414 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ° رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : " أَيُّمَا دَيْنٍ كَانَ لَكَ عَلَى أَحَدٍ تَرْجُو قَضَاءَهُ فَعَلَيْكَ فِيهِ الزَّكَاةُ كُلَّ عَامٍ " . فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ أَيْضًا لَمْ يُوجِبِ الزَّكَاةَ عَلَيْهِ إِلا إِذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى تَقَاضِي مَالِهِ . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ كَانَ ، فِيمَا لا يَقْدِرُ عَلَى تَقَاضِيهِ ، خِلافَ ذَلِكَ ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ، وَأَبَا يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ كَانَا يَقُولانِ فِي الْغَرِيمِ الْفَقِيرِ إِذَا أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَضَى غَرِيمُهُ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ كَانَ فِي حَالِ فَقْرِهِ مُقِرًّا بِمَا لَهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُزَكِّيهِ لِمَا مَضَى . وَخَالَفَهُمَا فِي ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، فَقَالَ : لا يُزَكِّيهِ لِمَا مَضَى
وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِأُصُولِهِمْ وَأَشْبَهُ بِأَقْوَالِهِمْ مِنَ الْقَوْلِ الْآخَرِ ، لِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ إِذَا كَانَ فَقِيرًا ، فَالَّذِي لَهُ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مَمْنُوعٌ مِنْ مَالِهِ عَلَيْهِ ، فَهُوَ كَالْمَمْنُوعِ بِالْجُحُودِ ، وَلا فَرْقَ بَيْنَ عَدَمِهِ الْوُصُولَ إِلَى مَالِهِ بِاعْتِبَارِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ ، وَبَيْنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ بِجُحُودِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ إِيَّاهُ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الدَّيْنِ الَّذِي يَحُولُ عَلَيْهِ أَحْوَالٌ وَهُوَ عَلَى الْمَطْلُوبِ ، ثُمَّ يَقْضِيهِ الَّذِي هُوَ لَهُ ، وَلَمْ يَكُنِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ جَاحِدًا لَهُ ، وَلا فَقِيرًا . فَقَالَ قَوْمٌ : يُزَكِّيهِ لِكُلِّ حَوْلٍ مَرَّ عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَرْفَعُ مِنَ الْحَوْلِ الثَّانِي زَكَاةَ الْحَوْلِ الأَوَّلِ ، ثُمَّ يُزَكِّي الثَّانِيَ فَيَفْعَلُ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي كُلِّ حَوْلٍ حَتَّى يَرْجِعَ مَالُهُ إِلَى أَقَلَّ مِمَّا تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْهُمْ : أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، فِيمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، قَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ قَوْلُنَا . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُزَكِّيهِ بِكَمَالِهِ لِكُلِّ حَوْلٍ مَرَّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الأَحْوَالِ ، وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى الْمَالِ كُلِّهِ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْهُمْ : زُفَرُ ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ اللُّؤْلُئِيِّ ، عَنْ زُفَرَ . وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ فِي رَجُلٍ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ لِنَفْسِهِ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، فَتَرَكَهُ سِنِينَ لا يُزَكِّيهِ ، إِنَّهُ يُزَكِّي عَنْ أَوَّلِ سَنَةٍ جَمِيعَ الْمَالِ ، وَعَنِ الثَّانِيَةِ جَمِيعَ الْمَالِ ، إِلا مَا خَرَجَ لِلزَّكَاةِ فِي الْعَامِ الأَوَّلِ ، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى يَبْقَى مِنَ الْمَالِ أَقَلَّ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَلا يَكُونُ عَلَيْهِ غيرَ ذَلِكَ . وَكَانَ زُفَرُ ، يَقُولُ : يُزَكِّيهِ لِكُلِّ عَامٍ زَكَاةً كَامِلَةً ، وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ الْمَالِ ، وَلا يَمْنَعُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الْمَالِ عِنْدَهُ فِي الْحَوْلِ الأَوَّلِ وُجُوبَ زَكَاةِ جَمِيعِهِ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي ، وَفَرَّقَ زُفَرُ بَيْنَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَالِ وَبَيْنَ وُجُوبِ الدَّيْنِ سِوَاهُ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ ، فَلَمْ يَجْعَلِ الزَّكَاةَ دَيْنًا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْمُسْتَأْنَفِ ، وَسَوَّى أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ بَيْنَهُمَا . سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ هِلالا ، يَقُولُ : سَأَلْتُ أَبَا يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ رَجُلٍ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، حَالَ عَلَيْهَا حَوْلانِ ، فَقَالَ : عَلَيْهِ زَكَاةُ حَوْلٍ وَاحِدٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ، وَلا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهَا لِلْحَوْلِ الثَّانِي ، قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ : فَإِنَّ زُفَرَ كَانَ يَقُولُ : عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَهَا لِلْحَوْلَيْنِ جَمِيعًا ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ، فَمَا حُجَّتُكَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ؟ قَالَ : وَمَا حُجَّةٌ عَلَى مَنْ يَقُولُ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَرْبَعُ مِائَةِ دِرْهَمٍ ؟ قَالَ أَحْمَدُ : وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُ إِذَا جَعَلَ الزَّكَاةَ وَاجِبَةً فِي كُلِّ حَوْلٍ جَازَ أَنْ تَكْثُرَ الأَحْوَالُ حَتَّى تَكُونَ جُمْلَةُ زَكَاتِهَا تُجَاوِزُ مِقْدَارَ الْمَالِ الَّذِي مِنْ أَصْلِهِ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ وَكَانَ الِّذِي احْتَجَّ بِهِ أَبُو يُوسُفَ مِنْ هَذَا عَلَى زُفَرَ غَيْرَ لازِمٍ لَهُ ، لأَنَّهُ وَزُفَرَ جَمِيعًا لا يَخْتَلِفَانِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ كَفَّارَاتِ الأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَالدِّمَاءِ الْوَاجِبَاتِ بِأَنْسَاكِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، لأَنَّهُ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْمَالِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَالدَّيْنِ الَّذِي مِنْ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ ، وَكَانَتِ الزَّكَاةُ الَّتِي مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالدَّيْنِ الَّذِي مِنْ حُقُوقِهِ أَشْبَهَ مِنْهَا بِالدُّيُونِ الَّتِي مِنْ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ . أَلا تَرَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لأَدَمِيٍّ أَنَّهُ لا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ ، وَأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ ، وَأَنَّهُ عِنْدَ زُفَرَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، تَسْقُطُ عَنْهُ الْحُقُوقُ الَّتِي لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَوْتِهِ مِنَ الزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَسَائِرِ مَا ذَكَرْنَا مَعَهَا ، وَكَانَ حُكْمُ الزَّكَاةِ بِالْكَفَّارَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَشْبَهَ مِنْهَا بِدُيُونِ الآدَمِيِّينَ ، فَكَانَ الْقِيَاسُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بِهَا فِي الْحَيَاةِ أَشْبَهَ مِنْهَا بِدُيُونِ الآدَمِيِّينَ ، وَأَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ وَلا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ ، لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْمَالِ فِي الْحَيَاةِ ، وَكُلُّ مَا لا يَسْقُطُ بَعْدَ الْمَوْتِ يُؤْخَذُ مِنَ الزَّكَاةِ ، يَمْنَعُ فِي الْحَيَاةِ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْمَالِ . هَذِهِ حُجَّةٌ تَلْزَمُ أَبَا حَنِيفَةَ ، وَأَبَا يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ أَلْزَمُ عَلَى أُصُولِهِمْ وَعَلَى أَصْلِهِ . فَأَمَّا مَنْ يُخَالِفُهُمْ جَمِيعًا فِي ذَلِكَ وَيَجْعَلُ الزَّكَاةَ بَعْدَ الْمَوْتِ دَيْنًا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ مِنَ التَّرِكَاتِ ، فَإِنَّ هَذِهِ حُجَّةٌ لا تَلْزَمُهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الدَّيْنِ لِحُلُولِ وَاحِدٍ ، وَإِنْ أَقَامَ عَلَى الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ أَحْوَالا كَثِيرَةً . وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ .