أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ ° ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ° ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° ، نا سَيْدَانُ بْنُ مُضَارِبٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيُّ ° ، نا أَبُو مَعْشَرٍ يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ الْبَرَاءُ ° ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الأَخْنَسِ أَبُو مَالِكٍ ° ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ° ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرُّوا بِمَاءٍ فِيهِمْ لَدِيغٌ ، أَوْ سَلِيمٌ ، فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ ، فَقَالَ : هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ ؟ إِنَّ فِي الْمَاءِ رَجُلا لَدِيغًا ، أَوْ سَلِيمًا ، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ عَلى شَاءٍ فَبَرَأَ ، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ ، وَقَالُوا : أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةِ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتابُ اللَّهِ " . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
. قَالَ الشيخ الإمام : فِي الْحَدِيث دليلٌ على جواز أخذِ الأجرة على تعليم القرآن ، وجواز شرطه ، وَإِلَيْهِ ذهب عَطَاء ، والحكم ، وَبِهِ قَالَ مَالِك ، وَالشَّافِعِيّ ، وَأَبُو ثَوْر ، قَالَ الحكم : ما سمعتُ فقيهًا يكرهه . وفيه دليلٌ على جواز الرقية بالقرآن ، وبذكر اللَّه ، وأخذِ الأجرة عَلَيْهِ ، لأن القراءة والفقه من الأفعال المباحة ، وفيه إباحة أجر الطبيب والمعالج . وذهب جماعة من أهل العلم إِلَى أن أخذ الأجرة ، والعوض ، على تعليم القرآن غيرُ مباح ، وَهُوَ قول الزُّهْرِيّ ، وَأَبِي حنيفة ، وَإِسْحَاق ، وَقَالَ مَنْصُور ، عَنْ إِبْرَاهِيم : أَنَّهُ كره أجر المعلم ، وَقَالَ جَابِر بْن زَيْد : لا بأس بِهِ ما لم يشترط . واحتجوا بما رُوي ، عَنْ عُبَادَة ، عَنِ ابْن الصَّامِت ، قَالَ : قلتُ يا رسول اللَّه رجل أهدى إليَّ قوسًا ممن كنت أعلِّمُه الكتابَ والقرآن ، وليست بمالِ ، فأرمي عليها فِي سبيل اللَّه ؟ قَالَ : " إِنْ كُنت تُحِبُّ أَنْ تُطِوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا " . ومن أباحَهُ ، تأول الْحَدِيث على أنهُ كَانَ تبرع بِهِ ، ونوى الاحتساب فِيهِ ، ولم يكن قصدُهُ وقتَ التعليم إِلَى طلب عوض ونفع ، فحذره النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إبطالَ أجره وحسبته ، كما لو ردَّ ضالة إنسان حِسبة لم يكن لهُ أن يأخذ عَلَيْهِ عِوَضًا ، فأمَّا إذا لم يحتسب ، وطلب عَلَيْهِ الأجرة ، فجائز بدليل حَدِيث ابْن عَبَّاس . وذهب قوم إِلَى أنهُ لا بأس بأخذ المال ما لم يشترط ، وَهُوَ قول الْحَسَن ، وَابْن سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيّ . وَقَالَ بعضُ أهل العلم : أخذُ الأجرة على تعليم القرآن لهُ حالان ، فإذا كَانَ فِي المسلمين غيرُهُ ممن يقومُ بِهِ ، حلَّ له أخذُ الأجرة على تعليم القرآن ، لأنه غيرُ متعين عَلَيْهِ ، وإن كَانَ فِي حال أو موضع لا يقومُ بِهِ غيرُه ، لم يحل لهُ أخذ الأجرة عَلَيْهِ ، وتأوَّل على هَذَا اختلافَ الأخبار فِيهِ ، ويَستدل بحديث ابْن عَبَّاس مَنْ يرى بيع المصاحف ، وأخذ الأجرة على كتبتها . واختلف أهل العلم فِي بيع المصاحف ، قَالَ ابْن عُمَر : بئس التجارة بيعُ المصاحف وكتابتُها بالأجر ، ويُروى عَنْهُ ، أنهُ كَانَ يقول : وَدِدْتُ أَنَّ الأيدي تُقْطَعُ فِي بَيْعِ المَصَاحِفِ ، وكرهت طائفة بيعها ورخصوا فِي شرائها ، رُوي ذَلِكَ عَنِ ابْن عَبَّاس ، وَبِهِ قَالَ سَعِيد بْن جبير ، والحكم ، وَقَالَ أَحْمَد بْن حنبل : الأمرُ فِي شرائها أهون ، وما أعلم فِي بيعها رخصة . ورخص أكثرُ الفقهاء فِي بيعها وشرائها ، وَهُوَ قول الْحَسَن ، وَالشَّعْبِيّ ، وعكرمة ، وَإِلَيْهِ ذهب سُفْيَان الثَّوْرِيّ ، ومالك ، وَالشَّافِعِيّ ، وأصحاب الرأي .