وبالإسناد إلى ابن بشران ° ، حدثنا أحمد بن سليمان° إملاء ، قال : قرئ على يحيى بن جعفر ° وأنا أسمع ، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي ° قال : حدثني فرات بن السائب ° ، عن ميمون بن مهران ° ، عن ضبة بن محصن العنزي ° ، قال : كان علينا أبو موسى أميرا بالبصرة ، وكان إذا خطب حمد الله عز وجل وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم بدأ يدعوا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : فغاظني ذلك منه ، فقمت إليه وقلت له : أين أنت عن صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه ؟ ! تفضله عليه ؟ ! قال : فصنع ذلك ثلاث جمع وأنا أقول له ، فكتب إلى عمر رضي الله عنه يشكوني ويقول : إن ضبة بن محصن العنزي يتعرض لي في خطبتي ، فكتب إليه عمر رضي الله عنه أن أشخصه إلي ، قال فشخصني إليه فقدمت على عمر رضي الله عنه ، فضربت عليه الباب فخرج إلي ، فقال : من أنت ؟ فقلت : أنا ضبة بمحصن العنزي . قال : فلا مرحبا ولا أهلا . قال : قلت : أما المرحب فمن الله عز وجل ، وأما الأهل فلا أهل ولا مال ، فبماذا يا عمر استحللت إشخاصي من مصري بلا ذنب أذنبته ؟ ! قال : ما الذي شجر بينك وبين عاملك ؟ قال : قلت : الآن أخبرك يا أمير المؤمنين . كان إذا خطبنا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم بدأ يدعو لك ، فغاظني ذلك منه . قال : فقمت إليه وقلت له : أين أنت عن صاحبه أبي بكر رضي الله عنه تفضله عليه ؟ ! فصنع ذلك ثلاث جُمع ، ثم كتب إليك يشكوني . قال : فاندفع عمر رضي الله عنه باكيا ، فجعلت أرثي له ، ثم قال : أنت والله أوثق منه وأرشد ، فهل أنت غافر لي ذنبي يغفر الله لك ؟ ! قال : قلت : غفر الله لك يا أمير المؤمنين . ثم اندفع باكيا وهو يقول : والله لليلة من أبي بكر رضي الله عنه ويوم خير من عمر وآل عمر ، هل لك أن أحدثك بليلته ويومه ؟ قال : قلت : نعم يا أمير المؤمنين . قال : أما ليلته ، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم هاربا من أهل مكة ، خرج ليلا ، فتبعه أبو بكر رضي الله عنه ، فجعل يمشي مرة أمامه ، ومرة خلفه ، ومرة عن يمينه ، ومرة عن يساره ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا بكر ما أعرف هذا من فعلك " ! قال : يا رسول الله ! أذكر الرصد فأكون أمامك ، وأذكر الطلب فأكون خلفك ، ومرة عن يمينك ، ومرة عن يسارك ، لا آمن عليك . قال : فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه ، فلما رآها أبو بكر قد حفيت حمله على كاهله ، وجعل يشتد به حتى أتى به الغار ، فأنزله ، ثم قال : والله لا تدخله حتى أدخله ، فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك ، فدخل فلم ير شيئا ، فحمله ، وكان في الغار خرق فيه حيات وأفاعي ، فخشي أبو بكر رضي الله عنه أن يخرج منه شيء يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فألقمه قدمه ، فجعلن يضربنه أو يلسعنه الحيات والأفاعي ، وجعلت دموعه تتحادر ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له : " يا أبا بكر ! لا تحزن إن الله معنا " . فأنزل الله سكينته - طمأنينته - لأبي بكر رضي الله عنه ، فهذه ليلته . وأما يومه ، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب ، وقال بعضهم : نصلي ولا نزكي ، وقال بعضهم : نزكي ولا نصلي ، فأتيته - ولا آلوه نصحا - فقلت : يا خليفة رسول الله ! تألف الناس وارفق بهم ، فقال : جبار في الجاهلية خوار في الإسلام ؟ ! فبماذا أتألفهم بشعر مفتعل أم بقول مفترى ؟ ! قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي ، والله لو منعوني عناقا كانوا يعطون رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه . قال : فقاتلنا معه ، وكان والله رشيد الأمر ، فهذا يومه ، وكتب إلى أبي موسى يلومه . قلت : فثبت بما أوردناه من صحيح الأخبار وصريح الآثار ؛ كمال فضيلته ، وصحة خلافته ، وانعقاد الإجماع على مبايعته ، وانقيادهم لمتابعته ، وانتظام الأمور بحسن سيرته ، وصدق سريرته .