← شرح معاني الآثار للطحاوي
شرح معاني الآثار للطحاوي
#34 34 ☰ باب الماء يقع فيه النجاسة
A− A+

34 وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، أَنَّهُ قَالَ : " فِي دَجَاجَةٍ وَقَعَتْ فِي بِئْرٍ فَمَاتَتْ ، قَالَ : يُنْزَحُ مِنْهَا قَدْرُ أَرْبَعِينَ دَلْوًا أَوْ خَمْسِينَ ، ثُمَّ يُتَوَضَّأُ مِنْهَا "

فَهَذَا مَنْ رَوَيْنَا عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَابِعِيهِمْ ، قَدْ جَعَلُوا مِيَاهَ الآبَارِ نَجِسَةً بِوُقُوعِ النَّجَاسَاتِ فِيهَا ، وَلَمْ يُرَاعُوا كَثْرَتَهَا وَلا قِلَّتَهَا ، وَرَاعَوْا دَوَامَهَا وَرُكُودَهَا ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا يَجْرِي مِمَّا سِوَاهَا . فَإِلَى هَذِهِ الآثَارِ مَعَ مَا تَقَدَّمَهَا مِمَّا رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ذَهَبَ أَصْحَابُنَا فِي النَّجَاسَاتِ الَّتِي تَقَعُ فِي الآبَارِ وَلَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَنْ يُخَالِفُوهَا ، لأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ خِلافُهَا . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَأَنْتُمْ قَدْ جَعَلْتُمْ مَاءَ الْبِئْرِ نَجِسًا بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهَا ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لا تَطْهُرَ تِلْكَ الْبِئْرُ أَبَدًا ، لأَنَّ حِيطَانَهَا قَدْ تَشَرَّبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ النَّجِسَ ، وَاسْتَكَنَّ فِيهَا ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُطَمَّ . قِيلَ لَهُ : لَمْ تُرَ الْعَادَاتُ جَرَتْ عَلَى هَذَا ، قَدْ فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَا ذَكَرْنَا فِي زَمْزَمَ بِحَضْرَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلا أَنْكَرَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ ، وَلا رَأَى أَحَدٌ مِنْهُمْ طَمَّهَا ، وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الإِنَاءِ الَّذِي قَدْ نَجِسَ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ فِيهِ أَنْ يُغْسَلَ ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِأَنْ يُكْسَرَ ، وَقَدْ شَرِبَ مِنَ الْمَاءِ النَّجَسِ . فَكَمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِكَسْرِ ذَلِكَ الإِنَاءِ ، فَكَذَلِكَ لا يُؤْمَرُ بِطَمِّ تِلْكَ الْبِئْرِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّا قَدْ رَأَيْنَا الإِنَاءَ يُغْسَلُ ، فَلِمَ لا كَانَتِ الْبِئْرُ كَذَلِكَ ؟ قِيلَ لَهُ : إِنَّ الْبِئْرَ لا يُسْتَطَاعُ غَسْلُهَا ، لأَنَّ مَا يُغْسَلُ بِهِ يَرْجِعُ فِيهَا وَلَيْسَتْ كالإِنَاءِ الَّذِي يُهْرَاقُ مِنْهُ مَا يُغْسَلُ بِهِ . فَلَمَّا كَانَتِ الْبِئْرُ مِمَّا لا يُسْتَطَاعُ غَسْلُهَا وَقَدْ ثَبَتَ طَهَارَتُهَا فِي حَالٍ مَا ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ أَوْجَبَ نَجَاسَتَهَا بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهَا وَقَدْ أَوْجَبَ طَهَارَتَهَا بِنَزَحِهَا وَإِنْ لَمْ يَنْزَحْ مَا فِيهَا مِنْ طِينٍ . فَلَمَّا كَانَ بَقَاءُ طِينِهَا فِيهَا لا يُوجِبُ نَجَاسَةَ مَا يَطْرَأُ فِيهَا مِنَ الْمَاءِ ، وَإِنْ كَانَ يَجْرِي عَلَى ذَلِكَ الطِّينِ ، كَانَ إِذًا مَا بَيْنَ حِيطَانِهَا أَحْرَى أَنْ لا يَنْجُسَ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ ، لَمَا طَهُرَتْ حَتَّى تُغْسَلَ حِيطَانُهَا وَيُخْرَجَ طِينُهَا وَيُحْفَرَ ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا أَنَّ نَزْحَ طِينِهَا وَحَفْرَهَا غَيْرُ وَاجِبٍ ، كَانَ غَسْلُ حِيطَانِهَا أَحْرَى أَنْ لا يَكُونَ وَاجِبًا . وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى

السند · الإسناد بالترتيب
ابن خزيمة←حجاج←حماد بن سلمة←حماد بن أبي سليمان