55 حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ صَعْصَعَةَ " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مِنْ وَرَّثَ الْكَلالَةَ ، وَجَمَعَ الْمُصْحَفَ "
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأَخْبَارِ الَّتِي يُطَوِّلُ بِاسْتِيعَابِ جَمِيعِهَا الْكِتَابُ ، وَالآثَارُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَحْمَةُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، جَمَعَ الْمُسْلِمِينَ ؛ نَظَرًا مِنْهُ لَهُمْ ، وَإِشْفَاقًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ ، وَرَأْفَةً مِنْهُ بِهِمْ ، حِذَارَ الرِّدَّةَ مِنْ بَعْضِهِمْ بَعْدَ الإِسْلامِ ، وَالدُّخُولِ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ الإِيمَانِ ، إِذْ ظَهَرَ مِنْ بَعْضِهِمْ بِمَحْضِرِهِ ، وَفِي عَصْرِهِ التَّكْذِيبُ بِبَعْضِ الأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ ، مَعَ سَمَاعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْيَ عَنِ التَّكْذِيبِ بِشَيْءٍ مِنْهَا ، وَإِخْبَارِهِ إِيَّاهُمْ ، أَنَّ الْمِرَاءَ فِيهَا كُفْرٌ ، فَحَمَلَهُمْ رَحْمَةُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، إِذْ رَأَى ذَلِكَ ظَاهِرًا بَيْنَهُمْ فِي عَصْرِهِ ، وَبِحَدَاثَةِ عَهْدِهِمْ بِنُزُولِ الْقُرْآنِ ، وَفِرَاقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُمْ ، بِمَا أَمِنَ عَلَيْهِمْ مَعَهُ عَظِيمَ الْبَلاءِ فِي الدِّينِ ؛ مِنْ تِلاوَةِ الْقُرْآنِ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ ، وَجَمَعَهُمْ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ ، وَخَرَّقَ مَا عَدَا الْمُصْحَفَ الَّذِي جَمَعَهُمْ عَلَيْهِ ، وَعَزَمَ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مُصْحَفٌ مُخَالِفٌ الْمُصْحَفَ الَّذِي جَمَعَهُمْ عَلَيْهِ أَنْ يُخَرِّقَهُ ، فَاسْتَوْثَقَتْ لَهُ الأُمَّةُ عَلَى ذَلِكَ بِالطَّاعَةِ ، وَرَأَتْ أَنَّ فِيمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ الرُّشْدَ وَالْهِدَايَةَ ، فَتَرَكَتِ الْقِرَاءَةَ بِالأَحْرُفِ السِّتَّةِ ، الَّتِي عَزَمَ عَلَيْهَا إِمَامُهَا الْعَادِلُ فِي تَرْكِهَا ، طَاعَةً مِنْهَا لَهُ ، وَنَظَرًا مِنْهَا لأَنْفُسِهَا ، وَلِمَنْ بَعْدَهَا مِنْ سَائِرِ أَهْلِ مِلَّتِهَا ، حَتَّى دَرَسَتْ مِنَ الأُمَّةِ مَعْرِفَتُهَا ، وَتَعَفَّتْ آثَارُهَا ، فَلا سَبِيلَ الْيَوْمَ لأَحَدٍ إِلَى الْقِرَاءَةِ بِهَا ، لِدُثُورِهَا ، وَعُفُوِّ آثَارِهَا ، وَتَتَابُعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَفْضِ الْقِرَاءَةِ بِهَا ، مِنْ غَيْرِ جُحُودٍ مِنْهَا صِحَّتَهَا وَصِحَّةَ شَيْءٍ مِنْهَا ، وَلَكِنْ نَظَرًا مِنْهَا لأَنْفُسِهَا وَلِسَائِرِ أَهْلِ دِينِهَا ، فَلا قِرَاءَةَ لِلْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ إلا بِالْحَرْفِ الْوَاحِدِ الَّذِي اخْتَارَهُ لَهُمْ إِمَامُهُمُ الشَّفِيقُ النَّاصِحُ ، دُونَ مَا عَدَاهُ مِنَ الأَحْرُفِ السِّتَّةِ الْبَاقِيَةِ . فَإِنْ قَالَ بَعْضُ مَنْ ضَعُفَتْ مَعْرِفَتُهُ : وَكَيْفَ جَازَ لَهُمْ تَرْكُ قِرَاءَةٍ أَقْرَأَهُمُوهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمَرَهُمْ بِقِرَاءَتِهَا ؟ قِيلَ : إِنَّ أَمْرَهُ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ أَمْرَ إِيجَابٍ وَفَرْضٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ أَمْرَ إِبَاحَةٍ وَرُخْصَةٍ ؛ لأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِهَا لَوْ كَانَتْ فَرْضًا عَلَيْهِمْ ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْ تِلْكَ الأَحْرُفِ السَّبْعَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُومُ بِنَقْلِهِ الْحُجَّةَ ، وَيَقْطَعُ خَبَرَهُ الْعُذْرُ ، وَيُزِيلُ الشَّكَّ مِنْ قِرَاءَةِ الأُمَّةِ ، وَفِي تَرْكِهِمْ نَقْلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَوْضَحُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ بِهَا مُخَيَّرِينَ ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ فِي نَقَلَةِ الْقُرْآنَ مِنَ الأُمَّةِ ، مَنْ تَجِبُ بِنَقْلِهِ الْحُجَّةَ بِبَعْضِ تِلْكَ الأَحْرُفِ السَّبْعَةِ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لَمْ يَكُنِ الْقَوْمُ بِتَرْكِهِمْ نَقْلَ جَمِيعِ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ تَارِكِينَ مَا كَانَ عَلَيْهِمْ نَقْلُهُ ، بَلْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفِعْلِ مَا فَعَلُوا ، إِذْ كَانَ الَّذِي فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ ، كَانَ هُوَ النَّظَرَ لِلإِسْلامِ وَأَهْلِهِ ، فَكَانَ الْقِيَامُ بِفِعْلِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ بِهِمْ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ مَا لَوْ فَعَلُوهُ ، كَانُوا إِلَى الْجِنَايَةِ عَلَى الإِسْلامِ وَأَهْلِهِ أَقْرَبَ مِنْهُمْ إِلَى السَّلامَةِ مِنْ ذَلِكَ . فَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ اخْتِلافِ الْقَرَأَةِ فِي رَفْعِ حَرْفٍ وَجَرِّهِ وَنَصْبِهِ ، وَتَسْكِينِ حَرْفٍ وَتَحْرِيكِهِ ، وَنَقْلِ حَرْفٍ إِلَى آخَرَ ، مَعَ اتِّفَاقِ الصُّورَةِ ، فَمِنْ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ " بِمَعْزِلٍ ؛ لأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لا حَرْفَ مِنْ حُرُوفِ الْقُرْآنِ مِمَّا اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَتِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى يُوجِبُ الْمِرَاءُ بِهِ كُفْرَ الْمُمَارِي بِهِ فِي قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ . وَقَدْ أَوْجَبَ صلّى الله عَلَيْه وَسَلَّمَ بِالْمِرَاءِ فِيهِ الْكُفْرَ ، مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي تَنَازَعَ فِيهِ الْمُتَنَازِعُونَ إِلَيْهِ ، وَتَظَاهَرَتْ عَنْهُ بِذَلِكَ الرِّوَايَةُ ، عَلَى مَا قَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَهَلْ لَكَ مِنْ عِلْمٍ بِالأَلْسُنِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ ؟ وَأَيُّ الأَلْسُنِ هِيَ مِنْ أَلْسُنِ الْعَرَبِ ؟ قُلْنَا : أَمَّا الأَلْسُنُ السِّتَّةُ الَّتِي قَدْ نَزَلَتِ الْقِرَاءَةُ بِهَا ، فَلا حَاجَةَ بِنَا إِلَى مَعْرِفَتِهَا ؛ لأَنَّا لَوْ عَرَفْنَاهَا ، لَمْ نَقْرَأِ الْيَوْمَ بِهَا ، مَعَ الأَسْبَابِ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ خَمْسَةً مِنْهَا لِعَجْزِ هَوَازِنَ ، وَاثْنَيْنِ مِنْهَا لِقُرَيْشٍ وَخُزَاعَةَ . رُوِيَ جَمِيعُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَيْسَتِ الرِّوَايَةُ بِهِ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ بِنَقْلِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِيَ رَوَى عَنْهُ أَنَّ خَمْسَةً مِنْهَا مِنْ لِسَانِ الْعَجْزِ مِنْ هَوَازِنَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، وَأَنَّ الَّذِي رَوَى عَنْهُ أَنَّ اللِّسَانَيْنِ الآخَرَيْنِ لِسَانُ قُرَيْشٍ وَخُزَاعَةَ ، قَتَادَةُ ، وَقَتَادَةُ لَمْ يَلْقَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ .