أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ ° ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ ° ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ ° ، أنا أَبُو مُصْعَبٍ ° ، عَنْ مَالِكٍ ° ، عَنْ نَافِعٍ ° ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ° ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ° ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : " لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا ، فَلْتَتْرُكِ الصَّلاةَ قَدْرَ ذَلِكَ ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ ، فَلْتَغْتَسِلْ ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ، ثُمَّ لِتُصَلِّ " . وَرَوَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّ رَجُلا أَخْبَرَهُ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ ، وَقَالَ : " فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ ، وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْتَغْتَسِلْ " بِمَعْنَاهُ
وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَخُو عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ . قَالَ الإِمَامُ : إِذَا اسْتُحِيضَتِ الْمَرْأَةُ فَجَاوَزَ دَمُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ ، فَهِيَ إِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً بِأَنْ كَانَتْ تَرَى زَمَانًا دَمًا أَسْوَدَ ثَخِينًا قَوِيًّا ، ثُمَّ تَرَى رَقِيقًا مُشْرِقًا ، فَزَمَانُ الدَّمِ الْقَوِيِّ حَيْضُهَا تَدَعُ فِيهِ الصَّلاةَ وَالصَّوْمَ ، فَإِذَا تَغَيَّرَ إِلَى الرِّقَّةِ وَالإِشْرَاقِ ، فَهُوَ زَمَانُ الاسْتِحَاضَةِ ، عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ ، وَتُصَلِّيَ ، وَتَصُومَ ، ثُمَّ بَعْدَهُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ فَرِيضَةٍ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ زَمَانُ الدَّمِ الْقَوِيِّ فَتَدَعُ الصَّلاةَ ، وَهَذَا مَعْنَى حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ ، لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَقُولُ لَهَا : " فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ ، فَاتْرُكِي الصَّلاةَ " إِلا وَهِيَ تَعْرِفُ إِقْبَالَهَا وَإِدْبَارَهَا . وَقَدْ رَوَى ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : " إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضَةِ ، فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلاةِ " . وَقَالَ مَكْحُولٌ : النِّسَاءُ لا يُخْفَى عَلَيْهِنَّ الْحَيْضَةُ إِنَّ دَمَهَا أَسْوَدُ غَلِيظٌ ، فَإِذَا ذَهَبَ ذَلِكَ ، وَصَارَتْ صُفْرَةً رَقِيقَةً ، فَإِنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ ، فَلْتَغْتَسِلْ وَلِتُصَلِّ . وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ أَنَّهَا تَعْمَلُ بِالتَّمْيِيزِ ، وَلا تَنْظُرُ إِلَى عَادَتِهَا ، لأَنَّ فِي الْعَمَلِ بِالتَّمْيِيزِ اعْتِبَارًا لِشَيْءٍ بِذَاتِهِ ، وَبِخَاصِّ صِفَاتِهِ ، وَهُوَ نَفْسُ الدَّمِ ، فَكَانَ أَوْلَى مِنَ اعْتِبَارِ زَمَانِهِ . قَالَ الإِمَامُ : فَإِنَّهَا تَعْمَلُ بِالتَّمْيِيزِ بِثَلاثِ شَرَائِطَ ، أَحَدُهَا : أَنْ لا يَنْتَقِصَ الدَّمُ الْقَوِيُّ عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ ، وَالثَّانِي : أَنْ لا يَزِيدَ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ ، وَالثَّالِثُ : أَنْ لا يَنْتَقِصَ الدَّمُ الضَّعِيفُ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ الْقَوِيَّيْنِ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ ، وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا . فَإِذَا تَخَلَّف شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ الشَّرَائِطِ ، بَطَلَ الْعَمَلُ بِالتَّمْيِيزِ ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ مُسْتَحَاضَةٍ تَرَى الدَّمَ عَلَى لَوْنٍ وَاحِدٍ . وَسَبِيلُ هَذِهِ أَنْ تُرَاعِيَ عَادَتَهَا فِي الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ فِي سَالِفِ أَيَّامِهَا ، فَبِقَدْرِ عَادَتِهَا فِي الْحَيْضِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ تَدَعُ الصَّلاةَ وَالصَّوْمَ ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ ، وَبَعْدَهُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ فَرِيضَةٍ إِلَى انْقِضَاءِ قَدْرِ عَادَتِهَا فِي الطُّهْرِ ، وَهَذَا مَعْنَى حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ : " لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا " . وَإِنْ كَانَ مُبْتَدَأَةً اسْتُحِيضَتْ أَوَّلَ مَا رَأَتِ الدَّمَ ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ يَرُدُّهَا إِلَى أَقَلِّ الْحَيْضِ وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، فَتَدَعُ الصَّلاةَ ذَلِكَ الْقَدْرَ أَخْذًا بِالْيَقِينِ ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي سَائِرَ الشَّهْرِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرُدُّهَا إِلَى غَالِبِ عَادَاتِ مَنْ هِيَ فِي مِثْلِ سِنِّهَا مِنْ نِسَاءِ عَشِيرَتِهَا ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ : " إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ " قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ عِلَّةٌ حَدَثَتْ بِهَا مِنْ تَصَدُّعِ الْعُرُوقِ ، وَاتَّصَلَ الدَّمُ ، وَلَيْسَ بِدَمِ الْحَيْضِ الَّذِي يَقْذِفُهُ الرَّحِمُ لِمِيقَاتٍ مَعْلُومٍ . قَوْلُهُ : " فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لا تَتَرَبَّصُ شَيْئًا بَعْدَ ذَهَابِ زَمَانِ حَيْضِهَا . وَقَالَ مَالِكٌ : " الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَرَبَّصُ بَعْدَ زَمَانِ حَيْضِهَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ، إِلا أَنْ يَزِيدَ الدَّمُ عَلَى خَمْسَةِ عَشَرَ ، فَلا تَتَرَبَّصُ الزِّيَادَةَ عَلَى خَمْسَةِ عَشَرَ " . قَالَ الْحَسَنُ : " تُمْسِكُ عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ، ثُمَّ هِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَاضَةٌ " . وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ : " ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ " ، فَالاسْتِثْفَارُ أَنْ تَشُدَّ ثَوْبًا تَحْتَجِزُ بِهِ عَلَى مَوْضِعِ الدَّمِ لِيَمْنَعَ السَّيَلانَ ، وَمِنْهُ ثَفْرُ الدَّابَّةِ يُشَدُّ تَحْتَ ذَنَبِهَا ، فَعَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ إِذَا أَرَادَتِ الصَّلاةَ أَنْ تُعَالِجَ نَفْسَهَا عَلَى قَدْرِ الإِمْكَانِ بِمَا يَسُدُّ الْمَسْلَكَ ، وَيَرُدُّ الدَّمَ مِنْ قُطْنٍ وَنَحْوِهِ ، فَإِنْ غَلَبَ الدَّمُ فَقَطَرَ ، أَوْ سَالَ بَعْدَ الْمُعَالَجَةِ بِالاسْتِثْفَارِ وَالشَّدِّ عَلَى قَدْرِ الإِمْكَانِ ، تَصِحُّ صَلاتُهَا ، وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهَا ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ سَلَسِ الْبَوْلِ . رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : " اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ ، فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ ، فَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي " . وَيَجُوزُ لِلْمُسْتَحَاضَةِ الاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَالطَّوَافُ ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ، وَيَجُوزُ لِلزَّوْجِ غِشْيَانُهَا ، كَمَا تَجِبُ عَلَيْهَا الصَّلاةُ وَالصَّوْمُ ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، قَالُوا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : " تُصَلِّي وَتَصُومُ رَمَضَانَ ، وَيَغْشَاهَا زَوْجُهَا " . وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتِ : " الْمُسْتَحَاضَةُ لا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا " . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : الْمُسْتَحَاضَةُ لا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا ، وَلا تَصُومُ ، وَلا تَمَسُّ الْمُصْحَفَ ، إِنَّمَا رُخِّصَ لَهَا فِي الصَّلاةِ . قَالَ الإِمَامُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَعَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلاةٍ فَرِيضَةٍ ، قَالَتْ عَائِشَةُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : " تَقْعُدُ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ غُسْلا وَاحِدًا ، وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ " . قَالَ الإِمَامُ : وَلا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ صَلاتَيْ فَرْضٍ ، وَلا بَيْنَ طَوَافَيْ فَرْضٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ ، وَيَجُوزُ أَنْ تُصَلِّيَ فَرِيضَةً وَمَا شَاءَتْ مِنَ النَّوَافِلِ ، وَأَنْ تَحْمِلَ الْمُصْحَفَ ، وَكَذَلِكَ سَلِسُ الْبَوْلِ . وَجَوَّزَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ لَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ فَرَائِضٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ . وَقَالَ رَبِيعَةُ : لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ مَا لَمْ يُصِبْهَا حَدَثٌ غَيْرُ الدَّمِ . فَأَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ إِذَا كَانَتْ قَدْ نَسِيَتْ عَادَتَهَا ، لا تَعْرِفُ وَقْتَهَا ، وَلا عَدَدَهَا ، يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلاةٍ ، وَتَصُومَ جَمِيعَ رَمَضَانَ ، ثُمَّ تَقْضِيَ ، وَيَجْتَنِبَهَا زَوْجُهَا أَبَدًا ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : " أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلاةٍ " . قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ .