أنا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي ° ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ ° ، قَالا : أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ ° ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ° ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ° ، أنا مَعْمَرٌ ° ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ° ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ° ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ° قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، وَلا تَنَاجَشُوا ، وَلا يَزيدُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ ، وَلا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَتِهِ ، وَلا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلاقَ أُختِها لِتكْفأَ بِهِ مَا فِي إِنَائِهَا " . هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ . وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ
. قَوْلُهُ : " وَلا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ " فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْحَضَرِيَّ لا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ لِلْبَدَوِيِّ شَيْئًا ، وَلا يَشْتَرِيَ لَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، لأَنَّ اسْمَ الْبَيْعِ يَقَعُ عَلَى الْبَيْعِ وَالابْتِيَاعِ ، يُقَالُ : بِعْتُ الشَّيْءَ وَشَرَيْتُهُ بِمَعْنَى اشْتَرَيْتُهُ ، وَالْكَلِمَتَانِ مِنَ الأَضْدَادِ . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لا يَبِيعُ لِلْبَدَوِيِّ وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ . وَمَعْنَى النَّهْيِ : هُوَ التَّرَبُّصُ لَهُ بِسِلْعَتِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ كَانُوا يَحْمِلُونَ إِلَى الْبَلَدِ أَمْتَعِتَهُمْ ، فَيَبِيعُونَهَا بِسِعْرِ الْيَوْمِ ، وَيَرْجِعُونَ لِكَثْرَةِ الْمَئُونَةِ فِي الْبَلَدِ ، فَيَكُونُ مِنْ بَيْعِهِمْ رِفْقٌ لأَهْلِ الْبَلَدِ وَسَعَةٌ ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ يَأْتِي الْبَدَوِيَّ وَيَقُولُ لَهُ : ضَعْ مَتَاعَكَ عِنْدِي حَتَّى أَتَرَبَّصَ لَكَ ، وَأَبِيعَهُ عَلَى مَرِّ الأَيَّامِ بِأَغْلَى ، وَارْجِعْ أَنْتَ إِلَى بَادِيَتِكَ . فَيَفُوتُ بِفِعْلِهِ رِفْقُ أَهْلِ الْبَلَدِ ، فَنَهَى الشَّرْعُ عَنْ ذَلِكَ . فَمَنْ فَعَلَهُ وَهُوَ بِالنَّهْيِ عَالِمٌ يَعْصِي ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلا يَعْصِي ، فَإِنْ كَانَ لا يَدْخُلُ بِهِ ضيقٌ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ لِرُخْصِ الأَسْعَارِ ، أَوْ قِلَّةِ ذَلِكَ الْمَتَاعِ ، وَسَعَةِ الْبَلَدِ ، فَهَلْ يَحْرُمُ أَنْ يَبِيعَ لَهُ ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، مِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَهُ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاحَهُ لِعَدَمِ الضَّرَرِ . وَإِذَا الْتَمَسَ الْبَدَوِيُّ مِنْهُ أَنْ يَتَرَبَّصَ لَهُ ، فَقَدْ قِيلَ : يَجُوزُ ذَلِكَ ، وَلا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ .