61 وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، مِنْ قِيلِهِ خِلافُ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ ، عَنِ الأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ° ، قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى خَمْسَةِ أَحْرُفٍ ؛ حَلالٌ ، وَحَرَامٌ ، وَمُحْكَمٌ ، وَمُتَشَابِهٌ ، وَأَمْثَالٌ ، فَأَحِلَّ الْحَلالَ ، وَحَرِّمِ الْحَرَامَ ، وَاعْمَلْ بِالْمُحْكَمِ ، وَآمِنْ بِالْمُتَشَابِهِ ، وَاعْتَبِرْ بِالأَمْثَالِ "
وَكُلُّ هَذِهِ الأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَقَارِبَةُ الْمَعَانِي ؛ لأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ : فُلانٌ مُقِيمٌ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ هَذَا الأَمْرِ ، وَفُلانٌ مُقِيمٌ عَلَى وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ هَذَا الأَمْرِ ، وَفُلانٌ مُقِيمٌ عَلَى حَرْفٍ مِنْ هَذَا الأَمْرِ ، سَوَاءٌ . أَلا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَصَفَ قَوْمًا عَبَدُوهُ عَلَى وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْعِبَادَاتِ ، فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ عَبَدُوهُ عَلَى حَرْفٍ ، فَقَالَ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ سورة الحج آية 11 ، يَعْنِي : أَنَّهُمْ عَبَدُوهُ عَلَى وَجْهِ الشَّكِّ ، لا عَلَى الْيَقِينِ بِهِ وَالتَّسْلِيمِ لأَمْرِهِ . فَكَذَلِكَ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " نَزَلَ الْقُرْآنُ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ " ، وَ " نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ " ، سَوَاءٌ مَعْنَاهُمَا مُؤْتَلِفٌ ، وَتَأْوِيلُهُمَا غَيْرُ مُخْتَلِفٌ فِي هَذَا الْوَجْهِ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ ، الْخَبَرُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَمَّا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ وَأُمَّتَهُ ، مِنَ الْفَضِيلَةِ وَالْكَرَامَةِ الَّتِي لَمْ يُؤْتِهَا أَحَدًا فِي تَنْزِيلِهِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ كِتَابٍ تَقَدَّمَ كِتَابَنَا نُزُولُهُ عَلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانٍ وَاحِدٍ ، مَتَى حُوِّلَ إِلَى غَيْرِ اللِّسَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ تَرْجَمَةً وَتَفْسِيرًا ، لا تِلاوَةً لَهُ عَلَى مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ ، وَأَنْزَلَ كِتَابَنَا بِأَلْسُنٍ سَبْعَةٍ ، بِأَيِّ تِلْكَ الأَلْسُنِ السَّبْعَةِ تَلاهُ التَّالِي ، كَانَ لَهُ تَالِيًا عَلَى مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ ، لا مُتَرْجَمًا وَلا مُفَسَّرًا ، حَتَّى يُحَوِّلَهُ عَنْ تِلْكَ الأَلْسُنِ السَّبْعَةِ إِلَى غَيْرِهَا ، فَيَصِيرُ فَاعِلُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ ، إِذَا أَصَابَ مَعْنَاهُ ، لَهُ مُتَرْجِمًا ، كَمَا كَانَ التَّالِي بَعْضَ الْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ بِلِسَانٍ وَاحِدٍ ، إِذَا تَلاهُ بِغَيْرِ اللِّسَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ، لَهُ مُتَرْجِمًا ، لا تَالِيًا عَلَى مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ بِهِ ، فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَانَ الْكِتَابُ الأَوَّلُ نَزَلَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ " . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الْكِتَابَ الأَوَّلَ نَزَلَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ " . فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنَى بِقَوْلِهِ : " نَزَلَ الْكِتَابُ الأَوَّلُ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ " ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، مَا نَزَلَ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ عَلَى مَنْ أَنْزَلَهُ مِنْ أَنْبِيَائِهِ ، خَالِيًا مِنَ الْحُدُودِ وَالأَحْكَامِ ، وَالْحَلالِ وَالْحَرَامِ ، كَزَبُورِ دَاوُدَ ، الَّذِي إِنَّمَا هُوَ تَذْكِيرٌ وَمَوَاعِظُ ، وَإِنْجِيلَ عِيسَى ، الَّذِي هُوَ تَمْجِيدٌ وَمَحَامِدُ وَحَضٌّ عَلَى الصَّفْحِ وَالإِعْرَاضِ ، دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الأَحْكَامِ وَالشَّرَائِعِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي نَزَلَتْ بِبَعْضِ الْمَعَانِي السَّبْعَةِ ، الَّتِي يَحْوِي جَمِيعَهَا كِتَابُنَا الَّذِي خَصَّ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأُمَّتَهُ . فَلَمْ يَكُنِ الْمُتَعَبِّدُونَ بِإِقَامَتِهِ يَجِدُونَ لِرِضَا اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَطْلَبًا يَنَالُونَ بِهِ الْجَنَّةَ ، وَيَسْتَوْجِبُونَ بِهِ مِنْهُ الْقُرْبَةَ ، إِلا مِنَ الْوَجْهِ الْوَاحِدِ الَّذِي أُنْزِلَ بِهِ كِتَابُهُمْ ، وَذَلِكَ هُوَ الْبَابُ الْوَاحِدُ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ، الَّذِي نَزَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْكِتَابُ ، وَخَصَّ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأُمَّتَهُ بِأَنْ أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كِتَابَهُ ، عَلَى أَوْجُهٍ سَبْعَةٍ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي يَنَالُونَ بِهَا رِضْوَانَ اللَّهِ ، وَيُدْرِكُونَ بِهَا الْفَوْزَ بِالْجَنَّةِ إِذَا أَقَامُوهَا ، فَكُلُّ وَجْهٍ مِنْ أَوْجُهِهِ السَّبْعَةِ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الَّذِي نَزَلَ مِنْهُ الْقُرْآنُ ؛ لأَنَّ الْعَامِلَ بِكُلِّ وَجْهٍ مِنْ أَوْجُهِهِ السَّبْعَةِ ، عَامِلٌ فِي بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ، وَطَالِبٌ مِنْ قِبَلِهِ الْفَوْزَ بِهَا ، فَالْعَمَلُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ ، بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ، وَتَرْكُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فِيهِ بَابٌ آخَرُ ثَانٍ مِنْ أَبْوَابِهَا ، وَتَحْلِيلُ مَا حَلَّلَ اللَّهُ فِيهِ بَابٌ ثَالِثٌ مِنْ أَبْوَابِهَا ، وَتَحْرِيمُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِيهِ ، بَابٌ رَابِعٌ مِنْ أَبْوَابِهَا ، وَالإِيمَانُ بِمُحْكَمِهِ الْمُبَيَّنِ بَابٌ خَامِسٌ مِنْ أَبْوَابِهَا ، وَالتَّسْلِيمُ لِمُتَشَابِهِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ ، وَحَجَبَ عِلْمَهُ عَنْ خَلْقِهِ ، وَالإِقْرَارُ بِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ بَابٌ سَادِسٌ مِنْ أَبْوَابِهَا ، وَالاعْتِبَارُ بِأَمْثَالِهِ ، وَالاتِّعَاظُ بِعِظَاتِهِ بَابٌ سَابِعٌ مِنْ أَبْوَابِهَا . فَجَمِيعُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ حُرُوفِهِ السَّبْعَةِ ، وَأَبْوَابِهِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ مِنْهَا ، جَعَلَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ إِلَى رِضْوَانِهِ هَادِيًا ، وَلَهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ قَائِدًا ، فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَزَلَ الْقُرْآنُ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنْ الْجَنَّةِ " . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي الْقُرْآنِ : " إِنَّ لِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهُ حَدًّا " . يَعْنِي لِكُلِّ وَجْهٍ مِنْ أَوْجُهِهِ السَّبْعَةِ حَدًّا حَدَّهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، لا يَجُوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَتَجَاوَزَهُ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَإِنَّ لِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا ظَهْرًا وبَطْنًا " ، فَظَهْرُهُ الظَّاهِرُ فِي التِّلاوَةِ ، وَبَطْنُهُ مَا بَطَنَ مِنْ تَأْوِيلِهِ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّمَ : " وَإِنَّ لِكُلِّ حَدٍّ مِنْ ذَلِكَ مُطَّلَعًا " . فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ لِكُلِّ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ الَّتِي حَدَّهَا فِيهِ ، مِنْ حَلالٍ وَحَرَامٍ وَسَائِرِ شَرَائِعِهِ ، مِقْدَارًا مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ ، يُعَايِنُهُ فِي الآخِرَةِ ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ ، وَيُلاقِيهِ فِي الْقِيَامَةِ ، كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " لَوْ أَنَّ لِي مَا فِي الأَرْضِ مِنْ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ لافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ هَوْلِ الْمَطُلَّعِ " . يَعْنِي بِذَلِكَ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ وَيَهْجُمُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ .