← تهذيب الآثار للطبري
تهذيب الآثار للطبري
#1965 244 ☰ ذكر من كان يرى الصوم في السفر والمرض إذا كان …
A− A+

1965 حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكٌ ، عَنْ سُمَيٍّ ، أَنّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَ يَصُومِ فِي السَّفَرِ "

وَعِلَّةُ قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ صِحَّةُ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَامَ فِي سَفَرِهِ ، عَامَ شَخَصَ لِحَرْبِ قُرَيْشٍ ، فَلَمْ يُفْطِرْ حَتَّى قَارَبَ مَكَّةَ ، وَدَنَا مِنْ عَدُوِّهِ ، فَأَفْطَرَ لَمَّا دَنَا مِنْهُمْ مُرِيدًا حَرْبَهُمْ ؛ خَشْيَةَ الضَّعْفِ عَلَى أَصْحَابِهِ ، عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ صِيَامًا . قَالُوا : فَالْفِطْرُ الَّذِي نُدِبَ إِلَيْهِ الْمُسَافِرُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ بِتَرْكِهِ عَلَى تَارِكِهِ مِنَ الْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ ، مَا كَانَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ دُنُوِّهِمْ لِلِقَاءِ عَدُوِّهِمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَأَمَّا مَنْ كَانَ غَيْرَ مَخُوفٍ عَلَيْهِ بِصَوْمِهِ أَذًى وَلا مَكْرُوهٌ ، وَلا عَلَى أَحَدٍ بِسَبَبِهِ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ الإِفْطَارُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِسَفَرٍ وَلا غَيْرِهِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ فِيمَا مَضَى قَوْلَ مَنْ أَبَاحَ الإِفْطَارَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَخُوفٍ عَلَيْهِ بِالصَّوْمِ مَكْرُوهٌ وَلا أَذًى ، وَرَأَى أَنَّ الصَّوْمَ لَهُ أَفْضَلُ . وَعِلَّةُ قَائِلِي ذَلِكَ نَظِيرَةُ قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ ، غَيْرَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا لِمُطِيقِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ الْخِيَارَ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالإِفْطَارِ ، وَقَالُوا : أَفْضَلُ الأَمْرَيْنِ لَهُ الصَّوْمُ ، لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا أَبَاحَ لَهُ الإِفْطَارَ فِي سَفَرِهِ تَيْسِيرًا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ سورة البقرة آية 185 ، قَالُوا : فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي الصَّوْمِ عُسْرٌ ، فَالْفَضْلُ لَهُ فِي الصَّوْمِ ، وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ : الإِفْطَارُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ ، رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَتَيْسِيرٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ ، إِذَا كَانُوا لِلصَّوْمِ مُطِيقِينَ ، وَعَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالصَّوْمِ غَيْرَ خَائِفِينَ ، عَجْزًا عَمَّا هُوَ أَوْلَى بِهِمْ مِنْهُ ، مِنْ أَدَاءِ فَرَائِضِ اللَّهِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَقِيبَ قَوْلِهِ : وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ سورة البقرة آية 185 ، فَأَخْبَرَهُ عَزَّ ذِكْرُهُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَطْلَقَ الإِفْطَارَ فِي شَهْرِ الصَّوْمِ فِي حَالِ السَّفَرِ وَالْمَرَضِ ، وَإِبْدَالَ عِدَّةَ مَا يُفْطِرُ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الأَيَّامِ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مِنْ غَيْرِهِ ، إِرَادَةَ الْيُسْرَ مِنْهُ بِنَا لا الْعُسْرَ . فَمَنِ اخْتَارَ رُخْصَةَ اللَّهِ لَهُ ، فَأَفْطَرَ فِي حَالِ سَفَرِهِ أَوْ مَرَضِهِ لَمْ يَكُنْ مُعَنَّفًا ، وَمَنِ اخْتَارَ الصَّوْمَ وَهُوَ يُسِرٌ غَيْرُ عُسْرٍ عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُ أَفْضَلُ ، لِصِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَامَ حِينَ شَخَصَ مِنْ مَدِينَتِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى مَكَّةَ لِحَرْبِ قُرَيْشٍ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ أَوِ الْكَدِيدَ ، وَصَامَ مَعَهُ أَصْحَابُهُ ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ يُسْرًا عَلَيْهِمْ لا عُسْرًا ، وَأَنَّهُ أَفْطَرَ ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالإِفْطَارِ لَمَّا دَنَا وَدَنَوْا مِنْ عَدُوِّهِمْ لِحَرْبِهِمْ ، فَصَارَ الصَّوْمُ عُسْرًا لا يُسْرًا ، إِذْ كَانَ لا شَكَّ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا لَقُوا عَدُوَّهُمْ فَحَارَبُوهُمْ وَهُمْ صِيَامٌ ، لَمْ يُؤْمَنْ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمُ الضَّعْفُ ، وَدُخُولُ الْوَهْنِ عَلَيْهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ ، فَصَوْمُهُمْ يَكُونُ سَبَبًا لِعَجْزِهِمْ عَنْ عَدُوِّهِمْ ، وَقُوَّةً لِعَدُوِّهِمْ عَلَيْهِمْ ، فَكَانَ ذَلِكَ حَالا الإِفْطَارُ فِيهَا بِهِمْ أَوْلَى مِنَ الصَّوْمِ ، وَأَفْضَلُ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مِنْهُ ، لِمَا كَانُوا يَرْجُونَ بِالإِفْطَارِ مِنْ قُوَّةِ أَبْدَانِهِمْ عَلَى حَرْبِ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَأَعْدَائِهِمْ ، وَإِعْلاءِ كَلِمَتِهِ عَلَى كَلِمَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا . فَكَذَلِكَ الْحَقُّ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ لِلْمُسَافِرِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، وَفِي غَيْرِ مَعْصِيَتِهِ ، أَفْضَلَ لَهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ يُسْرًا عَلَيْهِ غَيْرَ عُسْرٍ ، وَأَنْ لا يَكُونَ حَرِجًا بِالإِفْطَارِ إِنْ أَفْطَرَ ، لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ سورة البقرة آية 185 ، كُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى سَفَرٍ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، وَأَنْ يَكُونَ الإِفْطَارُ لَهُ أَفْضَلَ ، إِذَا كَانَ الصَّوْمُ عُسْرًا لا يُسْرًا ، لِمَا ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِفْطَارِهِ ، وَأَمْرِهِ أَصْحَابَهُ بِالإِفْطَارِ ، عِنْدَ دُنُوِّهِ مِنْ عَدُوِّهِ لِحَرْبِهِمْ ، وَقُرْبِهِ مِنْ لِقَائِهِمْ ، وَمَصِيرِ الصَّوْمِ فِيهِ عُسْرًا لا يُسْرًا . وَكَالَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِالإِفْطَارِ فِي سَفَرِهِمُ ، الَّذِي سَافَرُوهُ مَعَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حِينَ أَمَرَهُمْ بِهِ ، وَصَوْمُهُ فِي الْحَالِ الَّتِي صَامَ فِيهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ ، مَعْنَى قَوْلِهِ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ : " لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ " ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ " ، وَذَلِكَ صَوْمُ الصَّائِمِ فِي السَّفَرِ فِي حَالٍ إِنْ صَامَ فِيهَا ضَيَّعَ بِصَوْمِهِ فِيهَا مِنْ فَرَضِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَا هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ ، أَوْ خِيفَ عَلَيْهِ بِصَوْمِهِ فِيهَا فِيهِ مِنْ دُخُولِ الْمَكْرُوهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ ، مَا إِصْلاحُهُ بِالإِفْطَارِ أَوْجَبُ عَلَيْهِ مِنَ الصَّوْمِ فِيهِ ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِصَوْمِهِ فِيهِ وَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ بِالإِفْطَارِ ، وَجَعَلَ لَهُ السَّبِيلَ إِلَى صَوْمِ عِدَّةِ الأَيَّامِ الَّتِي أَفْطَرَهَا مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، مُضَيِّعًا فَرْضًا عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ فِي حَالِهِ تِلْكَ ، غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ التَّأْخِيرُ عَنْهَا ، فَيَكُونُ فِي إِثْمِهِ تَأْخِيرُهُ ذَلِكَ بِصَوْمِهِ ، وَتَرْكِ الإِفْطَارِ فِيهَا ، فِي مَعْنَى الْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ ، فِي إِثْمِهِ بِإِفْطَارِهِ فِي حَالٍ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيهَا الإِفْطَارَ ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ وَرَدَتِ الأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
يونس بن عبد الأعلى←ابن وهب←مالك←سمي←أبا بكر بن عبد الرحمن