← جامع البيان عن تأويل آي ا…
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
#6 1 : 15 ☰ القول في البيان عن الأحرف التي اتفقت فيها ألف…
A− A+

6 وَفِيمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ ، قَالَ : " فِي الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ لِسَانٍ "

، وَفِيمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأَخْبَارِ الَّتِي يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْكِتَابُ ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهِ مِنْ غَيْرِ لِسَانِ الْعَرَبِ ؟ قِيلَ لَهُ : إِنَّ الَّذِيَ قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُ خَارِجٍ مِنْ مَعْنَى مَا قُلْنَا ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا : هَذِهِ الأَحْرُفُ وَمَا أَشْبَهَهَا لَمْ تَكُنْ لِلْعَرَبِ كَلامًا ، وَلا كَانَ ذَاكَ لَهَا مَنْطِقًا قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ ، وَلا كَانَتْ بِهَا الْعَرَبُ عَارِفَةً قَبْلَ مَجِيءِ الْفُرْقَانِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَوْلا لِقَوْلِنَا خِلافًا ، وَإِنَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : حَرْفُ كَذَا بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ مَعْنَاهُ كَذَا ، وَحَرْفُ كَذَا بِلِسَانِ الْعَجَمِ مَعْنَاهُ كَذَا ، وَلَمْ نَسْتَنْكِرْ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْكَلامِ مَا يَتَّفِقُ فِيهِ أَلْفَاظُ جَمِيعِ أَجْنَاسِ الأُمَمِ الْمُخْتَلِفَةِ الأَلْسُنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَكَيْفَ بِجِنْسَيْنِ مِنْهَا ؟ . كَمَا قَدْ وَجَدْنَا اتِّفَاقَ كَثِيرٍ مِنْهُ فِيمَا قَدْ عَلِمْنَاهُ مِنَ الأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَةِ ، وَذَلِكَ كَالدِّرْهَمِ ، وَالدِّينَارِ ، وَالدَّوَاةِ ، وَالْقَلَمِ ، وَالْقِرْطَاسِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُتْعِبُ إِحْصَاؤُهُ ، وَيُمِلُّ تَعْدَادُهُ ، كَرِهْنَا إِطَالَةَ الْكِتَابِ بِذِكْرِهِ ، مِمَّا اتَّفَقَتْ فِيهِ الْفَارِسِيَّةُ وَالْعَرَبِيَّةُ ، بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى . وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ الأَلْسُنِ الَّتِي يُجْهَلُ مَنْطِقُهَا ، وَلا يُعْرَفُ كَلامُهَا . فَلَوْ أَنَّ قَائِلا قَالَ فيما ذَكَرْنَا مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِي عَدَدْنَا ، وَأُخْبِرْنَا اتِّفَاقَهُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بِالْفَارِسِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا سَكَتْنَا عَنْ ذَكَرِهِ : ذَلِكَ كُلُّهُ فَارِسِيٌّ لا عَرَبِيٌّ ، أَوْ ذَلِكَ كُلُّهُ عَرَبِيٌّ لا فَارِسِيٌّ ، أَوْ قَالَ : بَعْضُهُ عَرَبِيٌّ وَبَعْضُهُ فَارِسِيٌّ ، أَوْ قَالَ : كَانَ مَخْرَجُ أَصْلِهِ مِنْ عِنْدِ الْعَرَبِ ، فَوَقَعَ إِلَى الْعَجَمِ فَنَطَقُوا بِهِ ، أَوْ قَالَ : كَانَ مَخْرَجُ أَصْلِهِ مِنْ عِنْدِ الْفُرْسِ ، فَوَقَعَ إِلَى الْعَرَبِ فَأَعْرَبَتْهُ ، كَانَ مُسْتَجْهَلا ؛ لأَنَّ الْعَرَبَ لَيْسَتْ بِأَوْلَى أَنْ تَكُونَ كَانَ مَخْرَجُ أَصْلِ ذَلِكَ مِنْهَا إِلَى الْعَجَمِ ، وَلا الْعَجَمُ بِأَحَقَّ أَنْ تَكُونَ كَانَ مَخْرَجُ أَصْلِ ذَلِكَ مِنْهَا إِلَى الْعَرَبِ ، إِذْ كَانَ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَمَعْنًى وَاحِدٍ مَوْجُودًا فِي الْجِنْسَيْنِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا عَلَى مَا وَصَفْنَا فِي الْجِنْسَيْنِ ، فَلَيْسَ أَحَدُ الْجِنْسَيْنِ بِأَوْلَى أَنْ يَكُونَ أَصْلُ ذَلِكَ كَانَ مِنْ عِنْدِهِ مِنَ الْجِنْسِ الآخَرِ ، وَالْمُدَّعِي أَنَّ مَخْرَجَ أَصْلِ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ إِلَى الآخَرِ ، مُدَّعٍ أَمْرًا لا يُوَصِّلُ إِلَى حَقِيقَةِ صِحَّتِهِ إِلا بِخَبَرٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ ، وَيُزِيلُ الشَّكَّ ، وَيَقْطَعُ الْعُذْرَ مَجِيئُهُ . بَلِ الصَّوَابُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُسَمَّى عَرَبِيًّا أَعْجَمِيًّا ، أَوْ حَبَشِيًّا عَرَبِيًّا ، إِذْ كَانَتِ الأُمَّتَانِ لَهُ مُسْتَعْمِلَتَيْنِ فِي بَيَانِهَا وَمَنْطِقِهَا ، اسْتِعْمَالَ سَائِرِ مَنْطِقِهَا وَبَيَانِهَا ، فَلَيْسَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كَلامِ كُلِّ أُمَّةٍ مِنْهُمَا بِأَوْلَى أَنْ يَكُونَ إِلَيْهَا مَنْسُوبًا مِنْهُ ، فَكَذَلِكَ سَبِيلُ كُلِّ كَلِمَةٍ وَاسْمٍ ، اتَّفَقَتْ أَلْفَاظُ أَجْنَاسِ أُمَمٍ فِيهَا وَفِي مَعْنَاهَا ، وَوُجِدَ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلا فِي كُلِّ جِنْسٍ مِنْهَا ، اسْتِعْمَالَ سَائِرِ مَنْطِقِهِمْ ، فَسَبِيلُ إِضَافَتِهِ إِلَى كُلِّ جِنْسٍ مِنْهَا سَبِيلُ مَا وَصَفْنَا مِنَ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَالدَّوَاةِ وَالْقَلَمِ ، الَّتِي اتَّفَقَتْ أَلْسُنُ الْفُرْسِ وَالْعَرَبِ فِيهَا بِالأَلْفَاظِ الْوَاحِدَةِ ، وَالْمَعْنَى الْوَاحِدِ ، فِي أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ إِضَافَتَهُ إِلَى كُلِّ جِنْسٍ مِنْ تِلْكَ الأَجْنَاسِ ، بِاجْتِمَاعٍ وَافْتِرَاقٍ . وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قول مَنْ رَوَيْنَا عَنْهُ الْقَوْلَ فِي الأَحْرُفِ الَّتِي مَضَتْ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ ، مِنْ نِسْبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضَ ذَلِكَ إِلَى لِسَانِ الْحَبَشَةِ ، وَنَسَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضَ ذَلِكَ إِلَى لِسَانِ الْفُرْسِ ، وَنَسَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضَ ذَلِكَ إِلَى لِسَانِ الرُّومِ ؛ لأَنَّ مَنْ نَسَبَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَا نَسَبَهُ إِلَيْهِ ، لَمْ يَنْفِ بِنِسْبَتِهِ إِيَّاهُ إِلَى مَا نَسَبَهُ إِلَيْهِ ، أَنْ يَكُونَ عَرَبِيًّا ، وَلا مَنْ قَالَ مِنْهُمْ : هُوَ عَرَبِيٌّ ، نَفَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا النِّسْبَةَ إِلَى مَنْ هُوَ مِنْ كَلامِهِ مِنْ سَائِرِ أَجْنَاسِ الأُمَمِ غَيْرِهَا ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الإِثْبَاتُ دَلِيلا عَلَى النَّفْيِ فِيمَا لا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مِنَ الْمَعَانِي ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : فُلانٌ قَائِمٌ . فَيَكُونُ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ دَالا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ قَاعِدٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، مِمَّا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهُ لِتَنَافِيهِمَا . فَأَمَّا مَا جَازَ اجْتِمَاعُهُ ، فَهُوَ خَارِجٌ مِنَ هذا الْمَعْنَى ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ : فُلانٌ قَائِمٌ مُكَلِّمٌ فُلانًا . فَلَيْسَ فِي تَثْبِيتِ الْقِيَامِ لَهُ مَا دَلَّ عَلَى نَفْيِ كَلامِ آخَرَ ، لِجَوَازِ اجْتِمَاعِ ذَلِكَ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ ، فَقَائِلُ ذَلِكَ صَادِقٌ ، إِذَا كَانَ صَاحِبُهُ عَلَى مَا وَصَفَهُ بِهِ . فَكَذَلِكَ مَا قُلْنَا فِي الأَحْرُفِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، وَمَا أَشْبَهَهَا ، غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ أَنْ يَكُونَ عَرَبِيًّا بَعْضُهَا أَعْجَمِيًّا ، وَحَبَشِيًّا بَعْضُهَا عَرَبِيًّا ، إِذْ كَانَ مَوْجُودًا اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ فِي كِلْتَا الأُمَّتَيْنِ ، فَنَاسِبُ مَا نَسَبَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى إِحْدَى الأُمَّتَيْنِ ، أَوْ كِلْتَيْهِمَا مُحِقٌّ غَيْرُ مُبْطِلٍ . فَإِنْ ظَنَّ ذُو غَبَاءٍ أَنَّ اجْتِمَاعَ ذَلِكَ فِي الْكَلامِ مُسْتَحِيلٌ ، كَمَا هُوَ مُسْتَحِيلٌ فِي أَنْسَابِ بَنِي آدَمَ ، فَقَدْ ظَنَّ جَهْلا ، وَذَلِكَ أَنَّ أَنْسَابَ بَنِي آدَمَ مَحْصُورَةٌ عَلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ دُونَ الآخَرِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ سورة الأحزاب آية 5 . وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْمَنْطِقِ وَالْبَيَانِ ؛ لأَنَّ الْمَنْطِقَ إِنَّمَا هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى مَنْ كَانَ بِهِ مَعْرُوفًا اسْتِعْمَالُهُ . فَلَوْ عُرِفَ اسْتِعْمَالُ بَعْضِ الْكَلامِ فِي أَجْنَاسٍ مِنَ الأُمَمِ ، جِنْسَيْنِ ، أَوْ أَكْثَرَ ، بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَمَعْنًى وَاحِدٍ ، كَانَ ذَلِكَ مَنْسُوبًا إِلَى كُلِّ جِنْسٍ مِنْ تِلْكَ الأَجْنَاسِ ، لا يَسْتَحِقُّ جِنْسٌ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ بِهِ أَوْلَى مِنْ سَائِرِ الأَجْنَاسِ غَيْرِهِ . كَمَا لَوْ أَنَّ أَرْضًا بَيْنَ سَهْلٍ وَجَبَلٍ ، لَهَا هَوَاءُ السَّهْلِ وَهَوَاءُ الْجَبَلِ ، أَوْ بَيْنَ بَرٍّ وَبَحْرٍ ، لَهَا هَوَاءُ الْبِرِّ وَهَوَاءُ الْبَحْرِ ، لَمْ يَمْتَنِعْ ذُو عَقْلٍ صَحِيحٍ ، أَنْ يَصِفَهَا بِأَنَّهَا سَهْلِيَّةٌ جَبَلِيَّةٌ ، أَوْ بِأَنَّهَا بَرِّيَّةٌ بَحْرِيَّةٌ ، إِذْ لَمْ تَكُنْ نِسْبَتُهَا إِلَى إِحْدَى صِفَتَيْهَا نَافِيَةً حَقَّهَا مِنَ النِّسْبَةِ إِلَى الأُخْرَى ، وَلَوْ أَفْرَدَ لَهَا مُفْرِدٌ إِحْدَى صِفَتَيْهَا ، وَلَمْ يَسْلُبْهَا صِفَتَهَا الأُخْرَى ، كَانَ صَادِقًا مُحِقًّا ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الأَحْرُفِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَاهَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَاهُ فِي ذَلِكَ ، هُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : " فِي الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ لِسَانٍ " . عِنْدَنَا بِمَعْنَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّ فِيهِ مِنْ كُلِّ لِسَانٍ اتَّفَقَ فِيهِ لَفْظُ الْعَرَبِ وَلَفْظُ غَيْرِهَا مِنَ الأُمَمِ الَّتِي تَنْطِقُ بِهِ ، نَظِيرَ مَا وَصَفْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِيمَا مَضَى . وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُتَوَهَّمَ عَلَى ذِي فِطْرَةٍ صَحِيحَةٍ ، مُقِرٍّ بِكِتَابِ اللَّهِ ، مِمَّنْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ، وَعَرَفَ حُدُودَ اللَّهِ ، أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ فَارِسِيٌّ لا عَرَبِيٌّ ، وَبَعْضَهُ نَبَطِيٌّ لا عَرَبِيٌّ ، وَبَعْضَهُ رُومِيٌّ لا عَرَبِيٌّ ، وَبَعْضَهُ حَبَشِيٌّ لا عَرَبِيٌّ ، بَعْدَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ جَعَلَهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ؛ لأَنَّ ذَلِكَ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَلَيْسَ قَوْلُ الْقَائِلِ : الْقُرْآنُ حَبَشِيٌّ ، أَوْ فَارِسِيٌّ . وَلا نِسْبَةُ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى بَعْضِ أَلْسُنِ الأُمَمِ الَّتِي بَعْضُهُ بِلِسَانِهَا دُونَ الْعَرَبِ ، بِأَوْلَى بِالتَّطْوِيلِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : هُوَ عَرَبِيٌّ . وَلا قَوْلُ الْقَائِلِ : هُوَ عَرَبِيٌّ ، بِأَوْلَى بِالصِّحَّةِ وَالصَّوَابِ مِنْ قَوْلِ نَاسِبِهِ إِلَى بَعْضِ الأَجْنَاسِ الَّتِي ذَكَرْنَا . إِذْ كَانَ الَّذِي بِلِسَانِ غَيْرِ الْعَرَبِ مِنْ سَائِرِ أَلْسُنِ أَجْنَاسِ الأُمَمِ فِيهِ ، نَظِيرُ الَّذِي فِيهِ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَبَيِّنٌ إِذَنْ خَطَأُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَائِلَ مِنَ السَّلَفِ : " فِي الْقُرْآنِ مَنْ كُلِّ لِسَانٍ " ، إِنَّمَا عَنَى بِقِيلِهِ ذَلِكَ ، أَنَّ فِيهِ مِنَ الْبَيَانِ مَا لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ ، وَلا جَائِزَةً نِسْبَتُهُ إِلَى لِسَانِ الْعَرَبِ . وَيُقَالُ لِمَنْ أَبَى مَا قُلْنَا ، مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّ الأَحْرُفَ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ ، وَمَا أَشْبَهَهَا ، إِنَّمَا هِيَ كَلامُ أَجْنَاسٍ من الأُمَمِ سِوَى الْعَرَبِ ، وَقَعَتْ إِلَى الْعَرَبِ فَعَرَّبَتْهُ : مَا بُرْهَانُكَ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْتَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ ؟ فَقَدْ عَلِمْتَ مَنْ خَالَفَكَ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ فِيهِ خِلافَ قَوْلِكَ ، وَمَا الْفَرَقُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَنْ عَارَضَكَ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : هَذِهِ الأَحْرُفُ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الأَحْرُفِ غَيْرِهَا أَصْلُهَا عَرَبِيٌّ ، غَيْرَ أَنَّهَا وَقَعَتْ إِلَى سَائِرِ أَجْنَاسِ الأُمَمِ غَيْرَهَا ، فَنَطَقَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِنْهَا بِبَعْضِ ذَلِكَ بِأَلْسِنَتِهَا مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ ؟ فَلَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَوْلا إِلا أُلْزِمَ فِي الآخَرِ مِثْلَهُ . فَإِنِ اعْتَلَّ فِي ذَلِكَ بِأَقْوَالِ السَّلَفِ الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهَا وَمَا أَشْبَهَهَا ، طُولِبَ مُطَالَبَتَنَا ، مَنْ تَأَوَّلَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلَهُ ، بِالَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَيَانِنَا ، وَقِيلَ لَهُ : مَا أَنْكَرْتَ أَنْ يَكُونَ مَنْ نَسَبَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْهُمْ ، إِلَى مَنْ نَسَبَهُ مِنْ أَجْنَاسِ الأُمَمِ سِوَى الْعَرَبِ ، إِنَّمَا نَسَبَهُ إِلَى إِحْدَى نِسْبَتَيْهِ ، الَّتِي هُوَ لَهَا مُسْتَحِقٌّ ، مِنْ غَيْرِ نَفْيٍ مِنْهُ عَنْهُ النِّسْبَةَ الأُخْرَى . ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : أَرَأَيْتَ مَنْ قَالَ لأَرْضٍ سَهْلِيَّةٍ جَبَلِيَّةٍ : هِيَ سَهْلِيَّةٌ . وَلَمْ يُنْكِرْ أَنْ تَكُونَ جَبَلِيَّةً ، أَوْ قَالَ : هِيَ جَبَلِيَّةٌ . وَلَمْ يَدْفَعْ أَنْ تَكُونَ سَهْلِيَّةً ، أَنَافٍ عَنْهَا أَنْ تَكُونَ لَهَا الصُّفَّةُ الأُخْرَى بِقِيلِهِ ذَلِكَ ؟ فَإِنْ قَالَ : نَعَمْ . كَابَرَ عَقْلَهُ . وَإِنْ قَالَ : لا ، قِيلَ لَهُ : فَمَا أَنْكَرْتَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي سِجِّيلٍ : هِيَ فَارِسِيَّةٌ ، وَفِي الْقِسْطَاسِ : هِيَ رُومِيَّةٌ ، نَظِيرَ ذَلِكَ ، وَسُئِلَ الْفَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ ، فَلَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا قَوْلا ، إِلا أُلْزِمَ فِي الآخَرِ مِثْلَهُ .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
محمد بن بشار←عبد الرحمن بن مهدي←إسرائيل←أبي إسحاق←أبي ميسرة