74 أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيُّ ، أَخْبَرَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَخْبَرَنَا هُدْبَةُ ، أَخْبَرَنَا حَزْمٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ ، يَقُولُ : " إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ أَشْهَبَ ، لا يُبْصِرُ زَمَانَكُمْ إِلا الْبَصِيرُ ، إِنَّكُمْ فِي زَمَانِ نَفَخَاتِهِمْ ، قَدِ انْتَفَخَتْ أَلْسِنَتُهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ ، وَطَلَبُوا الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ ، فَاحْذَرُوهُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، لا يُوقِعُوكُمْ فِي شَبَكَاتِهِمْ ، يَا عَالِمُ ، أَنْتَ عَالِمٌ تَأْكُلُ بِعِلْمِكَ ، يَا عَالِمُ أَنْتَ تَفْخَرُ بِعِلْمِكَ ، يَا عَالِمُ ، أَنْتَ عَالِمٌ تُكَاثِرْ بِعِلْمِكَ ، يَا عَالِمُ ، أَنْتَ عَالِمٌ تَسْتَطِيلُ بِعِلْمِكَ ، لَوْ كَانَ هَذَا الْعِلْمُ طَلَبْتَهُ لِلَّهِ لَرُئِيَ ذَلِكَ فِيكَ ، وَفِي عَمَلِكَ "

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَصِفْ لَنَا أَخْلاقَ هَؤُلاءِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ عِلْمُهُمْ حُجَّهٌ عَلَيْهِمْ ، حَتَّى إِذَا رَأَيْنَا مَنْ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْعِلْمِ اعْتَبَرْنَا مَا ظَهَرَ مِنْ أَخْلاقِهِمْ ، فَإِذَا رَأَيْنَا أَخْلاقًا لا تَحْسُنُ بِأَهْلِ الْعِلْمِ اجْتَنَبْنَاهُمْ ، وَعَلِمْنَا أَنَّ مَا اسْتَبْطَنُوهُ مِنْ دَنَاءَةِ الأَخْلاقِ أَقْبَحُ مِمَّا ظَهْرَ ، وَعَلِمْنَا أَنَّهُ فِتْنَةٌ فَاجْتَنَبْنَاهُمْ ، لِئَلا نُفْتَتَنَ كَمَا افْتُتِنُوا ، وَاللَّهُ مُوَفِّقُنَا لِلرَّشَادِ . قِيلَ لَهُ : نَعَمْ ، سَنَذْكُرُ مِنْ أَخْلاقِهِمْ مَا إِذَا سَمِعَهَا مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ ، فَتَصَفَّحَ أَمْرَهُ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ خُلُقٌ مِنْ تِلْكَ الأَخْلاقِ الْمَكْرُوَهَةِ الْمَذْمُومَةِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ، وَأَسْرَعَ الرَّجْعَةَ عَنْهَا إِلَى أَخْلاقٍ هِيَ أَوْلَى بِالْعِلْمِ ، مِمَّا يُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَتَجَافَى عَنِ الأَخْلاقِ الَّتِي تُبَاعِدُهُمْ عَنِ اللَّهِ . فَمِنْ صِفَتِهِ فِي طَلَبِهِ لِلْعِلْمِ : يَطْلُبُ الْعِلْمَ بِالسَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ ، وَإِنَّمَا يَطْلُبُ مِنَ الْعِلْمِ مَا أَسْرَعَ إِلَيْهِ هَوَاهُ . فَإِنْ قَالَ : كَيْفَ ؟ قُلْتُ : لَيْسَ مُرَادُهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ لِيَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَعْبُدُ اللَّهَ فِيمَا يَعْبُدُهُ مِنْ أَدَاءِ فَرَائِضِهِ ، وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ ، إِنَّمَا مُرَادُهُ فِي طَلَبِهِ أَنْ يُكْثِرَ التَّعَرُّفَ أَنَّهُ مِنْ طُلابِ الْعِلْمِ ، وَلِيَكُونَ عِنْدَهُ فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُ هَذَّبَ نَفْسَهُ ، وَكُلُّ عِلْمٍ إِذَا سَمِعَهُ أَوْ حَفِظَهُ شَرُفَ بِهِ عِنْدَ الْمَخْلُوقِينَ ، سَارَعَ إِلَيْهِ ، وَخَفَّ فِي طَلَبِهِ ، وَكُلُّ عِلْمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَعْلَمَهُ فَيَعْمَلَ بِهِ ، ثَقُلَ عَلَيْهِ طَلَبُهُ ، فَتَرَكَهُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْهُ ، مَعَ شِدَّةِ فَقْرِهِ إِلَيْهِ . يَثْقُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَفُوتَهُ سَمَاعٌ لِعِلْمٍ قَدْ أَرَادَهُ ، حَتَّى يُلْزِمَ نَفْسَهُ بِالاجْتِهَادِ فِي سَمَاعِهِ ، فَإِذَا سَمِعَهُ هَانَ عَلَيْهِ تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ ، فَلَمْ يُلْزِمْهَا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ ، كَمَا أَلْزَمَهَا السَّمَاعَ ! فَهَذِهِ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ . إِنْ فَاتَهُ سَمَاعُ شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ ، أَحْزَنَهُ ذَلِكَ ، وَأَسِفَ عَلَى فَوْتِهِ ، كُلُّ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَمْيِيزٍ مِنْهُ ، وَكَانَ الأَوْلَى بِهِ أَنْ يَحْزَنَ عَلَى عِلْمٍ قَدْ سَمِعَهُ ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ بِهِ الْحُجَّةُ ، فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ ، ذَلِكَ كَانَ أَوْلَى بِهِ أَنْ يَحْزَنَ عَلَيْهِ وَيَتَأَسَّفَ ، يَتَفَقَّهُ لِلرِّيَاءِ ، وَيُحَاجُّ لِلْمِرَاءِ ، مُنَاظَرَتُهُ فِي الْعِلْمِ تُكْسِبُهُ الْمَأْثَمَ ، مُرَادُهُ فِي مُنَاظَرَتِهِ أَنْ يُعْرَفَ بِالْبَلاغَةِ ، وَمُرَادُهُ أَنْ يُخَطِّئَ مُنَاظِرَهُ ، إِنْ أَصَابَ مُنَاظِرُهُ الْحَقَّ أَسَاءَهُ ذَلِكَ . فَهُوَ دَائِبٌ يَسُرُّهُ مَا يَسُرُّ الشَّيْطَانَ ، وَيَكْرَهُ مَا يُحِبُّ الرَّحْمَنُ ، يَتَعَجَّبُ مِمَّنْ لا يُنْصِفُ فِي الْمُنَاظَرَةِ ، وَهُوَ يَجُورُ فِي الْمُحَاجَّةِ ، يَحْتَجُّ عَلَى خَطَئِهِ ، وَهُوَ يَعْرِفُهُ ، وَلا يُقِرُّ بِهِ ، خَوْفًا أَنْ يُذَمَّ عَلَى خَطَئِهِ ، يُرَخِّصُ فِي الْفَتْوَى لِمَنْ أَحَبَّ ، وَيُشَدِّدُ عَلَى مَنْ لا هَوَى لَهُ فِيهِ ، يَذُمُّ بَعْضَ الرَّأْيِ ، فَإِنِ احْتَاجَ الْحُكْمَ وَالْفُتْيَا لِمَنْ أَحَبَّ دَلَّهُ عَلَيْهِ ، وَعَمِلَ بِهِ ، مَنْ تَعَلَّمَ مِنْهُ عِلْمًا ، فَهِمَّتُهُ فِيهِ مَنَافِعُ الدُّنْيَا ، فَإِنْ عَادَ عَلَيْهِ خَفَّ عَلَيْهِ تَعْلِيمُهُ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهِ لِلدُّنْيَا ، وَإِنَّمَا مَنْفَعَتُهُ الآخِرَةُ ، ثَقُلَ عَلَيْهِ ، يَرْجُو ثَوَابَ عِلْمِ مَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ ، وَلا يَخَافُ سُوءَ عَاقِبَةِ الْمُسَاءَلَةِ عَنْ تَخَلُّفِ الْعَمَلِ بِهِ ، يَرْجُو ثَوَابَ اللَّهِ عَلَى بُغْضِهِ مَنْ ظَنِّ بِهِ السُّوءَ مِنَ الْمَسْتُورِينَ ، وَلا يَخَافُ مَقْتَ اللَّهِ عَلَى مُدَاهَنَتِهِ لِلْمَهْتُوكِينَ . يَنْطِقُ بِالْحِكْمَةِ ، فَيَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا ، وَلا يَخَافُ عَظِيمَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ لِتَرْكِهِ اسْتِعْمَالِهَا ، إِنْ عَلِمَ ازْدَادَ مُبَاهَاةً وَتَصَنُّعًا ، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى مَعْرِفَةِ عِلْمٍ تَرَكَهُ أَنِفًا ، إِنْ كَثُرَ الْعُلَمَاءُ فِي عَصْرِهِ فَذُكِرُوا بِالْعِلْمِ أَحَبَّ أَنْ يُذْكَرَ مَعَهُمْ ، إِنْ سُئِلَ الْعُلَمَاءُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَلَمْ يُسْأَلْ هُوَ ، أَحَبَّ أَنْ يُسْأَلَ كَمَا سُئِلَ غَيْرُهُ ، وَكَانَ أَوْلَى بِهِ أَنْ يَحْمَدَ رَبَّهُ إِذْ لَمْ يُسْأَلْ ، وَإِذْ كَانَ غَيْرُهُ قَدْ كَفَاهُ . إِنْ بَلَغَهُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ أَخْطَأَ ، وَأَصَابَ هُوَ ، فَرِحَ بِخَطَأِ غَيْرِهِ ، وَكَانَ حُكْمُهُ أَنْ يَسُوءَهُ ذَلِكَ . إِنْ مَاتَ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ سَرَّهُ مَوْتُهُ ، لِيَحْتَاجَ النَّاسُ إِلَى عِلْمِهِ ، إِنْ سُئِلَ عَمَّا لا يَعْلَمُ أَنِفَ أَنْ يَقُولَ : لا أَعْلَمُ ، حَتَّى يَتَكَلَّفَ مَالا يَسَعُهُ فِي الْجَوَابِ ، إِنْ عَلِمَ أَنَّ غَيْرَهُ أَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ كَرِهَ حَيَاتَهُ ، وَلَمْ يُرْشِدِ النَّاسَ إِلَيْهِ ، إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ قَالَ قَوْلا فَتُوبِعَ عَلَيْهِ ، وَصَارَتْ لَهُ بِهِ رُتْبَةٌ عِنْدَ مَنْ جَهِلَهُ ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ أَخْطَأَ أَنِفَ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ خَطَئِهِ ، فَيَثْبُتُ بِنَصْرِ الْخَطَأِ ، لِئَلا تَسْقُطَ رُتْبَتُهُ عِنْدَ الْمَخْلُوقِينَ . يَتَوَاضَعُ بِعِلْمِهِ لِلْمُلُوكِ ، وَأَبْنَاءِ الدُّنْيَا ، لِيَنَالَ حَظَّهُ مِنْهُمْ بِتَأْوِيلٍ يُقِيمُهُ ، وَيَتَكَبَّرُ عَلَى مَنْ لا دُنْيَا لَهُ مِنَ الْمَسْتُورِينَ وَالْفُقَرَاءِ ، فَيَحْرِمُهُمْ عِلْمَهُ بِتَأْوِيلٍ يُقِيمُهُ . يَعُدُّ نَفْسَهُ فِي الْعُلَمَاءِ ، وَأَعْمَالُهُ أَعْمَالُ السُّفَهَاءِ ! قَدْ فَتَنَهُ حُبُّ الدُّنْيَا وَالثَّنَاءِ وَالشَّرَفِ وَالْمَنْزِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا ، يَتَجَمَّلُ بِالْعِلْمِ كَمَا تَتَجَمَّلُ بِالْحُلَّةِ الْحَسْنَاءُ لِلدُّنْيَا ، وَلا يُجَمِّلُ عِلْمَهُ بِالْعَمَلِ بِهِ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ : مَنْ تَدَبَّرَ هَذِهِ الْخِصَالَ ، فَعَرَفَ أَنَّ فِيهِ بَعْضَ مَا ذَكَرْنَا ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنَ اللَّهِ ، وَأَنْ يُسْرِعَ الرُّجُوعَ إِلَى الْحَقِّ ، وَسَأَذْكُرُ مِنَ الآثَارِ بَعْضَ مَا ذَكَرْتُ ، لِيَتَأَدَّبَ بِهِ الْعَالِمُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَأَمَّا قَوْلُنَا : يَتَجَمَّلُ بِالْعِلْمِ ، وَلا يُجَمِّلُ عِلْمَهُ بِالْعَمَلِ بِهِ .

السند · الإسناد بالترتيب
أبو بكر عبد الله بن عبد ا…←زهير بن محمد←هدبة←حزم←مالك بن دينار