أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ ° ، أَنْبَأَنَا أَبُو طَالِبِ بْنُ غَيْلانَ ° ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ ° ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ ° ، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ° ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ° ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ ° ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ ° ، عَنِ الْحَسَنِ ° ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ° ، عَنِ الْعَبَّاسِ ° ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “ سَأَلَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ ، فَقَالَ : إِلَهِي أَسْمَعُ النَّاسَ يَقُولُونَ : إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ . فَاجْعَلْنِي رَابِعًا ؟ فَقَالَ : لَسْتَ هُنَاكَ ، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَعْدِلْ بِي شَيْئًا إِلا اخْتَارَنِي عَلَيْهِ ، وَإِنَّ إِسْحَاقَ جَادَ لِي بِنَفْسِهِ ، وَإِنَّ يَعْقُوبَ فِي طُولِ مَا كَانَ لَمْ يَيْئَسْ مِنْ يُوسُفَ “ .
وَأَمَّا سَبَبُ أَمْرِهِ بِذَبْحِهِ : فَرَوَى السُّدِّيُّ ، عَنْ أَشْيَاخِهِ : أَنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا بَشَّرَ سَارَّةَ بِإِسْحَاقَ ، قَالَتْ : مَا آيَةُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : فَأَخَذَ عُودًا يَابِسًا فِي يَدِهِ فَلَوَاهُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَاهْتَزَّ خَضِرًا ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : هُوَ للَّهِ إِذًا ذَبِيحٌ ، فَلَمَّا كَبِرَ إِسْحَاقُ أُتِيَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّوْمِ ، فَقِيلَ لَهُ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ . فَقَالَ لإِسْحَاقَ : انْطَلِقْ نُقَرِّبْ قُرْبَانًا إِلى اللَّهِ ، وَأَخَذَ سِكِّينًا وَحَبْلا ، ثُمَّ انْطَلَقَ مَعَهُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ بَيْنَ الْجِبَالِ ، فَقَالَ لَهُ الْغُلامُ : يَا أَبَتِ ، أَيْنَ قُرْبَانُكَ ؟ قَالَ : يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ سورة الصافات آية 102 فَقَالَ إِسْحَاقُ : أَشْدِدْ رِبَاطِي كَيْ لا أَضْطَرِبُ ، وَاكْفُفْ ثِيَابَكَ كَيْ لا يَنْتَضِحُ عَلَيْهَا مِنْ دَمِي فَتَرَاهُ سَارَّةُ فَتَحْزَنُ ، وَأَسْرِعْ مَرَّ السِّكِّينِ عَلَى حَلْقِي لِيَكُونَ أَهْوَنَ لِلْمَوْتِ عَلَيَّ ، وَإِذَا أَتَيْتَ سَارَّةَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلامَ مِنِّي . فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ يُقَبِّلُهُ وَيَبْكِي ، وَرَبَطَهُ وَمَرَّ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهِ فَلَمْ تَذْبَحِ السِّكِّينُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : انْقَلَبَتْ . فَنُودِيَ : يَا إِبْرَاهِيمُ {104} قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا سورة الصافات آية 104-105 فَإِذَا بِكَبْشٍ فَأَخَذَهُ وَخَلَّى عَنِ ابْنِهِ وَأَكَبَّ عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ وَيَقُولُ : يَا بُنَيَّ الْيَوْمَ وُهِبْتَ لِي . وَرَجَعَ إِلَى سَارَّةَ ، فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ ، فَقَالَتْ : أَرَدْتَ أَنْ تَذْبَحَ ابْنِي وَلا تُعْلِمَنِي ؟ ! قَالَ شُعَيْبٌ الْجُبَّائِيُّ : لَمَّا عَلِمَتْ بِذَلِكَ مَاتَتْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ . وَإِنَّمَا قَالَ : فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى سورة الصافات آية 102 أَيْ : مَا عِنْدَكَ مِنَ الرَّأْيِ ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُؤَامَرَةِ فِي أَمْرِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سورة الصافات آية 102 أَيْ : مَا أُمِرْتَ . فَلَمَّا أَسْلَمَا سورة الصافات آية 103 أَيِ : اسْتَسْلَمَا لأَمْرِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - وَرَضِيَا . وَفِي جَوَابِ هَذَا قَوْلانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ جَوَابَهُ “ نَادَيْنَاهُ “ وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ . قَالَهُ الْفَرَّاءُ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : سَعِدَ وَأُثِيبَ . قَوْلُهُ - تَعَالَى - : وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ سورة الصافات آية 103 قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : صَرَعَهُ عَلَى جَبِينِهِ فَصَارَ أَحَدُ جَبِينِهِ عَلَى الأَرْضِ وَهُمْ جَبِينَانِ وَالْجَبْهَةُ بَيْنَهُمَا . وَنَادَيْنَاهُ سورة الصافات آية 104 قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : نُودِيَ مِنَ الْجَبَلِ : يَا إِبْرَاهِيمُ {104} قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا سورة الصافات آية 104-105 وَفِيهِ قَوْلانِ : أَحَدُهُمَا : قَدْ عَمِلْتَ بِمَا أُمِرْتَ بِهِ . وَذَلِكَ أَنَّهُ قَصَدَ الذَّبْحَ بِمَا أَمْكَنَهُ ، فَطَاوَعَهُ الابْنُ بِالتَّمْكِينِ مِنَ الذَّبْحِ ، إِلا أَنَّ اللَّهَ صَرَفَ ذَلِكَ كَمَا شَاءَ ، فَصَارَ كَأَنَّهُ ذُبِحَ ، وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الذَّبْحُ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ مُعَالَجَةَ الذَّبْحِ وَلَمْ يَرَ إِرَاقَةَ الدَّمِ ، فَلَمَّا فَعَلَ فِي الْيَقَظَةِ مَا رَأَى فِي الْمَنَامِ قِيلَ لَهُ : قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا سورة الصافات آية 105 وَقَرَأَ أَبُو الْمُتَوَكِّلِ وَأَبُو الْجَوْزَاءِ وَأَبُو عِمْرَانَ وَالْجَحْدَرِيُّ : قَدْ صَدَقَتِ الرُّؤْيَا بِتَخْفِيفِ الدَّالِ. قَدْ صَدَّقْتَ سورة الصافات آية 105 أَيْ : كَمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعَفْوِ عَنْ ذَبْحِ وَلَدِهِ ، كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ سورة الصافات آية 105 . إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ سورة الصافات آية 106 وَفِيهِ قَوْلانِ : أَحَدُهُمَا : النِّعْمَةُ الْبَيِّنَةُ وَهُوَ الْعَفْوُ عَنِ الذَّبْحِ . وَالثَّانِي : الاخْتِبَارُ الْعَظِيمُ ، وَهُوَ امْتِحَانُهُ بِالذَّبْحِ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ سورة الصافات آية 107 وَهُوَ بِكَسْرِ الذَّالِ اسْمُ مَا ذُبِحَ وَبِفَتْحِهَا مَصْدَرُ ذَبَحْتَ . وَالْمَعْنَى : خَلَّصْنَاهُ مِنَ الذَّبْحِ بِأَنْ جَعَلْنَا الذَّبْحَ فِدَاءً لَهُ . وَفِي هَذَا الذَّبْحِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ كَانَ كَبْشًا أَقْرَنَ قَدْ رَعَى فِي الْجَنَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ أَرْبَعِينَ عَامًا . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ . وَقَالَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : هُوَ الْكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ ابْنُ آدَمَ ، فَتُقُبِّلَ مِنْهُ ، كَانَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى فُدِيَ بِهِ . وَالثَّانِي : أَنَّ إِبْرَاهِيمَ فَدَى ابْنَهُ بِكَبْشَيْنِ أَبْيَضَيْنِ أَعْيَنَيْنِ أَقْرَنَيْنِ . رَوَاهُ الطُّفَيْلُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ كَانَ ذَكَرًا مِنَ الأَرْوَى أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِنْ ثَبِيرٍ ، قَالَهُ الْحَسَنُ . وَفِي قَوْلِهِ : عَظِيمٍ سورة الصافات آية 107 قَوْلانِ : أَحَدُهُمَا : لأَنَّهُ قَدْ رَعَى فِي الْجَنَّةِ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ مُتَقَبَّلٌ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ . قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : كَانَ ذَلِكَ بِإِيلِيَاءَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ . سُبْحَانَ الْمُفَاوِتِ بَيْنَ الْخَلْقِ ! يُقَالُ لِلْخَلِيلِ : اذْبَحْ وَلَدَكَ ، فَيَأْخُذُ الْمُدْيَةَ وَيُضْجِعُهُ لِلذَّبْحِ ، وَيُقَالُ لِقَوْمِ مُوسَى : " اذْبَحُوا بَقَرَةً " فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ سورة البقرة آية 71 ! وَيُخْرِجُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ ، وَيَبْخَلُ ثَعْلَبَةُ بِالزَّكَاةِ ! وَيَجُودُ حَاتِمٌ بِقُوتِهِ ، وَيَبْخَلُ بِضَوْءِ نَارِهِ الْحَبَاحِبُ . وَكَذَلِكَ فَاوَتَ بَيْنَ الْفُهُومِ فَسَحْبَانُ أَنْطَقُ مُتَكَلِّمٍ ، وَبَاقِلٌ أَقْبَحُ مِنْ أَخْرَسَ . وَفَاوَتَ بَيْنَ الأَمَاكِنِ فَزَرُودٌ تَشْكُو الْعَطَشَ وَالْبَطَائِحُ تَصِيحُ : الْغَرَقَ . قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ : لَمْ يَمُتْ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى نُبِّئَ إِسْحَاقُ وَبُعِثَ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ . وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ زَوَّجَ إِسْحَاقَ أروقَةَ بِنْتَ بتاويلَ ، فَوَلَدَتْ لَهُ الْعَيْصَ وَيَعْقُوبَ ، وَهُوَ ابْنُ سِتِّينَ سَنَةً . فَأَمَّا الْعَيْصُ فَتَزَوَّجَ بِنْتَ عَمِّهِ إِسْمَاعِيلَ ، فَوَلَدَتْ لَهُ الرُّومَ ، فَكُلُّ بَنِي الأَصْفَرِ مِنْ وَلَدِهِ ، وَكَثُرَ أَوْلادُهُ حَتَّى غَلَبُوا الْكَنْعَانِيِّينَ بِالشَّامِ ، وَصَارُوا إِلَى الْبَحْرِ وَالسَّوَاحِلِ ، وَصَارَ الْمُلُوكُ مِنْ وَلَدِهِ وَهُمُ الْيُونَانِيَّةُ . وَأَمَّا يَعْقُوبُ فَتَزَوَّجَ ليَا فَوَلَدَتْ أَكْثَرَ أَوْلادِهِ ، ثُمَّ تَزَوَّجَ رَاحِيلَ فَوَلَدَتْ لَهُ يُوسُفَ وَبِنْيَامِينَ . وَعَاشَ إِسْحَاقُ مِائَةً وَسِتِّينَ سَنَةً ، وَتُوُفِّيَ بِفَلَسْطِينَ وَدُفِنَ عِنْدَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ . إِخْوَانِي : تَأَمَّلُوا عَوَاقِبَ الصَّبْرِ ، وَتَخَايَلُوا فِي الْبَلاءِ نُورَ الأَجْرِ ، فَمَنْ تَصَوَّرَ زَوَالَ الْمِحَنِ وَبَقَاءَ الثَّنَاءِ هَانَ الابْتِلاءُ عَلَيْهِ ، وَمَنْ تَفَكَّرَ فِي زَوَالِ اللَّذَّاتِ وَبَقَاءِ الْعَارِ هَانَ تَرْكُهَا عِنْدَهُ ، وَمَا يُلاحِظُ الْعَوَاقِبَ إِلا بَصَرٌ ثَاقِبٌ . الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ فِرَاكَ مِنَ الأَيَّامِ نَابٌ وَمِخْلَبٌ وَخَانَكَ لَوْنُ الرَّأْسِ وَالرَّأْسُ أَشْيَبُ فَحَتَّامَ لا تَنْفَكُّ جَامِحَ هِمَّةٍ بَعِيدَ مَرَامِي النَّفْسِ وَالْمَوْتُ أَقْرَبُ تُسَرُّ بِعَيْشٍ أَنْتَ فِيهِ مُنَغَّصٌ وَتَسْتَعْذِبُ الدُّنْيَا وَأَنْتَ مُعَذَّبُ تُغَذِّيكَ وَالأَوْقَاتُ جِسْمَكَ تَغْتَذِي وَتَسْقِيكَ وَالسَّاعَاتُ رُوحَكَ تَشْرَبُ وَتَعْجَبُ مِنْ آفَاتِهَا مُتَلَفِّتًا إِلَيْهَا ، لَعَمْرُ اللَّهِ فِعْلُكَ أَعْجَبُ وَتَحْسَبُهَا بِالْبِشْرِ تُبْطِنُ خَلَّةً فَيَظْهَرُ مِنْهَا غَيْرُ مَا تَتَحَسَّبُ إِذَا رَضِيتَ أَعْمَتْكَ مِنْ طُرُقِ الْهُدَى فَمَا ظَنُّ ذِي لُبٍّ بِهَا حِينَ تَغْضَبُ وَفِي سَلْبِهَا ثَوْبَ الشَّبَابِ دَلالَةٌ عَلَى أَنَّهَا تُعْطِي خِدَاعًا وَتَسْلُبُ أَتَرْضَى بِأَنْ يَنْهَاكَ شَيْبُكَ وَالْحِجَا وَأَنْتَ مَعَ الأَيَّامِ تَلْهُو وَتَلْعَبُ أَجِدُكَ لا تَسْمَعُ لِدُنْيَاكَ مَوْعِدًا وَلا تَتَرَجَّ الرِّيَّ وَالْبَرْقُ خُلَّبُ وَدُونَكَ دِرْيَاقُ التَّرَجِّي مِنَ الْوَرَى فَكُلٌّ عَلَى التَّجْرِيبِ صِلٌّ وَعَقْرَبُ إِخْوَانِي : الأَيَّامُ لَكُمْ مَطَايَا ، فَأَيْنَ الْعُدَّةُ قَبْلَ الْمَنَايَا ، أَيْنَ الأَنَفَةُ مِنْ دَارِ الأَذَايَا ، أَيْنَ الْعَزَائِمُ ؟ أَتَرْضَوْنَ الدَّنَايَا ، إِنَّ بَلِيَّةَ الْهَوَى لا تُشْبِهُ الْبَلايَا ، وَإِنَّ خَطِيئَةَ الإِصْرَارِ لا كَالْخَطَايَا ، وَسَرِيَّةَ الْمَوْتِ لا تُشْبِهُ السَّرَايَا ، وَقَضِيَّةَ الأَيَّامِ لا كَالْقَضَايَا ؛ رَاعِي السَّلامَةِ يَقْتُلُ الرَّعَايَا ، رَامِي التَّلَفِ يُصْمِي الرَّمَايَا ، مَلَكُ الْمَوْتِ لا يَقْبَلُ الْهَدَايَا ، يَا مَسْتُورِينَ سَتَظْهَرُ الْخَبَايَا . اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ خَجَلا مِنَ الْعَثَرَاتِ ، ثُمَّ اسْكُبُوا حُزْنًا لَهَا الْعَبَرَاتِ ، عَجَبًا لِمُؤْثِرِ الْفَانِيَةِ عَلَى الْبَاقِيَةِ وَلِبَائِعِ الْبَحْرِ الْخِضَمِّ بِسَاقِيَةٍ ، وَلِمُخْتَارِ دَارِ الْكَدَرِ عَلَى الصَّافِيَةِ ، وَلِمُقَدِّمِ حُبِّ الأَمْرَاضِ عَلَى الْعَافِيَةِ ، أَيُّهَا الْمُسْتَوْطِنُ بَيْتَ غُرُورِهِ تَأَهَّبْ لإِزْعَاجِكَ ، أَيُّهَا الْمُسْرُورُ بِقُصُورِهِ تَهَيَّأْ لإِخْرَاجِكَ ، خُذْ عُدَّتَكَ وَقُمْ فِي قَضَاءِ حَاجَتِكَ قَبْلَ فِرَاقِ أَوْلادِكَ وَأَزْوَاجِكَ ، مَا الدُّنْيَا دَارُ مَقَامِكَ ، بَلْ حَلْبَةُ إِدْلاجِكَ . أَيُّهَا النَّاكِبُ عَنْ نَهْجِ الْهُدَى وَهُوَ بَادٍ وَاضِحٌ لِلسَّالِكِينْ إِلْهُ عَنْ ذِكْرِ التَّصَابِي إِنَّهُ سَرَفٌ بَعْدَ بُلُوغِ الأَرْبَعِينْ وَاجْعَلِ التَّقْوَى مَعَاذًا تَحْتَمِي بِحِمَاهُ إِنَّهُ حِصْنٌ حَصِينْ وَاسْأَلِ اللَّهَ تَعَالَى عَفْوَهُ وَاسْتَعِنْهُ إِنَّهُ خَيْرُ مُعِينْ أَتَأْمَنُ بَطْشَ ذِي الْبَطْشِ ، وَتُبَارِزُهُ عَالِمًا بِرُؤْيَتِهِ وَلَمْ تَخْشَ ، يَا مَنْ إِذَا وَزَنَ طَفَّفَ وَإِذَا بَاعَ غَشَّ ، أَنَسِيتَ النُّزُلَ فِي بَيْدَاءِ الدَّبِيبِ وَالْوَحْشِ ، أَنَسِيتَ الْحُلُولَ فِي لَحْدٍ خَشِنِ الْفَرْشِ ، يَا مُغْتَرًّا بِزُخْرُفِ الْهَوَى قَدْ أَلْهَاهُ النَّقْشُ ، إِذَا جَنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ فَعَلَى مَنِ الأَرْشُ ، يَا مَنْ إِذَا جَاءَ الْفَرْضُ الْتَوَى وَإِذَا حَانَ اللَّهْوُ هَشَّ ، يَا مَنْ لا يَصِيرُ لِلْقَضَاءِ وَلَوْ عَلَى خَدْشٍ ، كُنْ مُسْتَيْقِظًا فَإِنَّكَ بِعَيْنِ ذِي الْعَرْشِ : - تَعَلَّلُ بِالآمَالِ وَالْمَوْتُ أَسْرَعُ وَتَغْتَرُّ بِالأَيَّامِ وَالْوَعْظُ أَنْفَعُ وَمَا الْمَرْءُ إِمَّا لَمْ يَمُتْ فَهُوَ ذَائِقٌ فِرَاقَ الأَخِلاءِ الَّذِي هُوَ أَوْجَعُ فَوَدِّعْ خَلِيلَ النَّفْسِ قَبْلَ فِرَاقِهِ فَمَا النَّاسُ إِلا ظَاعِنٌ أَوْ مُوَدِّعُ يَا حَزِينًا عَلَى فِرَاقِ مَوْتَاهُ ، كَئِيبًا لِمَطْلُوبِ مَا وَاتَاهُ ، كَأَنَّهُ بِالْمَوْتِ قَدْ أَتَاهُ ، فَأَلْحَقَهُ مَا أَبَاهُ أَبَاهُ ، وَوَافَاهُ مَا أَطْبَقَ فَاهُ فَمَا فَاهَ : يَا كَثِيرَ الْحِرْصِ مَشْغُولا بِدُنْيَا لَيْسَ تَبْقَى مَا رَأَيْنَا الْحِرْصَ أَدْنَى مِنْ حَرِيصٍ قَطُّ رِزْقَا لا وَلَكِنْ فِي قَضَاءِ اللَّهِ أَنْ نَعْنَى وَنَشْقَى قَدْ رَأَيْنَا الْمَوْتَ أَفْنَى قَبْلَنَا خَلْقًا فَخَلْقَا دُرِّجُوا قَرْنًا فَقَرْنًا وَبَقَى مَنْ لَيْسَ يَبْقَى قَدِمَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ ابْنُ عَمٍّ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ : مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ ؟ فَقَالَ : مِنْ طَلَبِ الدُّنْيَا . فَقَالَ : هَلْ أَدْرَكْتَهَا ؟ قَالَ : لا . قَالَ : وَا عَجَبًا ! أَنْتَ تَطْلُبُ شَيْئًا لَمْ تُدْرِكْهُ ، فَكَيْفَ تُدْرِكُ شَيْئًا لَمْ تَطْلُبْهُ ! يَا هَذَا عَلَيْكَ بِالْجِدِّ وَالاجْتِهَادِ ، وَخَلِّ هَذَا الْكَسَلَ وَالرُّقَادَ ، فَطَرِيقُكَ لا بُدَّ لَهَا مِنْ زَادٍ . انْهَضْ إِلَى الْمَعَالِي وَأَقْبِلْ وَلا تُبَالِي وَخُذْ مِنَ الزَّمَانِ حَظًّا فَأَنْتَ فَانِي الْهِمَمُ الْعَلِيَّةْ وَالْمُهَجُ الأَبِيَّةْ تُقَرِّبُ الْمَنِيَّةْ مِنْكَ أَوِ الأُمْنِيَّةْ الْمَجْدُ بِالْمُخَاطَرَةْ وَالنَّصْرُ بِالْمُصَابَرَةْ كَمْ رَاحَةٍ فِي الْعُزْلَةْ وَعَمَلٍ فِي الْعُطْلَةْ لَيْسَ يَدُومُ حَالٌ شَحْمُ الْمُنَى هُزَالٌ مَا لِلْوَرَى فِي غَفْلَةْ قَدْ خُدِعُوا بِالْمُهْلَةْ أَلا لَبِيبٌ يَعْقِلُ أَلا جَهُولٌ يَسْأَلُ أَأَنْتُمُ فِي رِيبَةْ مَا أَعْظَمُ الْمُصَيِبةْ دُنْيَاكُمُ حَبِيبَةْ لِحُسْنِهَا وَالطِّيبَةْ لَكِنَّهَا غَدَّارَةْ خَدَّاعَةٌ غَرَّارَةْ لَيْسَ لَهَا حَبِيبُ زَوَالُهَا قَرِيبُ كَالْمُومِسِ الْبَغِيِّ تَلْبَسُ كُلَّ زِيِّ خَلَوبَةٌ خَوَّانَةْ لَيْسَ لَهَا أَمَانَةْ عَزِيزُهَا ذَلِيلُ كَثِيرُهَا قَلِيلُ تُفَرِّقُ الأَحْبَابَا تُشَتِّتُ الأَتْرَابَا حَرْبٌ لِمَنْ سَالَمَهَا تَمَلُّ مَنْ لازَمَهَا لِقَاؤُهَا فِرَاقُ وَعُرْسُهَا طَلاقُ وِصَالُهَا صُدُودُ وَوَعْدُهَا وَعِيدُ وِصَالُهَا عَنَاءُ صُدُودُهَا بَلاءُ عُقُودُهَا مَنْقُوضَةْ عُهُودُهَا مَرْفُوضَةْ شَرَابُهَا سَرَابُ نَعِيمُهَا عَذَابُ إِنْ أَقْبَلَتْ فَفِتْنَةْ أَوْ أَدْبَرَتْ فَمِحْنَةْ أَخْلاقُهَا مَذْمُومَةْ لَذَّاتُهَا مَسْمُومَةْ يَحْظَى بِهَا الْجُهَّالُ وَيَنْعَمُ الأَنْذَالُ يَشْقَى بِهَا اللَّبِيبُ وَيَتْعَبُ الأَرِيبُ فَخَلِّ عَنْهَا يَا فَتَى إِلَى مَتَى إِلَى مَتَى ! الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ سورة النساء آية 123 فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ أَهْلَ الأَدْيَانِ اخْتَصَمُوا . فَقَالَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ : كِتَابُنَا خَيْرُ الْكُتُبِ ، وَنَبِيُّنَا خَيْرُ الأَنْبِيَاءِ ، وَقَالَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : كِتَابُنَا نَسَخَ كُلَّ كِتَابٍ ، وَنَبِيُّنَا خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ . رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْعَرَبَ قَالَتْ : لا نُبْعَثُ وَلا نُحَاسَبُ وَلا نُعَذَّبُ . فَنَزَلَتْ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالُوا : لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ غَيْرُنَا . وَقَالَتْ قُرَيْشٌ : لا نُبْعَثُ . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ : اسْمُ لَيْسَ مُضْمَرٌ ؛ وَالْمَعْنَى : لَيْسَ ثَوَابُ اللَّهِ بِأَمَانِيِّكُمْ ، وَقَدْ جَاءَ مَا يَدُلُّ عَلَى الثَّوَابِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ سورة النساء آية 57 وَنَسُوا الْمَعَاصِيَ ، وَالْجَزَاءُ وَاقِعٌ بِالْمَعَاصِي .