قَالَ أَحْمَدُ ° : وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ ° ، عَنْ خَيْثَمَةَ ° ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ° ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ - عَزَّ وَجَلَّ ـ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ ، فَيَنْظُرُ عَنْ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلا يَرَى شَيْئًا قُدَّامَهُ ، ==وَيَنْظُرُ عَنْ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلا يَرَى شَيْئًا قُدَّامَهُ ، وَيَنْظُرُ أَمَامَهُ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ ثَمَرَةٍ فَلْيَفْعَلْ “ . هَذَانِ الْحَدِيثَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ .
رَوَى عُتْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَوْ أَنَّ رَجُلا يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ يَمُوتُ هَرَمًا فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ لَحَقَّرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . يَا لَهُ مِنْ يَوْمٍ يُقْتَصُّ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ ، وَتُحِيطُ بِالظَّالِمِ الْمَظَالِمُ ، وَتَصْعَدُ الْقُلُوبُ إِلَى الْغَلاصِمِ ، وَلَيْسَ لِمَنْ لا يَرْحَمُهُ الإِلَهُ عَاصِمٌ . قَالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - : لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “ يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ ، مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا ، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ “ . كَمْ مِنْ وَعِيدٍ يَخْرِقُ الآذَانَا كَأَنَّمَا يُعْنَى بِهِ سِوَانَا أَصَمَّنَا الإِهْمَالُ بَلْ أَعْمَانَا يَا كَثِيرَ السَّيِّئَاتِ ، غَدًا تَرَى عَمَلَكَ ، يَا هَاتِكَ الْحُرُمَاتِ ، إِلَى مَتَى تُدِيمُ زَلَلَكَ . تَيَقَّظْ فَإِنَّكَ فِي غَفْلَةٍ يُمِيدُ بِكَ السُّكْرُ فِيمَنْ يُمِيدُ وَأَيُّ مَنِيعٍ يَفُوتُ الْبِلَى إِذَا كَانَ يَبْلَى الصَّفَا وَالْحَدِيدُ إِذَا الْمَوْتُ دَبَّتْ لَهُ حِيلَةٌ فَتِلْكَ الَّتِي كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ أَرَاكَ تُؤَمِّلُ وَالشَّيْبُ قَدْ أَتَاكَ بِنَعْيِكَ مِنْهُ بَرِيدُ وَتَنْقُصُ فِي كُلِّ تَنْفِيسَةٍ وَعِنْدَكَ أَنَّكَ فِيهَا تَزِيدُ أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ يَسْعَى فِي تَبْدِيدِ شَمْلِكَ ، أَما تَخَافُ أَنْ تُؤْخَذَ عَلَى قَبِيحِ فِعْلِكَ ، وَاعَجَبًا لَكَ مِنْ رَاحِلٍ تَرَكْتَ الزَّادَ فِي غَيْرِ رَحْلِكَ ، أَيْنَ فِطْنَتُكَ وَيَقَظَتُكَ وَتَدْبِيرُ عَقْلِكَ ، أَمَا بَارَزْتَ بِالْقَبِيحِ فَأَيْنَ الْحُزْنُ ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْحَقَّ يَعْلَمُ السِّرَّ وَالْعَلَنَ ، سَتَعْرِفُ خَبَرَكَ يَوْمَ تَرْحَلُ عَنِ الْوَطَنِ ، وَسَتَنْتَبِهُ مِنْ رُقَادِكَ وَيَزُولُ هَذَا الْوَسَنُ . إِلَى اللَّهِ تُبْ قَبْلَ انْقِضَاءٍ مِنَ الْعُمْرِ أَخِي وَلا تَأْمَنْ مُسَاوَرَةَ الدَّهْرِ فَقَدْ حَدَّثَتْكَ الْحَادِثَاتُ نُزُولَهَا وَنَادَتْكَ إِلا أَنَّ سَمْعَكَ ذُو وَقْرِ تَنُوحُ وَتَبْكِي لِلأَحِبَّةِ إِنْ مَضَوْا وَنَفْسَكَ لا تَبْكِي وَأَنْتَ عَلَى الإِثْرِ الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ سورة آل عمران آية 28 يَا مُبَارِزًا بِالذُّنُوبِ خُذْ حِذْرَكَ ، وَتَوَقَّ عِقَابَهُ بِالتُّقَى فَقَدْ أَنْذَرَكَ ، وَخَلِّ الْهَوَى فَإِنَّهُ كَمَا تَرَى صَيَّرَكَ ، قَبْلَ أَنْ يَغْضَبَ الإِلَهُ وَيُضَيِّقَ حَبْسَهُ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ سورة آل عمران آية 28 . اجْتَهِدْ فِي تَقْوِيَةِ يَقِينِكَ قَبْلَ خُسْرِ مَوَازِينِكَ ، وَقُمْ بِتَضَرُّعِكَ وَخِيفَتِكَ قَبْلَ نَشْرِ دَوَاوِينِكَ ، وَابْذُلْ قُوَاكَ فِي ضَعْفِكَ وَلِينِكَ ، قَبْلَ أَنْ يَدْنُوَ الْعَذَابُ فَتَجِدَ مَسَّهُ ، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ سورة آل عمران آية 28 . لَمَّا سَمِعَ الْمُتَيَقِّظُونَ هَذَا التَّحْذِيرَ فَتَحُوا أَبْوَابَ الْقُلُوبِ لِنُزُولِ الْخَوْفِ ، فَأَحْزَنَ الأَبْدَانَ وَقَلْقَلَ الأَرْوَاحَ فَعَاشَتِ الْيَقَظَةُ بِمَوْتِ الْهَوَى ، وَارْتَفَعَتِ الْغَفْلَةُ بِحُلُولِ الْهَيْبَةِ ، وَانْهَزَمَ الْكَسَلُ بِجَيْشِ الْحَذَرِ ، فَتَهَذَّبَتِ الْجَوَارِحُ مِنَ الزَّلَلِ وَالْعَزَائِمُ مِنَ الْخَلَلِ ، فَلا سُكُونٌ لِلْخَائِفِ وَلا قَرَارٌ لِلْعَارِفِ ، كُلَّمَا ذَكَرَ الْعَارِفُ تَقْصِيرَهُ نَدِمَ عَلَى مُصَابِهِ ، وَإِذَا تَصَوَّرَ مَصِيرَهُ حَذِرَ مِمَّا فِي كِتَابِهِ ، وَإِذَا خَطَرَ الْعِتَابُ بِفِنَائِهِ فَالْمَوْتُ مِنْ عِتَابِهِ ، فَهُوَ رَهيِنُ الْقَلَقِ بِمَجْمُوعِ أَسْبَابِهِ . كَانَ دَاوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إِذَا خَرَجَ يَوْمَ نِيَاحَتِهِ عَلَى ذَنْبِهِ أَقْلَعَ مَجْلِسُهُ عَنْ أَلُوفٍ قَدْ مَاتُوا مِنَ الْخَوْفِ عِنْدَ ذِكْرِ رَبِّهِ . وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ يَمُرُّ بِالآيَةِ فِي وِرْدِهِ فَيَبْكِي حَتَّى يَسْقُطَ وَيَبْقَى فِي الْبَيْتِ مَرِيضًا يُعَادُ . وَقَرَأَ الْحَسَنُ لَيْلَةً عِنْدَ إِفْطَارِهِ : إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيمًا {12} وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ سورة المزمل آية 12-13 فَبَقِيَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لا يَطْعَمُ . حَقِيقٌ بِمَنْ عَلِمَ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَتَيَقَّنَ أَنَّ الْعَمَلَ يُحْصَى عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الرَّحِيلِ عَمَّا لَدَيْهِ ، إِلَى مَوْقِفٍ صَعْبٍ يُسَاقُ إِلَيْهِ ، يَتَجَافَى عَنْ مُضْطَجَعِ الْبَطَالَةِ بِجَنْبَيْهِ . قَالَ حَاتِمٌ الأَصَمُّ : مَنْ خَلا قُلْبُهُ مِنْ ذِكْرِ أَخْطَارِ أَرْبَعَةٍ فَهُوَ مُغْتَرٌّ ، فَلا يَأْمَنُ الشَّقَاءَ . الأَوَّلُ : خَطَرُ يَوْمِ الْمِيثَاقِ ، حِينَ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : هَؤُلاءِ فِي الْجَنَّةِ وَلا أُبَالِي وَهَؤُلاءِ فِي النَّارِ وَلا أُبَالِي ؛ وَلا يَعْلَمُ فِي أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ كَانَ ؟ وَالثَّانِي : حِينَ خُلِقَ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ، فَنَادَى الْمَلَكُ بِالشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ ، وَلا يَدْرِي أَمِنَ الأَشْقِيَاءِ هُوَ أَمْ مِنَ السُّعَدَاءِ ؟ وَالثَّالِثُ : ذِكْرُ هَوْلِ الْمَطْلَعِ ، وَلا يَدْرِي أَيُبَشَّرُ بِرِضَا اللَّهِ - تَعَالَى - أَوْ بِسَخَطِهِ ؟ وَالرَّابِعُ : يَوْمَ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا وَلا يَدْرِي أَيَّ الطَّرِيقَيْنِ يَسْلُكُ بِهِ ؟ فَمَحْقُوقٌ لِصَاحِبِ هَذِهِ الأَخْطَارِ أَنْ لا يُفَارِقَ الْحُزْنُ قَلْبَهُ ! بَكَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ لَيْلَةً فَأَطَالَ ، فَسُئِلَ عَنْ بُكَائِهِ ، فَقَالَ : ذَكَرْتُ مَصِيرَ الْقَوْمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ ـ : فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ سورة الشورى آية 7 ثُمَّ صَرَخَ وَغُشِيَ عَلَيْهِ . كَمْ ذَا أُغَالِطُ أَمْرِي كَأَنَّنِي لَسْتُ أَدْرِي أَغْفَلْتُ ذَا الَّذِي كَانَ فِي مُقَدَّمِ عُمْرِي وَلَمْ أَزَلْ أَتَمَادَى حَتَّى تَصَرَّمَ دَهْرِي مَنْ لِي إِذَا صِرْتُ رِهْنًا بِالذَّنْبِ فِي رَمْسِ قَبْرِي بِأَيِّ عُذْرٍ أُلاقِي رَبِّي لِيَقْبَلَ عُذْرِي فَلَيْتَ شِعْرِي مَتَى أُدْرِكُ الْمُنَى لَيْتَ شِعْرِي يَا مَنْ قَدْ وَهَى شَبَابُهُ ، وَامْتَلأَ بِالزَّلَلِ كِتَابُهُ ، أَمَا بَلَغَكَ أَنَّ الْجُلُودَ إِذَا اسْتُشْهِدَتْ نَطَقَتْ ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّارَ لِلْعُصَاةِ خُلِقَتْ ، إِنَّهَا لَتُحَرِّكُ كُلَّ مَا يُلْقَى فِيهَا ، فَيَصْعُبُ عَلَى خَزَنَتِهَا كَثْرَةُ تَلاقِيهَا ، التَّوْبَةُ تَحْجُبُ عَنْهَا ، وَالدَّمْعَةُ تُطْفِيهَا ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “ لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قَطَرَتْ فِي الأَرْضِ لأَمَرَّتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعِيشَتَهُمْ “ فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ طَعَامُهُ لا طَعَامٌ لَهُ غَيْرُهُ ! أَسَفًا لأَهْلِ النَّارِ لَقَدْ هَلَكُوا وَشَقُوا ، لا يَقْدِرُ الْوَاصِفُ أَنْ يَصِفَ مَا قَدْ لَقُوا ، كُلَّمَا عَطِشُوا جِيءَ بِالْحَمِيمِ فَسُقُوا ، وَهَذَا جَزَاؤُهُمْ إِذْ خَرَجُوا عَنِ الطَّاعَةِ وَفَسَقُوا ، قُطِّعُوا وَاللَّهِ بِالْعَذَابِ وَمُزِّقُوا ، وَأُفْرِدَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَنْ فَرِيقِهِ وَفُرِّقُوا ، فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ قَدْ كُلِّبُوا فِي السَّلاسِلِ وَأُوثِقُوا وَاشْتَدَّ زَفِيرُهُمْ وَتَضَرَّعَ أَسِيرُهُمْ وَقَلَقُوا ، وَتَمَنَّوْا أَنْ لَمْ يَكُونُوا وَتَأَسَّفُوا كَيْفَ خُلِقُوا ، وَنَدِمُوا إِذْ أَعْرَضُوا عَنِ النُّصْحِ وَقَدْ صَدَقُوا ، فَلا اعْتِذَارُهُمْ يُسْمَعُ ، وَلا بُكَاؤُهُمْ يَنْفَعُ وَلا أُعْتِقُوا . لَوْ أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ أَهْلَ الشَّقَا فِي النَّارِ قَدْ غُلُّوا وَقَدْ طُوِّقُوا تَقُولُ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فِي لُجَجِ الْمُهْلِ وَقَدْ أُغْرِقُوا قَدْ كُنْتُمْ حُذِّرْتُمْ حَرَّهَا لَكِنْ مِنَ النِّيرَانِ لَمْ تَفْرَقُوا وَجِيءَ بِالنِّيرَانِ مَزْمُومَةً شِرَارُهَا مِنْ حَوْلِهَا مُحْدِقُ وَقِيلَ لِلنِّيرَانِ أَنْ أَحْرِقِي وَقِيلَ لِلْخُزَّانِ أَنْ أَطْبِقُوا وَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ فِي جَنَّةٍ قَدْ تُوِّجُوا فِيهَا وَقَدْ مُنْطِقُوا تَدَبَّرُوا كَمْ بَيْنَهُمْ إِخْوَتِي ثُمَّ أَجِيلُوا فِكْرَكُمْ وَانْتَقُوا