قَالَ الشَّيْخُ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ : حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ زِيَادُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْحَنَفِيُّ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ ° ، نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ بِشْرٍ النَّقَّاشُ ° ، نا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ ° ، نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّحَّاكُ الْبَابْلُتِّيُّ ° ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ ° ، حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ ° ، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ ° ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ° ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَلا حَرَجَ ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ " . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مَخْلَدٍ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ
وَأَبُو كَبْشَةَ السَّلُولِيُّ لا يُعْرَفُ لَهُ اسْمٌ ، وَحَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ شَامِيٌّ ، وَالأَوْزَاعِيُّ هُوَ أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو ، شَامِيٌّ ، وَالأَوْزَاعُ مِنْ حِمْيَرَ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ ، نَزَلَ فِيهِمْ ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ . وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَابْلُتِّيُّ أَبُو سَعِيدٍ ، مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ ، مَوْلًى لِبَنِي أُمَّيَةَ ، تَكَلَّمُوا فِيهِ وَهُوَ مُحْتَجٌّ بِهِ فِيمَا يُوَافِقُ الثِّقَاتَ . قَوْلُهُ : " حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ " . لَيْسَ عَلَى مَعْنَى إِبَاحَةِ الْكَذِبِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، بَلْ مَعْنَاهُ : الرُّخْصَةُ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُمْ عَلَى مَعْنَى الْبَلاغِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِحَّ ذَلِكَ بِنَقْلِ الإِسْنَادِ ، لأَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ تَعَذَّرَ فِي أَخْبَارِهِمْ ، لِطُولِ الْمُدَّةِ وَوُقُوعِ الْفَتْرَةِ . وَفِي إِيجَابِ التَّحَرُّزِ عَنِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِأَنْ لا يُحَدِّثَ عَنْهُ إِلا بِمَا يَصِحُّ عِنْدَهُ بِنَقْلِ الإِسْنَادِ ، وَالثَّبْتِ فِيهِ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ " . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي ، وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي ، إِذَا قُلْتُ عَلَى اللَّهِ مَا لا أَعْلَمُ " . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ ، لَوْلا الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ . وَقَالَ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ سورة الأحقاف آية 4 ، قَالَ إِسْنَادَ الْحَدِيثِ . وَسَمِعَ الزُّهْرِيُّ إِسْحَاقَ بْنَ أَبِي فَرْوَةَ ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : قَاتَلَكَ اللَّهُ يَا ابْنَ أَبِي فَرْوَةَ ، مَا أَجْرَأَكَ عَلَى اللَّهِ ، أَلا تُسْنِدُ حَدِيثَكَ ، تُحَدِّثُنَا بِأَحَادِيثَ لَيْسَ لَهَا خِطَامٌ وَلا أَزِمَّةٌ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُرْسَلِ مِنَ الأَحَادِيثِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ التَّابِعِيُّ ، أَوْ تَابِعُ التَّابِعِيِّ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا ، وَلا يَذْكُرُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ ، فَاحْتَجَّ بِهِ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ : إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ . وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الرِّوَايَةِ عَلَى وَجْهِ التَّدْلِيسِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْمُحَدِّثُ : قَالَ فُلانٌ ، وَلَمْ يَقُلْ : حَدَّثَنِي فُلانٌ ، أَوْ سَمِعْتُ مِنْهُ ، وَكَانَ الْقَائِلُ مَشْهُورًا بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ، أَوْ قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : حَدَّثَنَا فُلانٌ ، فَصَحَّحَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ ، وَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِ أَهْلُ الْحِجَازِ كَالْمَرَاسِيلِ . وَاخْتَلَفُوا فِي رِوَايَةِ مُحَدِّثٍ صَحِيحِ السَّمَاعِ ، صَحِيحِ الْكِتَابِ ، ظَاهِرِ الْعَدَالَةِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يَعْرِفُ مَا يُحَدِّثُ بِهِ ، وَلا يَحْفَظُهُ كَأَكْثَرِ مُحَدِّثِي زَمَانِنَا ، فَاحْتَجَّ بِهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ فَلا يَرَيَانِ الْحُجَّةَ بِهِ . وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي رِوَايَةِ الْمُبْتَدِعَةِ ، وَأَهْلِ الأَهْوَاءِ ، فَقَبِلَهَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، إِذَا كَانُوا فِيهَا صَادِقِينَ ، فَقَدْ حَدَّثَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ الرَّوَاجِنِيِّ ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ ، يَقُولُ : حَدَّثَنَا الصَّدُوقُ فِي رِوَايَتِهِ الْمُتَّهَمُ فِي دِينِهِ عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ . وَاحْتَجَّ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ بِمُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الأَلْهَانِيِّ ، وَحَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ الرَّحَبِيِّ ، وَقَدِ اشْتَهَرَ عَنْهُمَا النَّصْبُ ، وَاتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ عَلَى الاحْتِجَاجِ بِأَبِي مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدِ بْنِ حَازِمٍ الضَّرِيرِ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى ، وَقَدِ اشْتَهَرَ عَنْهُمَا الْغُلُوُّ . وَأَمَّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، فَيَقُولُ " لا يُؤْخَذُ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صَاحِبِ هَوًى ، يَدْعُو النَّاسَ إِلَى هَوَاهُ ، وَلا مِنْ كَذَّابٍ يَكْذِبُ فِي حَدِيثِ النَّاسِ ، وَإِنْ كُنْتَ لا تَتَّهِمُهُ بِأَنْ يَكْذِبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ، ذَكَرَ هَذَا الاخْتِلافَ فِي قَبُولِ رِوَايَةِ هَؤُلاءِ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ فِي كِتَابِهِ . وَسُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُكْتَبُ عَنِ الْمُرْجِئِ وَالْقَدَرِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ ؟ قَالَ : نَعَمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ يَدْعُو إِلَيْهِ ، وَيُكْثِرُ الْكَلامَ فِيهِ ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ دَاعِيًا ، فَلا " . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَبْلِيغِ مَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ : لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ ، وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ ، ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لأَنْفَذْتُهَا . قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : أَكْثِرُوا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهَا سِلاحٌ . وَقَالَ : لَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلنَّاسِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَالَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ فِي أَصْحَابِ الْحَدِيثِ : هُمْ خَيْرُ أَهْلِ الدُّنْيَا .