أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ ° ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ ° ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ° ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° ، نَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° ، نَا أَبُو عَوَانَةَ ° ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ° ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ ° ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ° ، قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ ، وَأَصَبْنَا إِبِلا ، وَغَنَمًا ، وَكَانَ النَّبِيُّ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ ، فَعَجَّلُوا فَنَصَبُوا الْقُدُورَ ، " فَدَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ ، فَأَمَرَ بِالْقُدُورِ ، فَأُكْفِئَتْ ، ثُمَّ قَسَّمَ ، فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنَ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ " ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ بَسِيرَةٌ ، فَطَلَبُوهُ ، فَأَعْيَاهُمْ ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٍ بِسَهْمٍ ، فَحَبَسَهُ اللَّهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ ، فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا " ، قَالَ : وَقَالَ جَدِّي : إِنَّا لَنَرْجُو ، أَوْ نَخَافُ أَنْ نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى ، أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ ؟ فَقَالَ : " مَا أَنْهَرَ الدَّمَ ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ ، وَالظُّفْرَ ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ : أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ ، وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ " . هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنِ الْقاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ
قوْله : " أوابِد فالأوابد " ، هِي الّتِي قدْ توحشت ونفرت ، يقال : أبد الرجل يأبِدُ أبُودًا : إِذا توحش وتخلى ، وتأبّدت الديارُ : إِذا توحشت ، وهذِهِ آبدة من الأوابد ، أيْ : نادرة فِي بابها لا نظير لها وجاء فُلان بآبدةٍ ، أيْ : بخصلة يستوحش منها ، والمُدى : جمع مُدية وهِي السكين . وقول : " ما أنْهر الدّم " ، أيْ : أساله وأجراه ، ومنه سمي النهرُ ، لأنه يجري فِيهِ الماء . وفِي الْحدِيث من الفقه جوازُ قسمة الحيوان ، ومعادلة العدد بالواحد عِنْد تفاوت القيمة . وأمّا أمره بإكفاء القدور ، فقدْ قال قوم : إن القوم أصابوا غنيمة فذبح بعْضهم منها شيْئًا من النعم بغير إذن الباقين لا يؤكل ، وقال طاوس وعكرمة فِي ذبيحة السارق : اطرحوه . قال الإِمامُ : وعند الأكثرين : اللحم حلال مملوك للشركاء ، ولعله أمر بِهِ زجرًا وردعًا ، لأنهم ذبحوها قبل القسمة على سبيل النهب ، فلم يطِب لهُمْ . وفِيهِ دلِيلٌ على أن الحيوان الإنسي إِذا توحش ونفر ، فلم يُقدر على قطع مذبحه ، يصير جمِيع بدنه فِي حكم المذبح ، كالصيد الّذِي لا يُقدر عليْهِ ، وكذلِك لو وقع بعيرٌ فِي بئرٍ منكوسًا ، فلم يُقدر على قطع حلقهِ فطعن فِي موضع من بدنه فمات ، كان حلالا ، رُوِي عنْ أبِي العُشراء ، عنْ أبِيهِ ، قال : قلتُ : يا رسُول اللّهِ ، أما تكون الذكاة إلا فِي الحلق واللبّة ؟ ، قال : " لوْ طعنْت فِي فخْذها لأجْزأ عنْك " ، وأراد بِهِ فِي غيْر المقدور عليْهِ . قال أبُو عِيسى : ولا يُعرف لأبي العُشراء ، عنْ أبِيهِ غيرُ هذا الْحدِيث ، واختلفوا فِي اسم أبِي العُشراءِ ، قِيل : اسمه أُسامة بْن مالِك بْن قِهطم الدارمي ، ويقال يسار بْن برزٍ ، وقِيل : اسمه عُطاردٌ . وذهب ربيعة ومالِك إِلى أن الإنسي إِذا توحش ، فلا يحلُّ إلا بقطع مذبحه ، ولا يتغيرُ حكمه بالتوحش ، وأكثرُ العلماء على خلافه . وعلى عكسه لو استأنس الصيدُ ، وصار مقدورًا عليْهِ لا يحلُّ إلا بقطع مذبحه باتفاق أهْل الْعِلْمِ حتّى لو رمى إِلى صيد ، فأزال امتناعه بأن كانت دابة ، فأعجزها عنِ العدو ، أوْ طائرًا ، فأعجزه عنِ الطيران والعدو ، ملكه بِهذا الإزمانِ ، ثُمّ إن صيّرتْهُ الجراحة إِلى حالة المذبوح ، فمات منها ، فهُو حلال ، وإن لمْ يُصيِّرهُ إِلى حالة المذبوح ، فلا يحلُّ إلا بقطع المذبح إِذا وصل إليْهِ وهُو حيُّ ، ولو سار إليْهِ ، فقبل أن وصل إليْهِ ، مات من جرحه ، أوْ وصل إليْهِ حيًا وتهيأ لذبحه ، ففارقه الروح قبل أن ذبحه ، فهُو حلالٌ . ولو توانى فِي ذبحه ، أوِ اشتغل بطلب آله الذبح ، أوْ بتحديد السكين ، أوْ تعلق سكينه بغمد ، فمات ، فحرام . وفِي الْحدِيث بيان أن كلّ محددٍ يجرح يحصل بِهِ الذبح ، سواء كان حديدًا أوْ قصبًا ، أوْ خشبًا ، أوْ زجاجًا ، أوْ حجرًا سوي السن والظفر . ورُوِي عنْ كعب بْن مالِك ، أنّهُ كانت لهُمْ غنم ترعى بسلع فأبصرت جارية بشاة موتًا ، فكسرت حجرًا ، فذبحتها بِهِ ، فسأل النّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنْ ذلِك ، " فأمرهُ بأكْلِها " . وقوْله : " ليْس السِّنّ والظّفْر " ، بمعنى الاستثناء ، وإعرابه النصب . قال رحِمهُ اللّهُ : أما السنُّ والظفر ، فلا يقع بِها الذكاة ، وفِي تعليله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِنّ بأنه عظمٌ دلِيل على أن القوم كان متقررًا عندهم أن الذكاة لا تحصُل بشيء من العظام ، وهُو قوْل أكْثر أهْل الْعِلْمِ ، سواء كان العظم والسنُّ بائنين عنِ الإِنْسان ، أوْ غيْر بائنين ، وإِليْهِ ذهب الشّافِعِي وذهب بعْض أصْحابه إِلى أن الذبح يحصلُ بعظم ما يؤكل لحمه ، وعامة أصْحابه ، على خلافه . وقال مالِك : إن ذُكِّي بالعظم ، فمرّ مرًا ، أجزأه ، والنهي عنه لِما أن الغالب من أمر العظم أنّهُ لا يقطعُ المذابح ، ولا يمور فِيها مور الحديد . وذهب أصْحاب الرّأْيِ إِلى أن السِنّ والعظم إن كانا بائنين عنِ الإِنْسان تحصل بهما الذكاة ، وإن كان غيْر منزوعين ، عنْ مكانهما ، فلا تحصل ، لأن ذلِك بمنزلة ما يعالجه الإِنْسان بيده وأنامله ، فأشبه الخنق ، ثُمّ هذا الاخْتِلاف بيْن العلماء فيما إِذا ذبح مقدورًا عليْهِ بعظم ، أوْ رمي عظمًا إِلى صيدِ ، فأما إِذا جرح الكلبُ الصيد بسنِّهِ أوْ ظفره ، فقتله ، فحلال بالاتفاق . وذكر الخطابي أنّهُ إِذا اتخذ الرامي نصلا من عظمٍ فأصاب بِهِ صيدًا جاز ، قال الإِمامُ : والقياس أن لا يجوز كما لو ذبح المقدور عليْهِ بالعظم بخلاف من الجارحة ومخلبها ، لأنه لا يمكن الاحترازُ عنه . وقوْله : " أمّا الظُّفْرُ فمِدى الْحبشةِ " ، معناه : أن الحبشة يُدمون مذابح الشاة بأظفارهم ، ويجرحونها ، فُيحِلونها محل المُدي الّتِي يستعملها المُسْلِمُون ، ولا خلاف أن المدى الّتِي يُقطع بِها يحصل بِها الذكاة وإن كان الكفار يستعملونها . قال الْحسن ، وإبراهيم : لا بأْس بِذبِيحةِ الأقْلفِ ، وهُو قوْل أهْل الْعِلْمِ وذبيحة الأمةِ حلالٌ ، وكذا الصّبيُّ ، وفِي المجنون اخْتِلاف . قال الحكم : إني لأذبح وإني لجنُبٌ .