وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَالِمٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالا : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ° ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ ° ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الزُّبَيْرِيِّ ° ، عَنْ أَشْيَاخِهِ ، قَالُوا : " لَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَعْفَى فِيهَا مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ° أَتَى مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا ، فَلَمْ يَزَلْ كَافًّا حَتَّى كَانَتْ وَقْعَةُ الْجَمَلِ ، فَقَالَ لابْنَيْهِ : إِنِّي قَدْ أَلْفَيْتُ نَفْسِي بَيْنَ جَزَارِي مَكَّةَ وَمَا مِثْلِي رَضِيَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ فَإِلَى مَنْ تَرَيَانِ أَنْ أَصِيرَ ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ : صِرْ إِلَى عَلِيٍّ . فَقَالَ : إِنَّ عَلِيًّا ، يَقُولُ : أَنْتَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَكَ مَا لَهُمْ وَعَلَيْكَ مَا عَلَيْهِمْ وَمُعَاوِيَةُ يَخْلِطُنِي بِنَفْسِهِ وَيُشْرِكَنِي فِي أَمْرِهِ . قَالُوا : فَأْتِ مُعَاوِيَةَ . فَأْتِهِ فَمَا خَيْرٌ لَهُ "
المدائني ، عَن سلمة بْن محارب ، كتب مُعَاوِيَة إِلَى عَمْرو بْن العاص وَهُوَ بفلسطين ، بخبر طَلْحَة وَالزُّبَيْر ، وأن جرير بْن عَبْدِ اللَّهِ قد أتاه يطلب بيعته لعلي ، فقدم عَلَيْهِ . المدائني ، عَن عيسى بْن يزيد الكناني ، أن عَلِيًّا لما بعث جرير بْن عَبْدِ اللَّهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ ليأخذ لَهُ البيعة عَلَيْهِ ، قدم عَلَيْهِ وَهُوَ جالس والناس عنده فأعطاه كتاب علي ، فقرأه ثُمَّ قام جرير ، فَقَالَ : يَا أَهْل الشَّامِ ، إن من لم ينفعه القليل لم ينفه الكثير ، قد كانت بالبصرة ملحمة إن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للإسلام بعدها ، فاتقوا اللَّه وروّئوا فِي علي وَمُعَاوِيَة وانظروا أين مُعَاوِيَة من علي ، وأين أَهْل الشَّامِ من المهاجرين والأنصار ، ثُمَّ انظروا لأنفسكم فلا يكون أحد أنظر لَهَا مِنْهَا . ثُمَّ سكت وسكت مُعَاوِيَة فلم ينطق ، وَقَالَ : أبلعني ريقي يَا جرير . فأمسك فكتب من ليلته إِلَى عَمْرو بْن العاص وَهُوَ عَلَى ليال منه فِي المصير إِلَيْهِ ، وصرف جريرًا بغير إرادته ، وَكَانَ كتابه إِلَى عَمْرو : أما بعد ، فقد كَانَ من أمر علي وطلحة وَالزُّبَيْر ، مَا قد بلغك ، وقد سقط إلينا مروان فِي جماعة من أهل الْبَصْرَة ممن رفض عَلِيًّا وأمره ، وقدم علي جرير بْن عَبْدِ اللَّهِ فِي بيعة علي ، وحبست نفسي عليك حَتَّى تأتيني . فاقدم علي عَلَى بركة اللَّه وتوفيقه . فلما أتاه الكتاب دعا ابنيه عَبْد اللَّهِ ومحمدًا فاستشارهما ، فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّهِ : أيها الشيخ ، إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبض وَهُوَ عنك راض ومات أَبُو بكر وعمر ، وهما عنك راضيان ، فإياك أن تفسد دينك بدنيا يسيرة تصيبها من مُعَاوِيَة ، فتكب كبا فِي النار . ثُمَّ قَالَ لمحمد : مَا ترى ؟ فَقَالَ : بادر هَذَا الأمر تكن فِيهِ رأسا قبل أن تكون ذنبا . فروى فِي ذَلِكَ : رأيت ابْن هند سائلي أن أزوره وتلك الَّتِي فِيهَا انثياب البواثق أتاه جرير من علي بخطة أمرت عَلَيْهِ العيش مَعَ كل ذائق فوالله مَا أدري إِلَى أي جانب أميل ومهما قادني فهو سائقي أأخدعه والخدع فِيهِ دناءة أم اعطيه من نفسي نصيحة وامق وقد قَالَ عَبْد اللَّهِ قولا تعلقت بِهِ النفس إن لم تعتلقني علائقي وخالفه فِيهِ أخوه مُحَمَّد وإني لصلب العود عند الحقائق . فلما سمع عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو هَذَا الشعر ، قَالَ : بال الشيخ عَلَى عقبيه وباع دينه . فلما أصبح عَمْرو دعا مولاه وردان ، فَقَالَ ارحل بنا يَا وردان . فرحل ، ثُمَّ قَالَ : حط ، فحط ففعل ذَلِكَ مرارًا . فَقَالَ لَهُ وردان : أنا أخبرك بما فِي نفسك ، اعترضت الدنيا والآخرة فِي قلبك فلست تدرى أيتهما تختار ، قَالَ : لله درك مَا أخطأت ، فما الرأي ؟ قَالَ : تقيم فِي منزلك فَإِن ظهر أهل الدين عشت فِي دينهم وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغن عنك . فَقَالَ عَمْرو : ارحل يَا وردان عَلَى عزم . وأنشأ يقول : يا قاتل اللَّه وردانا وفطنته أبدى لعمرك مَا فِي النفس وردان ثُمَّ قدم عَلَى مُعَاوِيَةَ فذاكره أمره ، فَقَالَ : أما علي فلا تسوي العرب بينك وبينه فِي شَيْء من الأشياء ، وإن لَهُ فِي الحرب لحظا مَا هُوَ لأحد من قريش . قَالَ : صدقت ، وإنما تقاتله عَلَى مَا فِي أيدينا ونلزمه دم عُثْمَان . فَقَالَ عَمْرو : وإن أحق النَّاس أن لا يذكر عُثْمَان لأنا وأنت ، أما أنا فتركته عيانا وهربت إِلَى فِلَسْطِين ، وأما أنت فخذلته ومعك أَهْل الشَّامِ حَتَّى استغاث بيزيد بْن أسد البجلي فسار إِلَيْهِ . فَقَالَ مُعَاوِيَة : دع ذا وهات فبايعني . قَالَ : لا لعمرو اللَّه لا أعطيك ديني حَتَّى آخذ من دنياك . فَقَالَ مُعَاوِيَة : سل . قَالَ : مصر تطعمني إياها ، فغضب مروان بْن الحكم ، وَقَالَ : مالي لا أستشار ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَة : أسكت فما يستشار إِلا لك . فقام عَمْرو مغضبا ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة : يَا أبا عَبْد اللَّهِ ، أقسمت عليك أن تبيت الليلة عندنا . وكره أن يخرج فيفسد عَلَيْهِ النَّاس ، فبات عنده ، وَقَالَ : معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل بِهِ منك دنيا فانظرن كيف تصنع فَإِن تعطني مصرا فأربح صفقة أخذت بِهَا شيخا يضر وينفع وما الدين والدنيا سواء وإنني لآخذ مَا تعطي ورأسي مقنع ولكنني أعطيك هَذَا وإنني لأخدع نفسي والمخادع يخدع فلما أصبح مُعَاوِيَة دخل عَلَيْهِ عتبة بْن أَبِي سُفْيَانَ ، فَقَالَ لَهُ : يَا مُعَاوِيَة ، مَا تصنع ؟ أما ترضى أن تشتري من عَمْرو دينه بمصر . فأعطاه إياها وكتب لَهُ كتابا : لا ينقض شرط طاعة ، فمحا عَمْرو ذَلِكَ ، وَقَالَ : اكتب : لا تنقض طاعة شرطا . فَقَالَ لَهُ عتبة بْن أَبِي سُفْيَانَ : أيها المانع سيفا لم يهز إنما ملت إِلَى خز وقز إنما أنت خروف واقف بين ضرعين وصوف لم يجز أعط عمرًا إن عمرًا باذل دينه اليوم لدنيا لم تحز أعطه مصرًا وزده مثلها إنما مصر لمن عز فبز إن مصرًا لعلي أَوْ لنا يغلب اليوم عَلَيْهَا من عجز وَقَالَ مُعَاوِيَة فيما جاء بِهِ جرير بْن عَبْدِ اللَّهِ : تطاول ليلي واعترتني وساوسي لآت أتى بالترهات البسابس أتانا جرير من علي بحمقة وتلك الَّتِي فِيهَا اجتداع المعاطس يكاتبني والسيف بيني وبينه ولست لأثواب الذليل بلابس وقد منحتني الشَّام أفضل طاعة تواصى بِهَا أشياخها فِي المجالس وإني لأرجو خير ما نال طالب وما أنا من ملك الْعِرَاق بيائس . وَكَانَ هِشَام بْن عَمَّار ، يقول : هَذَا حديث مصنوع ، الشعر أتانا من ناحية الْعِرَاق . وَقَالَ الْهَيْثَم بْن عدي لما كتب مُعَاوِيَة إِلَى علي يطلب قتلة عُثْمَان ، كتب الوليد بْن عقبة بْن أَبِي معط إِلَى مُعَاوِيَةَ ، والوليد بالرقة : معاوي إن الشَّام شامك فاعتصم بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا وحام عَلَيْهِ بالقنابل والقنا ولاتك ذا عجز وَلا تلف وانيا فَإِن كتابا يَا ابْن حرب كتبته عَلَى طمع يجني عليك الدواهيا سألت عَلِيًّا فِيهِ مَا لا تناله ولو نلته لم يبق إِلا لياليا وإن عَلَيْهَا ناظر مَا تريغه فأوقد لَهُ حربا تشيب النواصيا وكتب الوليد بْن عقبة إِلَى مُعَاوِيَةَ يحرضه عَلَى قتال علي وأهل الْعِرَاق : ألا أبلغ مُعَاوِيَة بْن حرب فإنك من أخي ثقة مليم يمنيك الخلافة كل ركب لأنقاض الْعِرَاق بهم رسيم فإنك والكتاب إِلَى علي كحالية وقد حلم الأديم طويت الدهر كالسدم المعنى تهدر فِي دمشق وما تريم لك الخيرات فابعثنا عليهم فخير الطالب الترة الغشوم وقومك بالمدينة قد أصيبوا فهم صرعى كأنهم الهشيم هم جدعوا الأنوف فأوعبوها ولم يتقوا فقد بلغ الصميم فلو كنت العقيل وَكَانَ حيا لشمر لا ألف وَلا سؤوم وكتب إِلَيْهِ مُعَاوِيَة ببيت أوس بْن حجر التَّمِيمِيّ : ومستعجم لا ترعي من إيابنا ولو زبنته الحرب لم يترمرم وَقَالَ النجاشي الحارثي : معاوي قد كنت رخو الخناق فسعرت حربا تضيق الخناقا فَإِن يكن الشَّام قد أصفقت عليك ابْن حرب فَإِن العراقا أجابت عَلِيًّا إِلَى دعوة تعز الهدى وتذل النفاقا قَالُوا : وكانت أم حبيبة بنت أَبِي سُفْيَانَ زوج النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعثت بقميص عُثْمَان إِلَى مُعَاوِيَةَ ، فأخذه أَبُو مسلم الخولاني من مُعَاوِيَة ، فكان يطوف بِهِ فِي الشَّام فِي الأجناد ، ويحرض النَّاس عَلَى قتلة عُثْمَان . وَكَانَ كعب بْن عجرة الأَنْصَارِيّ أَيْضًا ممن بالغ فِي الحث عَلَى الطلب بدم عُثْمَان . وحدثني العمري ، عَن الْهَيْثَم بْن عدي ، عَن ابْن عياش ، وعوانة ، قَالا : قَالَ علي : لأصبحن العاصي بْن العاصي تسعين ألفا عاقدي النواصي مستحقبين حلق الدلاص آساد غيل حين لا مناص مجنبين الخيل بالقلاص فبلغ عمرًا ذَلِكَ ، فَقَالَ مجيبا لَهُ : خوفتني بلابسي الدلاص والقائدي الخيل مَعَ القلاص أهون بقوم فِي الوغى نكاص لو قد رأوها تنفض النواصي لقال كل أرني خلاصي وَقَالَ مُعَاوِيَة حين بلغه جد علي فِي النهوض نحوه وَهُوَ فِي طريق صفين : لا تحسبني يَا علي غافلا لأوردن الْكُوفَة القنابلا والمشرفي والقنا الذوابلا من عامنا هَذَا وعاما قابلا فَقَالَ علي : أصبحت عني يَا ابْن هند غافلا إني لرام منكم الكواهلا بالحق والحق يزيل الباطلا هَذَا لك العام وعاما قابلا قَالُوا : ولما أجمع أمير الْمُؤْمِنِينَ عَلَى المسير إِلَى مُعَاوِيَةَ ، كتب إِلَى عماله عَلَى النواحي فِي القدوم عَلَيْهِ ، فاجتمعوا عنده ، واستخلف عَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاس أبا الأسود الدِّيلِيّ عَلَى صلاة الْبَصْرَة ، وزيادًا عَلَى الخراج ، ثُمَّ قدم الْكُوفَة وجعل علي يخطب النَّاس ويحضهم عَلَى محاربة مُعَاوِيَة أَهْل الشَّامِ ، فقام رجل من فزارة ، يقال لَهُ : أربد بْن ربيعة ، فَقَالَ : يَا علي ، أتريد أن تغزو بنا أَهْل الشَّامِ فنقتلهم كما قتلنا إخواننا من أهل الْبَصْرَة ؟ هَذَا والله مَا لا يكون . فوثب إِلَيْهِ الأشتر ، وعنق من النَّاس فخرج هاربا فلحقوه بمكان كانت الدواب تباع فِيهِ ، فوطئوه وضربوه حَتَّى مات ، فَقَالَ أَبُو علاقة التَّيْمِيّ تيم ربيعة : معاذ إلهي أن تكون منيتي كما مات فِي سوق البراذين أربد تعاوره قراؤنا بنعالهم إذا رفعت عَنْهُ يد وقعت يد وفي رواية مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن يسار ، أن عَلِيًّا كتب إِلَى مُعَاوِيَةَ يدعوه إِلَى بيعته ، وحقن دماء المسلمين . وبعث بكتابه مَعَ ضمرة بْن يزيد ، وعمرو بْن زرارة اللخمي ، فَقَالَ : إن دفع إلي قتلة ابْن عمي وأقرني عَلَى عملي بايعته ، وإلا فإني لا أترك قتلة ابْن عمي وأكون سوقة ، هَذَا مالا يكون وَلا أقار عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو مخنف ، وغيره : قام علي خطيبا فأمر النَّاس بالمسير إِلَى الشَّام ، فَقَالَ لَهُ يزيد بْن قَيْس الأرحبي : إن النَّاس عَلَى جهاز وهيئة وأهبة وعدة ، وأكثرهم أهل القوة ، وليست لهم علة ، فمر مناديك فليناد فِي النَّاس أن يخرجوا إِلَى معسكرهم بالنخيلة . وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن بديل بْن ورقاء الخزاعي : إن أخا الحرب غير السؤوم وَلا النؤوم ، وَلا الَّذِي إذا أمكنته الفرص أملى واستشار فِيهَا ، وَلا من أخر عمل اليوم إِلَى غد . ويقال : إن الَّذِي قَالَ هَذَا القول يزيد بْن قَيْس الأرحبي . وتكلم زياد بْن النضر الحارثي فصدق هَذَا القول ، وتكلم النَّاس بعد ، فدعا علي الحارث الأعور ، وَهُوَ الحارث بْن عَبْدِ اللَّهِ الهمداني ، فأمره أن ينادي فِي النَّاس أن يغدوا إِلَى معسكرهم بالنخيلة ، وَهُوَ عَلَى ميلين من الْكُوفَة ، ففعل ، وعسكر علي والناس مَعَهُ . وَكَانَ عبيد اللَّه بْن عمر بْن الخطاب لما قتل أبوه اتهم الهرمزان ، ورجلا من أهل الحيرة ، نصرانيا كَانَ سعد بْن وقاص أقدمه الْمَدِينَة مَعَهُ فكان يعلم ولده والناس الكتاب والحساب ، يقال لَهُ : جفينة بالموالاة لأبي لؤلؤة ، فقتلهما وقتل ابنه أَبِي لؤلؤة ، فوقع بينه وبين عُثْمَان فِي ذَلِكَ كلام حَتَّى تناصيا ثُمَّ بويع علي ، فَقَالَ : لأقيدن منه من قتل ظلما . فهرب إِلَى الْكُوفَةِ ، فلما قدمها علي نزل الموضع الَّذِي يعرف بكويفة ابْن عُمَرَ ، وإليه ينسب ، ودس من طلب لَهُ من علي الأمان ، فلم يؤمنه ، وَقَالَ : لئن ظفرت بِهِ فلا بد لي من أن أقيد منه وأقتله بمن قتل ، فأتاه الأشتر ، وَكَانَ أحد من طلب لَهُ الأمان ، فأعلمه بما قَالَ علي ، فهرب إِلَى مُعَاوِيَةَ . وَكَانَ مَعَ عَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاس ، حين قدم من الْبَصْرَة ، خالد بْن العمر الذهلي ، ثُمَّ السدوسي عَلَى بني بكر بْن وائل ، وعمرو بْن مرحوم العبدي ، ثُمَّ العصري عَلَى عبد القيس ، وصبرة بْن شيمان الأزدي عَلَى الأزد . وقيل : إنه لم يحضر من أرد الْبَصْرَة إِلا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عبيد ، وأقل من عشرة نفر ، وشريك بْن الأعور الحارثي عَلَى أهل العالية ، والأحنف بْن قَيْس عَلَى بَنِي تَمِيمٍ وضبة والرباب . وقد كَانَ الأحنف وشريك قدما الْكُوفَة مَعَ علي ، فردهما إِلَى الْبَصْرَة ليستنفرا هَؤُلاءِ الَّذِينَ ساروا معهما إِلَى الْكُوفَةِ . ويقال : إنهما شيعاه ، فردهما قبل أن يبلغا الْكُوفَة ليستنفرا النَّاس إِلَيْهِ ففعلا ، ثُمَّ أشخصهما ابْن عَبَّاس مَعَهُ . وقدم علي أمامه زياد بْن النضر ، وشريح بْن هانئ الحارثيين ، ثُمَّ اتبعهما . وخلف عَلَى الْكُوفَة أبا مسعود عقبة الأَنْصَارِيّ . وولي المدائن أخا عدي بْن حاتم الطائي لأمه ، واسمه لأم بْن زياد بْن غطيف بْن سعد بْن الحشرج الطائي . ووجه معقل بْن قَيْس الرياحي فِي ثلاث آلاف لتسكين النَّاس وأمانهم ، وأمره أن يأخذ عَلَى الموصل ونصيبين ورأس العين حَتَّى يصير إِلَى الرقة ، ففعل ذَلِكَ . وسار علي حَتَّى عبر الصراة ، ثُمَّ أتى المدائن ثُمَّ الأنبار ، وعلى طلائعه سعد بْن مسعود الثَّقَفِيّ عم المختار بْن أَبِي عبيد ، وقصد قصد الرقة ، وأخذ عَلَى شاطئ الفرات من الجانب الجزري . وَكَانَ الأشعث بْن قَيْس بأذربيجان ، فلما قدم عَلَى الْكُوفَة ، عزله وأمر بمحاسبته فغضب وكاتب مُعَاوِيَة ، فبعث إِلَيْهِ من طريقه قبل أن ينفذ من الْكُوفَة حجر بْن عدي الكندي ، وأمره أن يوافيه بِهِ بصفين ، فوافاه بِهَا وقد صار علي إِلَيْهَا ، أَوْ قبل ذَلِكَ . وقوم يقولون : إن عُثْمَان ولى الأشعث آذربيجان فأقره علي عَلَيْهَا يسيرًا وولاه حلوان ونواحيها ، فكتب إِلَيْهِ فِي القدوم ، فقدم الْكُوفَة من حلوان ، فحاسبه عَلَى مَا لَهَا ومال آذربيجان ، فغضب وكاتب مُعَاوِيَة ، والله أعلم . قَالُوا : وكتب علي من طريقه إِلَى مُعَاوِيَةَ ، ومن قبله كتابا يدعوهم فِيهِ إِلَى كِتَاب اللَّهِ وسنة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحقن دماء الأمة فكتب إِلَيْهِ مُعَاوِيَة : ليس بيني وبين قَيْس عتاب غير طعن الكلي وضرب الرقاب فَقَالَ علي : قاتلت الناكثين ، وهؤلاء القاسطون وسأقاتل المارقين . ووافى علي الرقة ، وبها جماعة ممن هرب إِلَيْهَا من الْكُوفَة من العثمانية الَّذِي أهواؤهم مَعَ مُعَاوِيَة ، مثل الوليد بْن عقبة بْن أَبِي معيط ، وسماك بْن مخرمة بْن حمين الأسدي الَّذِي مدحه الأخطل ، فَقَالَ : إن سماكا بنى مجدًا لأسرته حَتَّى الممات وفعل الخير يبتدر ، . والمحتمل بْن سماعة بْن حصين بْن دينار الْجُعْفِيّ ، وشمر بْن الحارث بْن البراء الْجُعْفِيّ ، والقشعم بْن عَمْرو بْن نذير بْن البراء الْجُعْفِيّ وسلمان بْن ثمامة بْن شَرَاحِيل الْجُعْفِيّ وغيرهم ، فأمر أهل الرقة أن يتخذوا لَهُ جسرًا يعبر عَلَيْهِ ، فأبوا ، فسار يريد جسر منبج للعبور عَلَيْهِ ، وأقام مالك بْن الحارث الأشتر النخعي بعده ، فَقَالَ : أقسم بالله يَا أهل الرقة ، لئن لم تتخذوا لأمير الْمُؤْمِنِينَ جسرًا عند مدينتكم حَتَّى يعبر عَلَيْهِ ، لأجردن فيكم السيف . فعقدوا الجسر ، وبعث الأشتر إِلَى علي فرده من دون المنزل ، فعبرت الأثقال والرجال ، وأمر علي الأشتر أن يقف فِي ثلاثة آلاف حَتَّى لا يبقى من النَّاس أحد إِلا عبر ، ثُمَّ عبر أمير الْمُؤْمِنِينَ علي ، والأشتر آخر النَّاس . ودعا علي بزياد بْن النضر ، وشريح بْن هانئ فأمضاهما أمامه عَلَى هيئتهما ، وكانا قد أخذا عَلَى طريق هيت ، ثُمَّ عبرا مِنْهَا ولحقاه بقرقيسايا وسارا مَعَهُ إِلَى أنهما يقدمان عسكره ، وجعل الأشتر أميرا عَلَيْهِمَا ، فلقيهم أَبُو الأعور السلمي وَهُوَ عَلَى مقدمة مُعَاوِيَة ، واسم أَبِي الأعور : عَمْرو بْن سُفْيَان بْن سيعد بْن قانف بْن الأوقص بْن مرة بْن هلال بْن فالغ ، فحاربوه ساعة عند المساء ، ثُمَّ انصرفوا . ونزل مُعَاوِيَة ومن مَعَهُ عَلَى الفرات عَلَى شريعة سبقوا إِلَيْهَا لم يكن هناك شريعة غيرها ، وَقَالَ : لا تسقوا أصحاب علي الماء كما منعوه أمير الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَان . وَقَالَ الْهَيْثَم بْن عدي : لما نزل مُعَاوِيَة صفين ، قَالَ بعض الشعراء : أيمنعنا القوم ماء الفرات وفينا السيوف وفينا الجحف وفينا علي لَهُ سورة إذا خوفوه الردى لم يخف ونحن الَّذِينَ غداة الزُّبَيْر وطلحة خضنا غمار التلف فما بالنا أمس أسد العرين وما لنا اليوم فينا الضعف . وَكَانَ الوليد بْن عقبة قد صار إِلَى مُعَاوِيَةَ ، فكان أشد النَّاس فِي ذَلِكَ . وقوم يقولون : إن الوليد كَانَ معتزلا بالرقة ، والثبت أنه صار إِلَى صفين . قَالُوا : فقاتل أصحاب علي وَمُعَاوِيَة عَلَى الماء أشد قتال حَتَّى غلبوا عَلَى الشريعة ، وجعل عَبْد اللَّهِ بْن أحمر ، يقول : خلوا لنا عَن الفرات الجاري وأيقنوا بجحفل جرار بكل قرم مستميت شار مطاعن برمحه كرار . وأقبل أمير الْمُؤْمِنِينَ علي فكان نزوله صفين لليالٍ بقين من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ، فغلب وأصحابه عَلَى الماء ، فأمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أصحابه أن لا يمنعوا أصحاب مُعَاوِيَة الماء ، فجعل السقاة يزدحمون عَلَيْهِ . ويقال : إن مُعَاوِيَة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لما رأى شدة قتالهم عَلَى تلك الشريعة ، أرسل إِلَى أصحابه أن خلوا عَن الماء ليشربوا وتشربوا .