76 حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو بَكْرَةَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ° ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَشِيرٍ ° ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُسَاوِرِ ° أَوِ ابْنِ أَبِي الْمُسَاوِرِ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ° يُعَاتِبُ ابْنَ الزُّبَيْرِ فِي الْبُخْلِ ، وَيَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَبِيتُ شَبْعَانَ وَجَارُهُ إِلَى جَنْبِهِ جَائِعٌ "
فَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ إِيمَانًا خَرَجَ بِتَرْكِهِ إِيَّاهُ إِلَى الْكُفْرِ ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الإِيمَانِ ، وَأَشْبَاهُ هَذَا كَثِيرَةٌ ، يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهَا ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ ، لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَوَضِّئٍ وُضُوءًا لَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنَ الْحَدَثِ ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَوَضِّئٍ وُضُوءًا كَامِلا فِي أَسْبَابِ الْوُضُوءِ الَّذِي يُوجِبُ الثَّوَابَ ، فَلَمَّا احْتَمَلَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْمَعَانِي مَا وَصَفْنَا ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَلالَةٌ يُقْطَعُ بِهَا لأَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ عَلَى الآخَرِ ، وَجَبَ أَنْ يُجْعَلَ مَعْنَاهُ مُوَافِقًا لِمَعَانِي حَدِيثِ الْمُهَاجِرِ ، حَتَّى لا يَتَضَادَّا ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْوُضُوءَ بِلا تَسْمِيَةٍ يَخْرُجُ بِهِ الْمُتَوَضِّئُ مِنَ الْحَدَثِ إِلَى الطَّهَارَةِ ، وَأَمَّا وَجْهُ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ ، فَإِنَّا رَأَيْنَا أَشْيَاءَ لا يَدْخُلُ فِيهَا إِلا بِكَلامٍ ، مِنْهَا الْعُقُودُ الَّتِي يَعْقِدُهَا بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ مِنَ الْبِيَاعَاتِ وَالإِجَارَاتِ وَالْمُنَاكَحَاتِ وَالْخُلْعِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَكَانَتْ تِلْكَ الأَشْيَاءُ لا تَجِبُ إِلا بِأَقْوَالٍ ، وَكَانَتِ الأَقْوَالُ مِنْهَا إِيجَابٌ ، لأَنَّهُ يَقُولُ : قَدْ بِعْتُكَ ، قَدْ زَوَّجْتُكَ ، قَدْ خَلَعْتُكِ ، فَتِلْكَ أَقْوَالٌ فِيهَا ذِكْرُ الْعُقُودِ ، وَأَشْيَاءُ تَدْخُلُ فِيهَا بِأَقْوَالٍ وَهِيَ الصَّلاةُ وَالْحَجُّ ، فَتَدْخُلُ فِي الصَّلاةِ بِالتَّكْبِيرِ ، وَفِي الْحَجِّ بِالتَّلْبِيَةِ ، فَكَانَ التَّكْبِيرُ فِي الصَّلاةِ وَالتَّلْبِيَةُ فِي الْحَجِّ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِهَا ، ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ ، هَلْ تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ؟ فَرَأَيْنَاهَا غَيْرَ مَذْكُورٍ فِيهَا إِيجَابُ شَيْءٍ كَمَا كَانَ فِي النِّكَاحِ وَالْبُيُوعِ ، فَخَرَجَتِ التَّسْمِيَةُ لِذَلِكَ مِنْ حُكْمِ مَا وَضَعْنَا ، وَلَمْ تَكُنِ التَّسْمِيَةُ أَيْضًا رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْوُضُوءِ ، كَمَا كَانَ التَّكْبِيرُ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاةِ ، وَكَمَا كَانَتِ التَّلْبِيَةُ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ ، فَخَرَجَ أَيْضًا بِذَلِكَ حُكْمُهَا مِنْ حُكْمِ التَّكْبِيرِ وَالتَّلْبِيَةِ ، فَبَطَلَ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ ، قَالَ : إِنَّهُ لا بُدَّ مِنْهَا فِي الْوُضُوءِ كَمَا لا بُدَّ مِنْ تِلْكَ الأَشْيَاءِ فِيمَا يُعْمَلُ فِيهِ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّا قَدْ رَأَيْنَا الذَّبِيحَةَ لا بُدَّ مِنَ التَّسْمِيَةِ عِنْدَهَا ، وَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ مُتَعَمِّدًا لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ ، فَالتَّسْمِيَةُ أَيْضًا عَلَى الْوُضُوءِ كَذَلِكَ ، قِيلَ لَهُ : مَا ثَبَتَ فِي حُكْمِ النَّظَرِ أَنَّ مَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ مُتَعَمِّدًا أَنَّهَا لا تُؤْكَلُ ، لَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تُؤْكَلُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لا تُؤْكَلُ ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ : تُؤْكَلُ فَقَدْ كُفِينَا الْبَيَانَ لِقَوْلِهِ . وَأَمَّا مَنْ قَالَ : لا تُؤْكَلُ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : إِنْ تَرَكَهَا نَاسِيًا تُؤْكَلُ ، وَسَوَاءٌ عِنْدَهُ كَانَ الذَّابِحُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ كِتَابِيًّا ، فَجُعِلَتِ التَّسْمِيَةُ هَاهُنَا فِي قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَهَا فِي الذَّبِيحَةِ ، إِنَّمَا هِيَ لِبَيَانِ الْمِلَّةِ ، فَإِذَا سَمَّى الذَّبْحَ صَارَتْ ذَبِيحَتُهُ مِنْ ذَبَائِحِ الْمِلَّةِ الْمَأْكُولَةِ ذَبِيحَتُهَا ، وَإِذَا لَمْ يُسَمِّ جُعِلَتْ مِنْ ذَبَائِحِ الْمِلَلِ الَّتِي لا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهَا ، وَالتَّسْمِيَةُ عَلَى الْوُضُوءِ لَيْسَ لِلْمِلَّةِ إِنَّمَا هِيَ مَجْعُولَةٌ لِذِكْرٍ عَلَى سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الصَّلاةِ ، فَرَأَيْنَا مِنْ أَسْبَابِ الصَّلاةِ الْوُضُوءَ وَسَتْرَ الْعَوْرَةِ ، فَكَانَ مَنْ سَتَرَ عَوْرَتَهُ لا بِتَسْمِيَةٍ ، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ ، فَالنَّظَرُ عَلَى ذَلِكَ ، أَنْ يَكُونَ مَنْ تَطَهَّرَ أَيْضًا لا بِتَسْمِيَةٍ ، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى