أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ ° ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ° ، نا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل ° ، أنا أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ ° ، أنا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ° ، نا خَالِدٌ ° ، عَنْ عِكْرِمَةَ ° ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلا دِينٍ ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلامِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ " قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اقْبَلِ الْحَديقَةَ ، وَطَلِّقْهَا تَطْليقَةً " . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
ورُوي عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ ، كَانَتْ عِنْدَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ، فَضَرَبَهَا ، فَكَسَرَ بَعْضَهَا ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الصُّبْحِ ، فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَابِتًا ، فَقَالَ : " خُذْ بَعْضَ مَالِهَا وَفَارِقْهَا " ، قَالَ : وَيَصْلُحُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " ، قَالَ : فَإِنِّي أَصْدَقْتُهَا حَدِيقَتَيْنِ ، وَهُمَا بِيَدِهَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خُذْهُمَا وَفَارِقْهَا " . فَفَعَلَ . فَفِيهِ دليل على أن الزوجَ إذا ضرب زوجته ضربَ تأديب ، فاختلعت نفسها ، فجائز ، أما إذا أكرهها بالضرب من غير سبب حَتَّى اختلعت نفسها ، لا يصحُّ الخلع ، ولا تقع بِهِ البينونةُ ، هَذَا إذا قَالَ الزوج : طلقتُك على ألف ، وأكرهها على القبول ، فإن أكرهها على التزام المال ، وَقَالَ الزوجُ : طلقتُك مطلقًا ، يقع الطلاق رجعيًا ، ولا يلزمها المال . ولو لم ينلها بالضرب ، لكنه آذاها بمنع بعض حقوقها حَتَّى ضجرت ، فاختلعت نفسها ، فهَذَا الفعل منه حرام ، ولكن الخلع نافذ ، قَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ سورة النساء آية 19 . والمراد منه أن يكون عند الرجل امرأة يمقتُها فيضارَّها بسوء المعاشرة ليضطرها إِلا الافتداء ، ومعنى العضل : التضييق والمنع . والخلع مباحُ بلا كراهية أن تكره المرأة صحبة الزوج ، ولا يمكنها القيامُ بأداء حقوقه ، فتتحرَّج ، فتختلع نفسها ، ولو اختلعت نفسها بلا سبب ، فجائز مَعَ الكراهية لما فِيهِ من قطع سبب الوصلة . رُوي عَنْ أَبِي أسماء ، عَنْ ثوبان ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَيُّمَا امَرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاقًا فِي غَيْرِ ما بَأْسٍ ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الجَنَّةِ " . وروي عَنْ مُعرِّف بْن واصل ، عَنْ مُحارب بْن دثار ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ما أَحَلَّ اللَّه شيئًا أَبْغَضَ إليْهِ مِنَ الطَّلاقِ " . ويُروى أيضًا عَنْ محارب ، عَنِ ابْن عُمَر ، عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَبْغَضُ الحلال إِلَى اللَّه الطَّلاقُ " . وفي الْحَدِيث دليلٌ على أَنَّهُ يجوز للزوج أن يخالعها على جميع ما أعطاها ، وذهب أكثرُ أهل العلم إِلَى أَنَّهُ جائز على ما تراضيا عليه قلَّ ذَلِكَ أم كثر ، وذهب قوم إِلَى أَنَّهُ لا يَزِيد على ما ساق إِلَيْهِ ، وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : لا يأخذ منها جميع ما أعطاها ، بل يترك شيئًا . وفيه دليل على أن الخلع فِي حال الحيض ، وَفِي طهر جامعها فِيهِ لا يكون بدعيًا ، لأن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أذن له فِي مخالعتها من غير أن تعرف حالها ، ولولا جوازه فِي جميع أحوالها لأشبه أن يتعرف الحال فِي ذَلِكَ ، واتفق أهل العلم على أَنَّهُ إذا طلقها على مال ، فقِبلت ، فهو طلاق بائن ، واختلفوا فِي الخلع ، فذهب جماعة إِلَى أَنَّهُ فسخ ، وليس بطلاق ، ولا ينتِقص بِهِ العدد ، وَهُوَ قولُ عَبْد اللَّهِ بْن عُمَر ، وَعَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاس ، وَبِهِ قَالَ عكرمة ، وطاوس ، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِيّ ، وَإِلَيْهِ ذهب أَحْمَد ، وَإِسْحَاق ، وَأَبُو ثَوْر ، احتجوا بقول اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ سورة البقرة آية 229 ، ثُمَّ ذكر بعده الخلع ، فَقَالَ : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ سورة البقرة آية 229 ، ثُمَّ ذكر الطلقة الثالثة ، فَقَالَ : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ سورة البقرة آية 230 ، ولو كَانَ الخلع طلاقًا ، لكان الطلاق أربعًا ، وذهب الأكثرون إِلَى أن الخلع تطليقة بائنة ينتقِص بِهِ عددُ الطلاق ، وَهُوَ قول عُمَر ، وعثمان ، وعلي ، وَابْن مسعود ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَن ، والنخعي ، وَعَطَاء ، وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب ، وشريح ، وَالشَّعْبِيّ ، ومجاهد ، ومكحول ، وَالزُّهْرِيّ ، وَإِلَيْهِ ذهب مَالِك ، وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ ، وَالأَوْزَاعِيّ ، وَالشَّافِعِيّ فِي أصح قوليه ، وأصحاب الرأي . واختلفوا فِي عدة المختلعة بعد الدخول ، فذهب أكثر أهل العلم من أصحاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ومن بعدهم ، وعامةُ الفقهاء إِلَى أن عدتها ، وعدة المطلقة سواء ثلاثة قروء ، وَقَالَ بعض أهل العلم من أصحاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيرهم : " عدةُ المختلعة حيضةٌ واحدة " ، لما روي عَنْ عَمْرو بْن مُسْلِم ، عَنْ عكرمة ، عَنِ ابْن عَبَّاس ، أَنَّ امْرَأة ثَابِت بْن قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا ، فَأَمَرَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ ، قَالَ إِسْحَاق : إن ذهب ذاهب إِلَى هَذَا ، فهو مذهب قوي . واختلفوا فِي المختلعة إذا طلقها زوجها فِي العِدَّة هل يقع أم لا ؟ فذهب أكثرهم إِلَى أَنَّهُ لا يقع ، قَالَ ابْن عَبَّاس ، وَابْن الزبير : لا يلحق المختلعة الطلاقُ فِي العدة ، لأنه طلق ما لا يملك ، وَهُوَ قول الشَّافِعِيّ ، وذهب قوم إِلَى أن يلحقها صريحُ الطلاق ، وَهُوَ قول أصحاب الرأي ، وقالوا : لو قَالَ لها : أنت بائن ، ونوى الطلاق ، أو طلقها على مال ، أو أرسل ، فَقَالَ : كلُّ امرأة لي طالق ، قالوا : لا يقعُ . وَفِي الرجعية يقع الطلاق بكل حال بالاتفاق ، قَالَ ابْن عَبَّاس فِي رجل قَالَ لامرأته : إذا جاء رمضان فأنت طالق ثلاثًا ، وبينه وبين رمضان ستة أشهر ، فندم . قَالَ ابْن عَبَّاس : يطلق واحدة ، فتنقضي عدتها قبل أن ينقضي رمضان ، فإذا مضى خطبها إن شاءت .