651 حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عُزْرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ° ، كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ تُرْضِعُ فَجَهِدَتْ ، فَقَالَ لَهَا : " أَفْطِرِي ، فَإِنَّكِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ سورة البقرة آية 184 " . ففِي هَذَا الحديث مَا يدل عَلَى أنها قَدْ كَانَت تطيق الصوم بمشقة عَلَيْهَا وجهد لها ، فدل ذَلِكَ من قراءة ابن عباس عَلَى أنها عَلَى إثبات الطاقة ، لا عَلَى نفِيها ، وعَلَى أن الطاقة المرادة فِي ذَلِكَ هِيَ الطاقة الَّتِي معها المشقة والجهد ، لا مَا سواها من الطاقات اللاتي لا جهد معها ولا مشقة
وقَدْ ثبت بهذه التأويلات اللاتي ذكرنا إيجاب صوم شهر رمضان فِي عين الشهر عَلَى الحاضرين ، البالغين ، المكلفِين ، المطيقين لصومه ، وانتفى أن يكون لهم الرخصة فِي ترك صومه لفدية يفتدونها منه ، لأن الذين ذهبوا إِلَى أن الآية الَّتِي تلونا منسوخة كمَا قَالَ سلمة بن الأكوع فِيمَا روينا عنه من ذَلِكَ فِي هَذَا الكتاب ، ذهبوا إِلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ للناس جميعا الفدية من الصوم بالإطعام ، حَتَّى نسخ الله عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ بمَا نسخه به مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الباب ، ولأن الذين ذهبوا إِلَى أن الآية غير منسوخة قرأوها عَلَى التطويق ، لا عَلَى الطاقة . جعلوا الطعام المذكور فِيهَا عَلَى المطوقين غير المطيقين كمَا روينا عَنْ عائشة فِي هَذِهِ القراءة عَنِ ابْنِ عباس فِي الموافقة لها عَلَى ذَلِكَ ، وفِي تأويله ذَلِكَ عَلَى مَا تأوله عَلَيْهِ ، ولأن الذين ذهبوا إِلَى الرواية الأخرى التي رويناها ، عَنِ ابْنِ عباس ، وقرأوها عَلَى إثبات الطاقة ، جعلوا الطعام المذكور فِيهَا بدلا من الصيام عَلَى المطيقين لَهُ بالمشقة والجهد ، لا بمَا سواهمَا ، وجعلوا من لا مشقة عَلَيْهِ فِي الصوم ، ولا جهد عَلَيْهِ فِيه من الداخلين فِي قوله : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ سورة البقرة آية 185 فقَدْ عاد صوم شهر رمضان فِي عين الشهر فرضا عَلَى المطيقين للصوم بلا مشقة ، ولا اجتهاد من الحاضرين المطيقين . وفِي الآية مَا دل عَلَى أنها لست بمنسوخة ، وَهُوَ قوله عَزَّ وَجَلَّ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ سورة البقرة آية 183 ، فأخبر عز وجل أن الصيام مكتوب علينا كمَا كَانَ مكتوبا عَلَى من كَانَ قبلنا مِمَّنْ كَانَ يُكْتَبُ عَلَيْهِ الإطعام عَنِ الصيام ، وَهُوَ يَقْدِر عَلَى الصيام . وقَدْ روي فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنِ الْحَسَن ، عَنْ دَغْفَلِ بْنِ حَنْظَلَةَ ، أَنَّ النَّصَارَى فُرِضَ عَلَيْهِمْ شَهْرُ رَمَضَانَ فِي الإِنْجِيلِ ، فَكَانُوا يَصُومُونَ شَهْرًا ، ثُمَّ مَرِضَ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِهِمْ ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ ، إِنْ هُوَ بَرَأَ ، أَنْ يَزِيدَ فِيهِ عَشْرَةَ أَيَّامٍ ، فَبَرَأَ , فَزَادَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ ، فَكَانُوا يَصُومُونَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَهَلَكَ ذَلِكَ الْمَلِكُ وَجَاءَ مَلِكٌ آخَرُ ، فَاشْتَكَى فَاهُ ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ ، إِنْ هُوَ بَرَأَ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ، فَبَرَأَ فَزَادَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الْمَلِكَ هَلَكَ وَجَاءَ مَلِكٌ آخَرُ ، فَقَالَ : مَا يُنْصِفُونَ هَذِهِ الأَيَّامَ ، كَمِّلُوهَا خَمْسِينَ ، وَاجْعَلُوهَا فِي حِينٍ لا حَرٍّ وَلا قُرٍّ . قَالَ أحمد : أفلا ترون أن الصوم الَّذِي كَانَ كتب عَلَيْهِم لم يكن لهم أن يبدلوه بطعام ، ولا بمَا سواه ، فدل ذَلِكَ عَلَى أن الَّذِي كتب علينا من ذَلِكَ عَلَى مثل الَّذِي كَانَ كتب عَلَيْهِم منه . فإن أفطرت حبلى ، أو مرضع فِي موضع الرخصة لهمَا فِي الإفطار ، ثُمَّ أطاقتا الصوم بعد ذَلِكَ ، فإن أهل العلم اختلفوا فِي ذَلِكَ ، فقَالَت طائفة مِنْهُمْ : عَلَيْهِمَا الإطعام المذكور فِي الآية ولا قضاء عَلَيْهِمَا فِيمَا أفطرتاه ، وقَدْ روي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عباس ، وابن عمر .