حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ° ، قَالَ : " لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ مَكَّةَ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ نَزَلُوا الْعُصَبَةَ ، فَكَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ يَؤُمُّهُمْ لأَنَّهُ كَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا ، وَفِيهِمْ عُمَرُ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الأَسْوَدِ "

قالوا : وكانت أم سلمة بنت أبي أمية أول ظعينة وردت المدينة . وكان زوجها أبو سلمة لما أراد الهجرة ، رحل لها بعيرًا وحملها عَلَيْهِ ، وفي حجرها ابنها سَلَمة . فلما رآه رجال بني المغيرة ، قَالُوا : هَذِهِ نفسُك قَدْ غلبتَنا عليها ، فما بال صاحبتنا ؟ لا ندعك وتسييرها فِي البلاد . ثُمَّ انتزعوا خطام البعير من يده وأخذوها إليهم ، فغضب عند ذَلِكَ بنو عَبْد الأسد بْن هلال ، وقالوا : والله لا نترك ابنها عندكم إِذَا نزعتموها من يد صاحبنا ، يعنون أبا سَلَمة . وتجاذبوا سَلَمة بينهم ، حتَّى خلعوا يده ، فكانت مخلوعة حتَّى مات . ثُمَّ انطلقوا بِهِ . فكانت ، وهي عند أهلها من بني المغيرة ، تخرج فتقعد عَلَى الصفا ، ثُمَّ تَقُولُ : يا رُخم الجوّ ألا استلقي وفي بني عَبْد الأسد فحُلّي ثُمَّ هلالا وبنيه فُلّي ثُمَّ تدعو عليهم أن تأكل الرخم لحومَهم ، فروي عَنْهُ ، أنها قَالَتْ : جلستُ بالأبطح أبكي ، وكنتُ أفعل ذَلِكَ كثيرًا ، فرآني ابْنُ عم لي ، فكلم بْن المغيرة فيّ ، وقَالَ : ألا ترون ما بهذه المسكينة من الجهد لتفريقكم بينها وبين زوجها وولدها ؟ فقالوا لي : الحقي بزوجك إن شئت . وردّ عَلَيّ بنو عَبْد الأسد ابني . فرحلتُ بعيري ، ووضعتُ ابني فِي حجري ، ثُمَّ خرجتُ أريد أبا سَلَمة بالمدينة ، فلما كنتُ بالتنعيم ، لقيتُ عثمان بْن طلحة بْن أَبِي طلحة ، أخا بني عَبْد الدار ، فَقَالَ : أَيْنَ تريدين يا ابْنَة أَبِي أمية ؟ قلت : أريد زوجي بيثرب . فَقَالَ : أَوْ ما معك أحد ؟ قلت : لا والله . فَقَالَ : مالك مترك . وأخذ بخطام البعير وانطلق معي يقودني ، فوالله ما رَأَيْت أكرم مصاحبة مِنْهُ : كنت أبلغ المنزل ، فينيخ جملي ثُمَّ يستأخر عني . فإذا نزلتُ حطّ عن بعيري وقيده ، ثُمَّ أتى شجرة فاضطجع تحتها ، فإذا دنا الروح ، قدّم البعير فرحله ثُمَّ استأخر ، وقَالَ : اركبي . فإذا استويتُ عَلَى البعير ، قادني . فلم يزل يصنع ذَلِكَ بي حتَّى أقدمني المدينة . فلما رَأَى قرية بني عَمْرو بْن عوف بقباء ، قَالَ : زوجك فِي هَذِهِ القرية فادخليها عَلَى بركة اللَّه ، ثُمَّ انصرف راجعًا إلى مكَّة . وقدم المدينة بعد أَبِي سَلَمة عامر بْن ربيعة العنزي وبلال وسعد وعمر وعمار وخرج النَّاس مهاجرين متتابعين ، فلم يبق منهم إلا من حبسته قريش ، ولم يبق بمكة من بني أسد بْن خزيمة أحد ، حتَّى أغلقوا أبوابهم . وأغلقت أبواب بني البُكير ، وغير الكلبي ، يَقُولُ : بني أَبِي البكير ، وأبواب بني مظعون . فمرّ عتبة بْن ربيعة بدور بني جَحْش ، فإذا أبوابها تخفق وليس فيها أحد ، فتمثل قول الشَّاعِر : وكل دار وإن طالت سلامتها يومًا ستلحقها النكراءُ والحوبُ " وبقي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وعليّ ، وأبو بَكْر رَضِي اللَّه تَعَالى عَنْهُمَا ، ليس معهم غيرهم ، وأراد أَبُو بَكْر الهجرة ، فسأله رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحبس نفسه عَلَيْهِ . وكان قَدْ علف راحلتين لَهُ ورق السمُر أربعة أشهر . فلما أذن لرسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الهجرة ، أتى أبا بَكْر ، فأعلمه الهجرة ، فأعطاه إحدى تينك الراحلتين ، وهي ناقة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القصواء ، من نعم بني قشير ، فلم تزل عنده ، وماتت فِي أيان أَبِي بَكْر رَضِي اللَّه تَعَالى عَنْهُ ، وكانت مرسلة ترعى بالبقيع لا تهاج . وَيُقَالُ : بنقيع الخيل " . قَالُوا : " تناظرت قريش فِي أمر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين هاجر أصحابه ، فَقَالَ أَبُو البَختري العاص بْن هاشم : نخرجه فنغيب عنا وجهه ليصلح ذات بينها . وقَالَ آخر : بل يُقيد ويحبس حتَّى يهلكه ، ثُمَّ فَرَقَ رأيهم عَلَى أن يأخذوا من كل قبيلة من قريش غلامًا نهدًا جلدًا وسيطًا ، فيعطوه سيفًا صارمًا ، ثُمَّ يجتمع أولئك الغلمان فيضربوه ضربة رَجُل واحد ، فيتفرق دمه فِي القبائل ، فلا يدري بنو عَبْد مناف ما يصنعون ، ولا يقوون عَلَى حرب جميع قريش . وكان الَّذِي أطلع لهم هَذَا الرأي شيخ من أهل نجد ، ويزعمون أَنَّهُ الشيطان ، وأتى جبريلُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأخبره الخبر ، وأنزل اللَّه عزَّ وجلَّ عَلَيْهِ : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ سورة الأنفال آية 30 . وقولُه : لِيُثْبِتُوكَ سورة الأنفال آية 30 أي : ليقيدوك . فأتى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منزل أَبِي بَكْر ، وأمر عليا فنام على فراشه . فلما دخلوا بيته وهم يرون أَنَّهُ نائم عَلَى فراشه . فقام إليهم عليّ عَلَيْهِ السَّلام ، فقالوا : أَيْنَ ابْنُ عمك ؟ قَالَ : لا علم لي بِهِ . وَيُقَالُ : إنهم رموه وهم يظنون أَنَّهُ نبي اللَّه فلما قام ، تركوه وسألوا عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرهم أَنَّهُ لا علم لَهُ بِهِ " . قَالُوا : " وخرج النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بَكْر من خوخة فِي ظهر بيت أَبِي بَكْر ، حتَّى أتيا غار ثور ، فصارا فِيهِ ، وكان عامر بْن فهيرة يرعى غنمًا لأبي بَكْر ، فيعزُب بها ثُمَّ يبيت قريبًا ، ولا يبعد ، فكانا يصيبان من رِسلها . فاستأجر أَبُو بَكْر رجلًا دليلًا ، يُقال لَهُ عَبْد اللَّه بْن أريقط الديلي ، من كنانة بْن خزيمة . وصنع آل أَبِي بَكْر لرسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بَكْر سُفرة ، وذبحت شاة وطبخ لحمها ، وجُعل فِي جراب . فقطعت أسماءُ بِنْت أَبِي بَكر رَضِي اللَّه تَعَالى عَنْهُما قطعة من نطاقها ، فأوكت بِهِ الجرابَ ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنّ لها نطاقين فِي الجنة " . فسُميت : ذات النطاقين ، ويروى أَنَّهُ كَانَ لها نطاق تنتطق بِهِ فِي منزلها ، ونطاق تنتطق بِهِ إِذَا حملت الطعام لرسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بَكْر ، فقيل لها : ذات النطاقين " . قَالُوا : " وبعثت قريش قائفين يقصّان آثار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أحدهما : كرز بْن علقمة بْن هلال الخزاعي . فاتّبعاه ، حتَّى انتهيا إلى غار ثور . فرأى كرز عَلَيْهِ نسجَ العنكبوت . فَقَالَ : ها هنا انقطع الأثر . فانصرفوا . وقَالَ بعضهم : ادخلوا الغار ، فَقَالَ أمية بْن خلف : وما أربكم ؟ إذ الغار وعليه من نسج العنكبوت ما عَلَيْهِ . والله إني لأرى هَذَا النسج قبل أن يولد مُحَمَّد . وبال ، حتَّى جرى بوله بين النَّبِيّ وأبي بَكْر ، وجعلت قريش لمن جاء برسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بَكْر أَوْ قتلهما ديتهما . وَيُقَالُ : مائة بعير . ونادوا بذلك فِي أسفل مكَّة وأعلاها " . قَالُوا : " ومكث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بَكْر فِي الغار ثلاث ليال . وعبد اللَّه بْن أَبِي بَكْر ، وهو الَّذِي أصيب بالطائف ، يبيت عندهما وهو غلام شابٌ لقنٌ ، ثُمَّ يصبح مَعَ قريش كبائت . فلا يسمع بأمر يكاد بِهِ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا وعاه ، حتَّى يلقيه إِلَيْه ، ثُمَّ إنّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبا بَكْر خرجا فِي السحر ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول ، فقالا يَوْم الثلاثاء بقُديد . وجاءت وجوه قريش إلى منزل أَبِي بَكْر رَضِي اللَّه تَعَالى عَنْهُ ، فسألوا أسماءَ ابنَته عَنْهُ . فقالهم لهم : ما أدري أَيْنَ هُوَ ؟ فلطمها أَبُو جَعْفَر أَوْ غيره " . " وكان أَبُو بكر أسلم يَوْم أسلم ، وعنده أربعون ألف درهم . فخرج إلى المدينة للهجرة وما لَهُ إلا خمسة آلاف ، أَوْ أربعة آلاف درهم ، فبعث ابنه عَبْد اللَّه ، فحملها إِلَيْه إلى الغار ، فمضى بها معه . وجاء أَبُو قحافة وَقَدْ كفّ بصره . فَقَالَ لأم رومان ، امْرَأَة أَبِي بَكْر : عهدي بأبي بَكْر وله مال ، فما فعل ماله ؟ أتراه فجعكم بِهِ كما فجعكم بنفسه ؟ فعمدت أسماء رَضِي اللَّه تَعَالى عَنْهَا إلى جلال الحصباء ، فجعلته فِي كوَّة كَانَ أَبُو قحافة يعهد أبا بَكْر يجعل ماله فيها كثيرًا ، وغطته بثوب ، وقدت جدها إلى الكوَّة ، فلما وضع يده عَلَى الحصباء ، قَالَ : إنّ فِي هَذَا لمعاشًا صالحًا صاحبه اللَّه ، وكان لعثمان بْن عفان رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مال ، فما خرج إلى الهجرة إلا بسبعة آلاف درهم ، وذلك أَنَّهُ أنفق ماله فِي الرقاب والعون عَلَى الْإِسْلَام " . قَالُوا : " وكانت عند رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودائع ، وإنما كَانَ يسمى الأمين ، فوكل عليا عَلَيْهِ السَّلام يردّها على أهلها . فلما وفاهم إياها ، شخص إلى المدينة ، حتَّى نزل على كلثوم بْن الهِدم ورسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنده " . قَالُوا : " ولقي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُريدة بْن الحُصَيب الأسلمي فِي رَكْب من قومه ، فيما بين مكَّة والمدينة ، وهم يريدون موقع سحابة . فسايلوه سايلهم . فدعاهم إلى الْإِسْلَام ، فأسلموا ، واعتذروا بقلة اللبن معهم ، وقالوا : مواشينا شُصُص . وجاءه بلبن ، فشربه وأبو بَكْر ، ودعا لهم بالبركة " .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
عبد الله بن نمير←عبد الله بن عمر←ابن عمر
شجرة الإسناد