبَّلُ . وَقَالَ أَعْرَابِيٌّ : شَرِبْنَا شَرْبَةً مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ بِأَطْرَافِ الزُّجَاجِ لَهَا هَدِيرُ وَأُخْرَى بِالْمُرَوَّقِ ثُمَّ رُحْنَا نَرَى الْعُصْفُورَ أَعْظَمَ مِنْ بَعِيرٍ وَأَبْصَرْتُ الذُّبَابَ إِذَا عَلَانَا أَجَلَّ مِنَ الْهِبِلِّ مِنَ النُّسُورِ وَحَتَّى خِلْتُ دِيكَ بَنِي نُمَيْرٍ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى السَّرِيرِ وَخِلْتُ دَجَاجَهُمْ فِي الدَّارِ رُقْطًا وُفُودَ الرُّومِ فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ وَأَبْصَرْتُ الْكَوَاكِبَ دَانِيَاتٍ يَنَلْنَ أَنَامِلَ الرَّجُلِ الْقَصِيرِ أُدَافِعُهُنَّ بِالْكَفَّيْنِ عَنِّي وَأَمْسَحُ جَبْهَةَ الْقَمَرِ الْمُنِيرِ . وَقَالَ آخَرُ : وَمَا حَرَّمَ الرَّحْمَنُ تَمْرًا كَنَزْتُهُ وَلَا مَا سَقَانِي مِنَ رَكِيَّتِهِ سَعْدُ إِذَا اصْطَحَبَا فِي الدَّنِّ يَنْتُجُ مِنْهَما شَرَابٌ إِذَا مَا صُبَّ فِي صَحْنِنَا وَرْدُ فَمَا ذَرَّ قَرْنُ الشَّمْسِ حَتَّى كَأَنَّمَا نَرَى الشَّخْصَ بِالْعَيْنَيْنِ أَرْبَعَةً تَعْدُو . وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيُّ : وَصَافِيَةٍ تَغْشَى الْعُيُونَ رَقِيقَةٍ رَهِينَةِ عَامٍ فِي الدِّنَانِ وَعَامِ أَدَرْنَا بِهَا الْكَأْسَ الرَّوِيَّةَ بَيْنَنَا مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى انْجَابَ كُلُّ ظَلَامِ فَمَا ذَرَّ قَرْنُ الشَّمْسِ حَتَّى كَأَنَّنَا مِنَ الْعِيِّ نَحْكِي أَحْمَدَ بْنَ هِشَامِ . وَقَالَ آخَرُ فِي أَدْنَى السُّكْرِ : سَقَانِي هُذَيْلٌ مِنْ شَرَابٍ كَأَنَّهُ دَمُ الْجَوْفِ قَدْ يُدْنِي الْحَلِيمَ مِنَ الْجَهْلِ دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَافِرَ الْعَقْلِ صَاحِيًا فَمَا زَالَ بِالتَّقْرِيبِ وَالْأَهْلِ وَالسَّهْلِ وَمَا زِلْتُ أُسْقَى شَرْبَةً بَعْدَ شَرْبةٍ مِنَ الرَّاحِ حَتَّى رُحْتُ مُتَّهَمَ الْعَقْلِ سَقَانِي ثَلَاثًا بَعْدَ سَبْعٍ وَأَرْبَعٍ فَحَيَّرْنَ مَا بَيْنَ الذُّؤَابَةِ وَالنَّعْلِ فَرُحْتُ كَأَنَّ الْأَرْضَ أَرْكُلُ مَتْنَهَا إِذَا هِيَ دَارَتْ بِي فَيَعْدِلُهَا رَكْلِي . وَقَالَ آخَرُ : حَبَّذَا لَيْلَتِي بِتَلِّ بُوَنَّا حَيْثُ نُسْقَى شَرَابُنَا وَنُغَنِّي مِنْ شَرَابٍ كَأَنَّهُ دَمُ جَوْفٍ يَتْرُكُ الشَّيْخَ وَالْفَتَى مُرْجَحِنَّا حَيْثُ دَارَتْ بِنَا الزُّجَاجَةُ دُرْنَا يَحْسِبُ الْجَاهِلُونَ أَنَّا جُنِنَّا وَمَرَرْنَا بِنِسْوَةٍ عَطِرَاتٍ وَسَمَاعٍ وَقَرْقُفٍ فَنَزَلْنَا . وَقَالَ أَعْرَابِيٌّ يَذْكُرُ نَفْسَهُ وَنَدَامَاهُ : إِذَا مَا بَرَزْنَا بِالْفَضَاءِ تَقَحَّمَتْ بِأَقْدَامِنَا مِنْهَا الْمِتَانُ الصَّرَادِحُ . أَيْ أَرْجُلُنَا تَخْتَلِفُ . يَقُولُ : نَحْنُ إِنْ مَشَيْنَا فِي مُسْتَوٍ مِنَ الْأَرْضِ ، فَكَأَنَّ أَرْجُلَنَا تَنْحَدِرُ مِنَ الْمِتَانِ إِلَى هُوَّةِ الصَّرْدَحِ الْمُنْجَرِدِ . وَالثَّالِثُ مِنَ الْأَشْرِبَةِ : مَا أُرِقَّ مِنْ نَبِيذِ الزَّبِيبِ ، أَوْ نَبِيذِ التَّمْرِ وَطُبِخَ ، وَكَانَ مِمَّا يَفْسَدُ عَلَى مُرُورِ الْأَيَّامِ .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب ⚠ muʿallaq · تعليق
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناد ضعيف لأن به موضع تعليق ، وباقي رجاله ثقات وصدوقيين عدا عبد الرحمن بن صحار العبدي وهو مقبول
شجرة الإسناد