934 وَحَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَاصِمٌ ، قَالَ : قُلْتُ لِأَنَسٍ ° : " أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى نَزَلَتْ : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ سورة البقرة آية 158 ؟ قَالَ : نَعَمْ ، كَانَتَا مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكُنَّا نَكْرَهُ الطَّوَافَ بِهِمَا حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "
فَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الطَّوَافَ بِهِمَا ، لِأَنَّهُمَا كَانَا مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَقَدْ كَانَ مَا سِوَاهُمَا مِنَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ، وَالْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ ، وَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ، مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَيْضًا ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ ، وَذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ صَارَ مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ فِي الْإِسْلَامِ ، فَكَانَ كَذَلِكَ الطَّوَافُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِيَّاهُمَا فِي كِتَابِهِ صَارَ مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ فِي الْإِسْلَامِ . وَأَمَّا قَوْلُ أَنَسٍ : " وَهُمَا تَطَوُّعٌ " ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنَّمَا هُوَ ، عِنْدَنَا ، مِنْ قَوْلِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ ، وَعَلى ظَاهِرِ نَفْيِ الْجُنَاحِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا سورة البقرة آية 230 . فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى نَفْيِ الْحَرَجِ عَنْهُمَا فِي الْمُرَاجَعَةِ ، فَحُمِلَ مَعْنَى : فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا سورة البقرة آية 158 ، عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا . فَكَانَ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ وُقُوفِهَا عَلَى ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَّ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا ، أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ التَّخَلُّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَعَلَهُ مِنْ سُنَنِهِ ، كَمَا لَيْسَ لِأَحَدٍ التَّخَلُّفُ عَمَّا قَدْ جَعَلَهُ مِنْ سُنَنِهِ فِي الْحَجِّ سِوَى ذَلِكَ كَطَوَافِ الصَّدَرِ ، وَكَطَوَافِ الْقُدُومِ ، وَكَالصَّلَاةِ عَلَى إِثْرِ الطَّوَافِ ، وَكَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ سُنَنِهِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الَّتِي لَا يُرَخَّصُ لِلْحَاجِّينَ وَلَا الْمُعْتَمِرِينَ فِي تَرْكِهِمَا فِي حَجِّهِمْ ، وَلَا فِي عُمَرِهِمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ بِعَقِبِ قَوْلِهِ : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا سورة البقرة آية 158 ، تِبَاعًا سُنَّةً لِذَلِكَ : وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ سورة البقرة آية 158 ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ بِهِمَا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنَ التَّطَوُّعِ الَّذِي قَدْ أَمَرَ بِهِ فِيهِمَا . قِيلَ لَهُ : لَيْسَ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْتَ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا وَصَفْتَ لَكَانَ الطَّوَافُ بَيْنَهُمَا قُرْبَةً ، وَكَانَ لِلنَّاسِ أَنْ يَطَّوَّعُوا بِالطَّوَافِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا حَاجِّينَ ، وَلَا مُعْتَمِرِينَ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا فِي غَيْرِ الْحَجِّ ، وَفِي غَيْرِ الْعُمْرَةِ ، لَيْسَ مِمَّا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَا مِمَّا يَتَطَوَّعُونَ لَهُ بِهِ ، وَأَنَّ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ ، وَلَا قُرْبَةَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَجٍّ أَوْ فِي عُمْرَةٍ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ سورة البقرة آية 158 ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَلَكِنَّهُ رَجَعَ عَلَى قَوْلِهِ : فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ سورة البقرة آية 158 ، أَيْ مَنْ تَطَوَّعَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ سورة البقرة آية 158 .