أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنِيفِيُّ ° ، أنا أَبُو الْحَارِثِ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّاهِرِيُّ ° ، نا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَلِيمٍ ° ، نا أَبُو الْمُوَجِّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْمُوَجِّهِ ° ، نا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ° ، أنا أَبُو أُسَامَةَ ° ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ° ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ° ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ° ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ° ، قَالَ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ ، وَهِيَ بِئْرٌ تُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ ، وَلَحْمُ الْكِلابِ ، وَالنَّتْنُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ " . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَرَوَى هَنَّادٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ ، وَغَيْرُهُمَا ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَالُوا : عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ . قَالَ الإِمَامُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَهَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْقُلَّتَيْنِ ، لأَنَّ مَاءَ بِئْرِ بُضَاعَةَ كَانَ كَثِيرًا لا يُغَيِّرُهُ وُقُوعُ هَذِهِ الأَشْيَاءِ فِيهِ . قَالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ : سَأَلْتُ قَيِّمَ بِئْرِ بُضَاعَةَ عَنْ عُمْقِهَا ؟ قَالَ : أَكْثَرُ مَا يَكُونُ الْمَاءُ فِيهَا إِلَى الْعَانَةِ ، قُلْتُ : فَإِذَا نَقَصَ ؟ قَالَ : دُونَ الْعَوْرَةِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : مَدَدْتُ رِدَائِي عَلَيْهَا ، فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ ، وَرَأَيْتُ فِيهِ مَاءً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ . قَالَ الإِمَامُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِذَا تَغَيَّرَ لَوْنُ الْمَاءِ ، أَوْ طَعْمُهُ ، أَوْ رِيحُهُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ يَنْجُسُ ، سَوَاءٌ كَانَ التَّغَيُّرُ قَلِيلا أَوْ كَثِيرًا ، وَسَوَاءٌ فِيهِ قَلِيلُ الْمَاءِ أَوْ كَثِيرُهُ ، وَإِنْ زَالَ التَّغَيُّرُ بِمُرُورِ الزَّمَانِ عَلَيْهِ نُظِرَ إِنْ كَانَ قَدْرَ الْقُلَّتَيْنِ ، عَادَ طَهُورًا ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ ، فَهُوَ نَجِسٌ حَتَّى يُكَاثِرَ ، فَيَبْلُغَ قُلَّتَيْنِ . وَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ شَيْءٌ طَاهِرٌ ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ ، فَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلا أَوْ كَثِيرًا ، فَإِنْ تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِ الْمَاءِ ، نُظِرَ إِنْ تَغَيَّرَ بِمَا لا يُمْكِنُ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ كَالتُّرَابِ ، وَأَوْرَاقِ الأَشْجَارِ ، فَهُوَ طَهُورٌ ، وَكَذَلِكَ إِنْ تَغَيَّرَ بِمَا لا يُخَالِطُهُ كَالدُّهْنِ ، وَالْعُودِ يَقَعُ فِيهِ فَيُغَيِّرُهُ ، فَهُوَ طَهُورٌ ، وَإِنْ تَغَيَّرَ بِخَلِيطٍ يُمْكِنُ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ ، كَالزَّعْفَرَانِ ، وَالدَّقِيقِ ، وَالْخَلِّ ، وَاللَّبَنِ ، وَنَحْوِهَا ، فَهُوَ طَاهِرٌ ، غَيْرُ طَهُورٍ إِذَا كَانَ التَّغَيُّرُ كَثِيرًا بِحَيْثُ يُضَافُ الْمَاءُ إِلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلا لا يُضَافُ الْمَاءُ إِلَيْهِ ، فَهُوَ طَهُورٌ . وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : هُوَ طَهُورٌ ، وَإِنْ كَثُرَ التَّغَيُّرُ . قَالَ الإِمَامُ : وَفِي قَوْلِهِ : " إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمَاءِ لا يُطَهِّرُ ، حَتَّى لا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِشَيْءٍ مِنَ الأَنْبِذَةِ ، لأَنَّ اسْمَ الْمَاءِ لا يَقَعُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ مُشْتَدًّا ، فَهُوَ خَمْرٌ نَجِسٌ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ . وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ : يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِجَمِيعِ الأَنْبِذَةِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : يُجْمَعُ بَيْنَ الْوُضُوءِ بِهِ وَالتَّيَمُّمِ ، وَيُقَالُ : هَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ . وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : " سَأَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ : مَا فِي إِدَاوَتِكَ ؟ ، قُلْتُ : نَبِيذٌ ، فَقَالَ : تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ " . وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ثَابِتٌ ، لأَنَّ أَبَا زَيْدٍ مَجْهُولٌ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : " لَمْ أَكُنْ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَّ " ، وَلَئِنْ ثَبَتَ ، لَمْ يَكُنْ ذَاكَ نَبِيذًا مُتَغَيِّرًا ، بَلْ كَانَ مَاءً مُعَدًّا لِلشُّرْبِ نُبِذَ فِيهِ تَمَرَاتٌ لِتَجْتَذِبَ مُلُوحَتَهُ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا سورة النساء آية 43 ، نَقَلَ مِنَ الْمَاءِ عِنْدَ عَدَمِهِ إِلَى التَّيَمُّمِ ، فَلا يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّلَهُمَا شَيْءٌ آخَرُ ، كَمَا فِي الْكَفَّارَةِ ، نَقَلَ مِنَ الرَّقَبَةِ إِلَى الصَّوْمِ ، فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ سورة النساء آية 92 وَلا يَتَخَلَّلُهُمَا غَيْرُهُمَا . وَكُلُّ مَائِعٍ لا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ ، فَإِذَا غُسِلَ بِهِ نَجَاسَةٌ لا تَطْهُرُ ، لأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَصَّ الْمَاءَ بِالتَّطْهِيرِ ، وَمَنَّ عَلَيْنَا ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا سورة الفرقان آية 48 وَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ سورة الأنفال آية 11 ، فَلَوْ قُلْنَا : " يُشَارِكُهُ فِي غَيْرِهِ " لَذَهَبَ مَعْنَى التَّخْصِيصِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ . وَجَوَّزَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ بِالْمَائِعَاتِ الطَّاهِرَةِ ، مِثْلَ الْخَلِّ ، وَمَاءِ الْوَرْدِ ، وَالْبُصَاقِ ، وَنَحْوِهَا ، إِلا الدُّهْنَ وَاللَّبَنَ ، وَلَوْ جَازَ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِمَائِعٍ سِوَى الْمَاءِ ، لَجَازَ الْوُضُوءُ بِهِ .