← التبصرة لابن الجوزي
التبصرة لابن الجوزي
#51 53 ☰ في قصة يونس عليه السلام
A− A+

أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَرِيرِيُّ ° ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَيَّاطُ ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ روسب = ، حَدَّثَنَا ابْنُ صَفْوَانَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ جُمْهُورٍ ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرِهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : افْتَتَحْنَا بِفَارِسَ مَدِينَةً فَدُلِلْنَا عَلَى مَغَارَةٍ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ فِيهَا أَمْوَالا ، فَدَخَلْنَاهَا وَمَعَنَا مَنْ يَقْرَأُ بِالْفَارِسِيَّةِ فَأَصَبْنَا فِي تِلْكَ الْمَغَارَةِ مِنَ السِّلاحِ وَالأَمْوَالِ شَيْئًا كَثِيرًا ، ثُمَّ صِرْنَا إِلَى بَيْتٍ يُشْبِهُ الأَزَجَ عَلَيْهِ صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ فَقَلَبْنَاهَا ، وَإِذَا فِي الأَزَجِ سَرِيرٌ مِنْ ذَهَبٍ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ حُلَلٌ قَدْ تَمَزَّقَتْ وَعِنْدَ رَأْسِهِ لَوْحٌ فِيهِ مَكْتُوبٌ ، فَقُرِئَ لَنَا فَإِذَا فِيهِ : أَيُّهَا الْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ لا تَتَجَبَّرْ عَلَى خَالِقِكَ ، وَلا تَعْدُ قَدْرَكَ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَوْتَ غَايَتُكَ وَإِنْ طَالَ عُمْرُكَ وَأَنَّ الْحِسَابَ أَمَامَكَ ، وَأَنَّكَ إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ تُتْرَكُ ثُمَّ تُؤْخَذُ بَغْتَةً أَحَبَّ مَا كَانَتِ الدُّنْيَا إِلَيْكَ ، فَقَدِّمْ لِنَفْسِكَ خَيْرًا تَجِدْهُ مُحْضَرًا ، وَتَزَوَّدْ لِنَفْسِكَ مِنْ مَتَاعِ الْغُرُورِ لِيَوْمِ فَاقَتِكَ . أَيُّهَا الْعَبْدُ الضَّعِيفُ اعْتَبِرْ بِي فَإِنَّ فِيَّ مُعْتَبَرًا ، أَنَا بَهْرَامُ بْنُ بَهْرَامَ مَلِكُ فَارِسَ ، كُنْتُ مِنْ أَعْلاهُمْ بَطْشًا وَأَقْسَاهُمْ قَلْبًا وَأَطْوَلَهُمْ أَمَلا ، وَأَرْغَبَهُمْ فِي اللَّذَّةِ ، وَأَحْرَصَهُمْ عَلَى جَمْعِ الدُّنْيَا ، قَدْ جَبَيْتُ الْبِلادَ النَّائِيَةَ ، وَقَتَلْتَ الْمُلُوكَ السَّاطِيَةَ ، وَهَزَمْتُ الْجُيُوشَ الْعِظَامَ وَعِشْتُ خَمْسَ مِائَةِ عَامٍ ، وَجَمَعْتُ مِنَ الدُّنْيَا مَا لَمْ يَجْمَعْهُ أَحَدٌ قَبْلِي ، فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَفْتَدِيَ نَفْسِي مِنَ الْمَوْتِ إِذْ نَزَلَ بِي .

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : أَخَذَتْ مُعَاوِيَةُ قُرَّةٌ ؛ أَيْ : مِنَ الْبَرْدِ ، فَاتَّخَذَ أَغْشِيَةً خِفَافًا فَكَانَتْ تُلْقَى عَلَيْهِ فَلا يَلْبَثُ أَنْ يُنَادِيَ : ادْفَعُوهَا . فَإِذَا أُخِذَتْ عَنْهُ سَأَلَ أَنْ تُرَدَّ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : قَبَّحَكِ اللَّهُ مِنْ دَارٍ ! مَكَثْتُ فِيكِ عِشْرِينَ سَنَةً أَمِيرًا وَعِشْرِينَ سَنَةً خَلِيفَةً ، ثُمَّ صِرْتُ إِلَى مَا أَرَى ! وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ يَقُولُ عِنْدَ مَوْتِهِ : وَاللَّهِ وَدِدْتُ أَنِّي عَبْدٌ لِرَجُلٍ مِنْ تِهَامَةَ أَرْعَى غُنَيْمَاتٍ فِي جِبَالِهَا ، وَلَمْ أَكُنْ أَلِي مِنْ هَذَا الأَمْرِ شَيْئًا . كُلُّ حَيٍّ لاقَى الْحِمَامَ فَمُودِي مَا لِحَيٍّ مُؤَمِّلٍ مِنْ خُلُودِ لا تَهَابُ الْمَنُونُ شَيْئًا وَلا تُبْقِي عَلَى وَالِدٍ وَلا مَوْلُودِ يَقْدَحُ الدَّهْرُ فِي شَمَارِيخِ رَضْوَى وَيَحُطُّ الصُّخُورَ مِنْ هَبُّودِ وَلَقَدْ تَتْرُكُ الْحَوَادِثُ وَالأَيَّامُ وَهْيًا فِي الصَّخْرَةِ الصَّيْخُودِ وَأَرَانَا كَالزَّرْعِ يَحْصِدُهُ الدَّهْرُ فَمِنْ بَيْنِ قَائِمٍ وَحَصِيدِ وَكَأَنَّا لِلْمَوْتِ رَكْبٌ مَخْبُونٌ سِرَاعًا لِمَنْهَلٍ مَوْرُودِ أَيُّهَا الْجَاهِلُ الَّذِي أَمِنَ الدَّهْرَ وَفِي الدَّهْرِ عَاقِرَاتُ الْخُدُودِ أَيْنَ عَادٌ وَتُبَّعٌ وَأَبُو سَاسَانَ كِسْرَى وَأَيْنَ صَحْبُ ثَمُودَ أَيْنَ رَبُّ الْحِصْنِ الْحَصِينِ بِسُورَاءَ بَنَاهُ وَشَادَهُ بِالشِّيدِ شَدَّ أَرْكَانَهُ وَضَاعَ لَهُ الْعِقْيَانَ بَابًا وَحَفَّهُ بِالْجُنُودِ كَانَ يُجْبَى إِلَيْهِ مَا بَيْنَ صَنْعَاءٍ وَمِصْرَ إِلَى قُرَى بَيْرُودِ وَتَرَى حَوْلَهُ زَرَافَاتِ خَيْلٍ حَافِلاتٍ تَعْدُو بِمِثْلِ الأُسُودِ فَرَمَى شَخْصَهُ فَأَقْصَدَهُ الدَّهْرُ بِسَهْمٍ مِنَ الْمَنَايَا شَدِيدِ ثُمَّ لَمْ يُنْجِهِ مِنَ الْمَوْتِ حِصْنٌ دُونَهُ خَنْدَقٌ وَبَابُ حَدِيدِ وَمُلُوكٌ مِنْ قَبْلِهِ عَمَرُوا الدُّنْيَا أُعِينُوا بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ بَيْنَمَا ذَاكَ مَرَّتِ الطَّيْرُ تَجْرِي لَهُمْ بِالنُّحُوسِ لا بِالسُّعُودِ وَصُرُوفُ الأَيَّامِ أَسْهَلْنَ بِالْحِينِ إِلَيْهِ مِنَ الْمَحَطِّ الْكَئُودِ مَا وَقَاهُمْ مَا حَاوَلُوا لَوْعَةُ الدَّهْرِ وَمَا أَكَّدُوا مِنَ التَّأْكِيدِ وَكَذَاكَ الْعَصْرَانِ لا يُلْبِثَانِ الْمَرْءَ أَنْ يَأْتِيَاهُ بِالْمَوْعُودِ وَبَعِيدٌ مَا لَيْسَ يَأْتِي وَمَا يُدْنِيهِ مِنْكَ الْعَصْرَانِ غَيْرُ بَعِيدِ سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ سورة الشعراء آية 207 أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا فِي اللَّذَّاتِ يَتَقَلَّبُونَ ، وَيَتَجَبَّرُونَ عَلَى الْخَلْقِ وَلا يُغْلَبُونَ ، مُزِجَتْ لَهُمْ كُئُوسُ الْمَنَايَا فَبَاتُوا يَتَجَرَّعُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ سورة الشعراء آية 207 . مَدُّوا أَيْدِيَهُمْ إِلَى الْحَرَامِ ، وَأَكْثَرُوا مِنَ الزَّلَلِ وَالآثَامِ ، وَكَمْ وُعِظُوا بِمَنْثُورٍ وَمَنْظُومٍ مِنَ الْكَلامِ ، لَوْ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ سورة الشعراء آية 207 . حُمِلَ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي كَفَنٍ ، إِلَى بَيْتِ الْبِلَى وَالْعَفَنِ ، وَمَا صَحِبَهُمْ غَيْرُهُ مِنَ الْوَطَنِ ، مِنْ كُلِّ مَا كَانُوا يَجْمَعُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ سورة الشعراء آية 207 . ضَمَّهُمْ - وَاللَّهِ - التُّرَابُ ، وَسُدَّ عَلَيْهِمْ فِي ثَرَاهِمُ الْبَابُ ، وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ، وَالأَحْبَابُ يَرْجِعُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ سورة الشعراء آية 207 . أَيْنَ أَمْوَالُهُمْ وَالذَّخَائِرُ ، أَيْنَ أَصْحَابُهُمْ وَالْعَشَائِرُ ، دَارَتْ عَلَى الْقَوْمِ الدَّوَائِرُ ، فَفِيمَ أَنْتُمْ تَطْمَعُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ سورة الشعراء آية 207 . شُغِلُوا عَنِ الأَهْلِ وَالأَوْلادِ ، وَافْتَقَرُوا إِلَى يَسِيرٍ مِنَ الزَّادِ ، وَبَاتُوا مِنَ النَّدَمِ عَلَى أَخَسِّ مِهَادِ ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ حَصَادِ مَا كَانُوا يَزْرَعُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ سورة الشعراء آية 207 . أَيْنَ الْجُنُودُ وَالْخَدَمُ ، أَيْنَ الْحِرَمُ وَالْحَرَمُ ، أَيْنَ النِّعَمُ وَالنَّعَمُ ، بَعْدَمَا كَانُوا يَرْبَعُونَ فِيمَا يَرْتَعُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ سورة الشعراء آية 207 . لَوْ رَأَيْتَهُمْ فِي حُلَلِ النَّدَامَةِ ، إِذَا بَرَزُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَعَلَيْهِمْ لِلْعِقَابِ عَلامَةٌ ، يُسَاقُونَ بِالذُّلِّ لا بِالْكَرَامَةِ ، إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَّعُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ سورة الشعراء آية 207 . يَا مَعْشَرَ الْعَاصِينَ قَدْ بَقِيَ الْقَلِيلُ ، وَالأَيَّامُ تُنَادِي : قَدْ دَنَا الرَّحِيلُ ، وَقَدْ صَاحَ بِكُمْ إِلَى الْهُدَى الدَّلِيلُ إِنْ كُنْتُمْ تَسْمَعُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ سورة الشعراء آية 207

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
أبو القاسم الحريري←أبو بكر الخياط←أبو عبيد الله بن روسب =←ابن صفوان←عبد الله بن محمد←الحسن بن جمهور←الهيثم بن عدي←عبد الله بن عباس←وابن حصين بن عبد الرحمن←عمرو بن ميمون←جرير بن عبد الله
شجرة الإسناد