حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ° ، عَنْ ابْنِ جُعْدُبَةَ ° ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ° ، قَالَ : " عَزَلَ عَلِيٌّ ° قَيْسَ بْنَ سَعِيدٍ عَنْ مِصْرَ ، فَلَحِقَ بِالْمَدِينَةِ ، وَبِهَا مَرْوَانُ وَالأَسْوَدُ بْنُ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ، فَبَلَغَهُ عَنْهُمَا أَمْرٌ خَافَهُ وَخَشِيَ أَنْ يَأْخُذَا . فَيَقْتُلاهُ أَوْ يَحْبِسَاهُ ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَأَتَى عَلِيًّا ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى مَرْوَانَ وَالأَسْوَدِ يُعَنِّفُهُمَا ، وَيَقُولُ : أَمْدَدْتُمَا عَلِيًّا بِقَيْسٍ وَرَأْيِهِ وَمَكِيدَتِهِ ، وَاللَّهِ لَوْ أَمْدَدْتُمَاهُ بِمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ مَا كَانَ ذَلِكَ بِأَغْيَظَ لِي مِنْ إِخْرَاجِكُمَا قَيْسًا إِلَيْهِ ، وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ قَيْسٌ يُدَارِي لِعَلِيٍّ أُمُورًا يَقْصُرُ رَأْيُ عَلِيٍّ عَنْهَا . قَالَ : فَشَهِدَ قَيْسٌ مَعَهُ صِفِّينَ ثُمَّ وَلاهُ أَذْرَبِيجَانَ " . وَقَالَ أَبُو مِخْنَفٍ ، وَعَوَانَةُ ، وَغَيْرُهُمَا : مَكَثَ عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ فِي عَسْكَرَيْهِمَا يَوْمَيْنِ ، لا يُرْسِلُ أَحَدَهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ ، ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا دَعَا سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيَّ ، وَبَشِيرَ بْنَ عَمْرِو بْنِ مِحْصَنٍ أَبَا عَمْرَةَ الأَنْصَارِيَّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ ، وَشَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ الرِّيَاحِيُّ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ، وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ ، وَيَزِيدُ بْنُ قَيْسٍ ، وَزِيَادُ بْنُ خَصْفَةَ ، فَقَالَ : ائْتُوا هَذَا الرَّجُلَ وَادْعُوهُ إِلَى اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَإِلَى الْجَمَاعَةِ وَالطَّاعَةِ . فَفَعَلُوا ، فَقَالَ : وَأَنَا أَدْعُو صَاحِبَكُمْ إِلَى أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ قِبَلِهِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ إِلَيَّ لأَقْتُلَهُمْ بِهِ ، ثُمَّ يَعْتَزِلَ الأَمْرَ حَتَّى يَكُونَ شُورَى . قَالُوا : فَتَقَاتَلَ الْقَوْمُ بَاقِي ذِي الْحِجَّةِ ، فَكَانَ هَذَا يُخْرِجُ وُجُوهَ أَصْحَابِهِ ، وَيُخْرِجُ ذَاكَ وُجُوهَ أَصْحَابِهِ نَوَائِبَ فَيَقْتَتِلُونَ . ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا وَمُعَاوِيَةَ تَرَاسَلا فِي الْمُحَرَّمِ ، وَهُمَا مُتَوَادِعَانِ ، فَقَالَ حَابِسُ بْنُ سَعْدٍ الطَّائِيُّ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ : كَأَنَّكَ بِالتَّذَابُحِ بَعْدَ سَبْعٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ أَوْ ثَمَانٍ تَكُونُ دِمَاؤُنَا طُلَقًا حَلالا لأَهْلِ الْكُوفَةِ الْحُمْرِ السِّمَانِ وَكَانَ قَوْلُ مُعَاوِيَةَ قَوْلا وَاحِدًا لا يَنْثَنِي عَنْهُ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ : لا أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ إِنْ أَبْقَيْتَ ، وَلا أَرْعَى عَلَيْكِ إِنْ رَعَيْتَ
فلما أهل هلال صفر سنة سبع وثلاثين ، أمر علي فنودي فِي أَهْل الشَّامِ بالإعذار إِلَيْهِمْ ، وحرض النَّاس وأوصاهم : أن يغضوا الأبصار ، ويخفضوا الأصوات ، ويقلوا الكلام ، ويوطنوا أنفسهم عَلَى المجالدة والمنازلة ، ويستشعروا الصبر . وجعل عَلَى ميمنته عَبْد اللَّهِ بْن العباس بْنِ عَبْدِ المطلب ، وعلى ميسرته مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن أَبِي طالب ، وعلي خيل الْكُوفَة مالك بْن الحارث الأشتر ، وعلى رجالتهم عَمَّار بْن ياسر ، وعلى خيل أهل الْبَصْرَةِ سهل بْن حنيف ، وعلى رجالة أهل الْبَصْرَةِ قَيْس بْن سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، وهاشم بْن عتبة بْن أَبِي وقاص ، وَهُوَ المرقال ، وَكَانَ أعور أصيبت عينه يوم اليرموك بالشام . وَكَانَ شمر بْن ذي الجوشن فِي كتيبة فيما يقول بعضهم . وَكَانَ مسعر بْن فدكي عَلَى القراء . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : كانت راية علي يوم صفين مَعَ عَمْرو بْن الحارث بْن عبد يغوث بْن قشر الهمداني . وبعث علي إِلَى مُعَاوِيَةَ : أن أخرج إلي أبارزك . فلم يفعل ، وَكَانَ القتال فِي أول يوم ، وَهُوَ يوم الأربعاء فِي صفر بين حبيب بْن مسلمة الفهري والأشتر ، فانصرفا عَلَى انتصاف . ثُمَّ كَانَ القتال فِي اليوم الثاني : بين هاشم بْن عتبة المرقال ، وأبي الأعور السلمي . وفي الثالث : بين عَمْرو بْن العاص ، وعمار بْن ياسر . وفي الرابع : بين مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن أَبِي طالب ، وعبيد اللَّه بْن عمر بْن الخطاب ، فنادى أَهْل الشَّامِ : معنا الطيب بْن الطيب بْن عمر بْن الخطاب ، فرد أصحاب علي عليهم : معكم الخبيث بْن الطيب . وَكَانَ القتال فِي اليوم الخامس : بين عَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاس ، والوليد بْن عقبة بْن أَبِي معيط ، فجعل الوليد يسب بني عبد المطلب ، ويقول : قطعتم الأرحام وطلبتم مَا لم تدركوه . ومن قَالَ : إن الوليد اعتزل القتال ، قَالَ : كَانَ القتال فِي اليوم الخامس : بين عَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاس ، وملحان بْن حارثة بْن سعد بْن الحشرج الطائي ، وَهُوَ من طيء الشَّام ، وفيه يقول الشاعر : لبيك عَلَى ملحان ضيف مدقع وأرملة تزجي مَعَ الليل أرملا . وفي اليوم السادس : بين سعد بْن قَيْس ، أَوْ قَيْس بْن سَعْدٍ ، وبين ابْن ذي الكلاع . وفي اليوم السابع : بين الأشتر أَيْضًا ، وحبيب بْن سلمة . فلما كَانَ اليوم الثامن عبأ علي النَّاس عَلَى مَا كَانَ رتبهم عَلَيْهِ ، وعبأ مُعَاوِيَة أَهْل الشَّامِ واقتتلوا قتالا شديدًا ، وجعل علي يقول لكل قبيلة من أهل الْكُوفَة : أكفوني قبيلتكم من أَهْل الشَّامِ . ثُمَّ غدوا يوم الخميس فاقتتلوا أبرح قتال ، وانتهت الهزيمة إِلَى علي فقاتل مَعَ الحسن والحسين ، وقتل زياد بْن النضر الحارثي ، وعبد اللَّه بْن بديل بْن ورقاء الخزاعي ، وانهزمت ميمنة علي ثُمَّ ثابوا فأهمت أَهْل الشَّامِ أنفسهم وكثر القتال والجراح فيهم ، وركب مُعَاوِيَة فرسه وجعل ينشد شعر ابْن أطنابة الأَنْصَارِيّ ، وَهُوَ عَمْرو بْن عامر الخزاعي ، وأمه الأطنابة بنت شهاب من بلقين : وقولي كلما جشأت وجاشت مكانك تحمدي أَوْ تستريحي فكان مُعَاوِيَة ، يقول بعد ذَلِكَ : ركبت فرسي ومن شأني الهرب حَتَّى ذكرت شعر ابْن الأطنابة : أبت لي عفتي وأبى حيائي وإقدامي عَلَى البطل المشيح وقولي كلما جشأت وجاشت مكانك تحمدي أَوْ تستريحي فأمسكني عَن الهرب . وقتل حابس بْن سعد الطائي من أَهْل الشَّامِ ، قتله الحمارس من أهل الْكُوفَة فشد عَلَيْهِ زيد بْن عدي بْن حاتم فقتله ولحق بمعاوية ، ثُمَّ رجع بعد إِلَى الْكُوفَةِ فخرج فِي جماعة يصيب الطريق فقتلته خيل للمغيرة بْن شعبة ، وَهُوَ عامل مُعَاوِيَة عَلَى الْكُوفَة . وَقَالَ بعضهم : قتل مَعَ الخوارج بالنهروان . وَقَالَ شقيق بْن ثور السدوسي : يَا معشر ربيعة ، لا عذر لكم إن قتل علي ومنكم رجل حي . فتمثل علي قول رجل منهم يوم الجمل : لمن راية سوداء يخفق ظلها إذا قيل قدمها حضين تقدما المدائني ، عَن عيسى بْن يزيد ، قَالَ : لما قامت الحرب بين علي وَمُعَاوِيَة بصفين فتحاربوا أياما . قَالَ مُعَاوِيَة لعَمْرو بْن الْعَاصِ فِي بعض أيامهم : إن رأس النَّاس مَعَ علي عَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاس ، فلو القيت إِلَيْهِ كتابا تعطفه بِهِ ، فإنه إن قَالَ قولا لم يخرج منه علي ، وقد أكلتنا هَذِهِ الحرب . فَقَالَ عَمْرو : إن ابْن عَبَّاس أريب لا يخدع ولو طمعت فِيهِ لطمعت فِي علي . قَالَ : صدقت إنه لأريب ولكن اكتب إِلَيْهِ عَلَى ذَلِكَ . فكتب إِلَيْهِ : من عَمْرو بْن العاص إِلَى عَبْد اللَّهِ بْن العباس : أما بعد ، فَإِن الَّذِي نحن وأنتم فِيهِ ، ليس بأول أمر قاده البلاء ، وساقه سفه العاقبة ، وأنت رأس هَذَا الأمر بعد علي ، فانظر فيما بقي بغير مَا مضى ، فوالله مَا أبقت هَذِهِ الحرب لنا ولكم حيلة ، واعلم أن الشَّام لا يملك إِلا بهلاك الْعِرَاق ، وأن الْعِرَاق لا يملك إِلا بهلاك الشَّام ، فما خيرنا بعد إسراعنا فيكم وما خيركم بعد إسراعكم فينا ، ولست أقول : ليت الحرب عادت ، ولكن أقول : ليتها لم تكن ، وإن فينا من يكره اللقاء كما أن فيكم من يكرهه ، وإنما هُوَ أمير مطاع ، أَوْ مأمور مطيع ، أَوْ مشاور مأمون وَهُوَ أنت ، فأما السفيه فليس بأهل أن يعد من ثقات أهل الشورى وَلا خواص أهل النجوى . وكتب فِي آخر كتابه : طال البلاء فما يرجى لَهُ آس بعد الإله سوى رفق ابْن عَبَّاس قولا لَهُ قول مسرور بحظوته لا تنس حظك إن التارك الناسي كل لصاحبه قرن يعادله أسد تلاقي أسودًا بين أخياس انظر فدى لك نفسي قبل قاصمة للظهر ليس لَهَا راق وَلا آسي أهل الْعِرَاق وأهل الشَّامِ لن يجدوا طعم الحياة لحرب ذات أنفاس والسلم فِيهِ بقاء ليس يجهله إِلا الجهول وما النوكى كأكياس فاصدع بأمرك أمر القوم إنهم خشاش طير رأت صقر بحسحاس . فلما قرأ ابْن عَبَّاس الكتاب والشعر أقرأهما عَلِيًّا ، فَقَالَ علي : قاتل اللَّه ابْن العاص مَا أغره بك ، يَا ابْن عَبَّاس ، أجبه ، وليرد عَلَيْهِ شعره فضل بْن عَبَّاس بْن أَبِي لهب . فكتب إِلَيْهِ عَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاس : أما بعد ، فإني لا أعلم رجلا من العرب أقل حياء منك ، إنه مال بك إِلَى مُعَاوِيَةَ الهوى وبعته دينك بالثمن اليسير ، ثُمَّ خبطت للناس فِي عشواء طخياء طمعا فِي هَذَا الملك ، فلما لم تر شَيْئًا أعظمت الدماء إعظام أهل الدين ، وأظهرت فِيهَا زهادة أهل الورع ، وَلا تريد بِذَلِكَ إِلا تهييب الحرب وكسر أهل الْعِرَاق ، فَإِن كنت أردت اللَّه بِذَلِكَ ، فدع مصر وارجع إِلَى بيتك ، فَإِن هَذِهِ حرب ليس مُعَاوِيَة فِيهَا كعلي ، بدأها علي بالحق وانتهي فِيهَا إِلَى العذر ، وابتدأها مُعَاوِيَة بالبغي فانتهى مِنْهَا إِلَى السرف ، وليس أَهْل الشَّامِ فِيهَا كأهل الْعِرَاق ، بايع عَلِيًّا أهل الْعِرَاق وهو خير منهم ، وبايع أَهْل الشَّامِ مُعَاوِيَة وهم خير منه ، ولست وأنا فِيهَا سواء أردت اللَّه ، وأردت مصر ، فَإِن ترد شرًا لا يفتنا ، وإن ترد خيرًا لا تسبقانا . ثُمَّ دعا الفضل بْن العباس بْن عتبة ، فَقَالَ : يَا ابْن عم ، أجب عَمْرو بْن العاص . فَقَالَ : يا عمرو حسبك من خدع ووسواس فاذهب فمالك فِي ترك الهدى آس إِلا بوادر يطعن فِي نحوركم ووشك ضرب يفزي جلدة الراس هَذَا لكم عندنا فِي كل معركة حَتَّى تطيعوا عَلِيًّا وَابْن عَبَّاس أما علي فَإِن اللَّه فضله فضلا لَهُ شرف عال علي النَّاس لا بارك اللَّه فِي مصر فقد جلبت شرًا وحظك مِنْهَا حسوة الحاسي . فلما قرأ مُعَاوِيَة الكتاب ، قَالَ : مَا كَانَ أغنانا عَن هَذَا . وَكَانَ هِشَام بْن عَمْرو الدمشقي ، يقول : هَذَا الحديث مما صنعه ابْن دابكم هَذَا . وَقَالَ الْهَيْثَم بْن عدي الطائي : قاتل عَبْد اللَّهِ بْن بديل بْن ورقاء يوم صفين فقتل ، وَهُوَ يقول : لم يبق إِلا الصبر والتوكل وطعنة وضربة بالمنصل فقتل ، فَقَالَ مُعَاوِيَة : هَذَا والله كما قَالَ الشاعر : أخو الحرب إن عضت بِهِ الحرب عضها وإن شهدت يوما بِهِ الحرب شمرا وَقَالَ هِشَام بْن الْكَلْبِيّ ، عَن أَبِيهِ : وفد زمل بْن عَمْرو بْن العتر العذري عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعقد لَهُ لواءًا فشهد بِهِ صفين مَعَ مُعَاوِيَة ، وَهُوَ أحد شهوده عَلَى القضية .