1125 أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ° ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ° ، وَمُجَمِّعٍ ° ابني زيد بن جارية ، عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ ° ، أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا ، وَهِيَ ثَيِّبٌ وَهِيَ كَارِهَةٌ ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، " فَرَدَّ نِكَاحَهَا " .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَأَيُّ وَلِيِّ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ أَوْ بِكْرٍ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ إِلَّا الْآبَاءَ فِي الْأَبْكَارِ ، وَالسَّادَةَ فِي الْمَمَالِيكِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَدَّ نِكَاحَ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِدَامٍ حِينَ زَوَّجَهَا أَبُوهَا كَارِهَةً ، وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا أَنْ تَشَائِي أَنْ تَبَرِّي أَبَاكِ فَتُجِيزِي إِنْكَاحَهُ ، لَوْ كَانَتْ إِجَازَتُهُ إِنْكَاحَهَا تُجِيزُهُ أَشْبَهُ أَنْ يَأْمُرَهَا ، أَنْ تُجِيزَ إِنْكَاحَ أَبِيهَا ، وَلَا يُرَدُّ بِقُوَّتِهِ عَلَيْهَا ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَيُشْبِهُ فِي دَلَالَةِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذَا فَرَّقَ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ، فَجَعَلَ الثَّيِّبَ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَجَعَلَ الْبِكْرَ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا ، أَنَّ الْوَلِيَّ الَّذِي عَنَى وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ الْأَبُ خَاصَّةً ، فَجَعَلَ الْأَيِّمَ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا مِنْهُ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ أَنْ تُسْتَأْذَنَ الْبِكْرُ فِي نَفْسِهَا أَمْرُ اخْتِيَارٍ لَا فَرْضٍ ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ إِذَا كَرِهَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَزْوِيجُهَا ، كَانَتْ كَالثَّيِّبِ ، وَكَانَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِيهَا أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الْكَلَامُ ، وَإِذْنُ الْبِكْرِ الصَّمْتُ ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ غَيْرِ الْآبَاءِ أَنْ يُزَوِّجَ بِكْرًا وَلَا ثَيِّبًا إِلَّا بِإِذْنِهَا ، فَإِذَا كَانُوا لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ الْبَالِغَيْنِ ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا مَا وَصَفْتُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ فِي الْأَبِ الْوَلِيِّ وَغَيْرِ الْوَلِيِّ ، وَلَوْ كَانَ لَا يَجُوزُ لِلْأَبِ إِنْكَاحُ الْبِكْرِ إِلَّا بِإِذْنِهَا فِي نَفْسِهَا ، مَا كَانَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا صَغِيرَةً ، لِأَنَّهُ لَا أَمْرَ لَهَا فِي نَفْسِهَا فِي حَالِهَا تِلْكَ ، وَمَا كَانَ بَيْنَ الْأَبِ وَسَائِرِ الْوُلَاةِ فَرْقٌ فِي الْبِكْرِ ، كَمَا لَا يَكُونُ بَيْنَهُمْ فَرْقٌ فِي الثَّيِّبِ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنْ تُسْتَأْمَرَ الْبِكْرُ فِي نَفْسِهَا ؟ " ، قِيلَ : يُشْبِهُ أَمْرُهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى اسْتِطَابَةِ نَفْسِهَا ، وَأَنْ يَكُونَ بِهَا دَاءٌ لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهَا ، فَتَذْكُرُهُ إِذَا اسْتُؤْمِرَتْ أَوْ تَكْرَهُ الْخَاطِبَ لِعِلَّةٍ ، فَيَكُونُ اسْتِئْمَارُهَا أَحْسَنَ فِي الِاحْتِيَاطِ ، وَأَطْيَبَ لِنَفْسِهَا ، وَأَجْمَلَ فِي الْأَخْلَاقِ ، وَكَذَلِكَ نَأْمُرُ أَبَاهَا ، وَنَأْمُرُهُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُؤَامَرُ لَهَا فِيهِ أَقْرَبَ نِسَاءِ أَهْلِهَا ، وَأَنْ يَكُونَ تُفْضِي إِلَيْهَا بِذَاتِ نَفْسِهَا أُمًّا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ أُمٍّ ، وَلَا يَعْجَلُ فِي إِنْكَاحِهَا إِلَّا بَعْدَ إِخْبَارِهَا بِزَوْجٍ بِعَيْنِهِ ، ثُمَّ كْرَهُ لِأَبِيهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا إِنْ عَلِمَ مِنْهَا كَرَاهَةً لِمَنْ يُزَوِّجُهَا ، وَإِنْ فَعَلَ فَزَوَّجَهَا مَنْ كَرِهَتْ جَازَ ذَلِكَ عَلَيْهَا ، وَإِذَا كَانَ يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ عَلَيْهَا مَنْ كَرِهَتْ ، فَكَذَلِكَ لَوْ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ اسْتِئْمَارِهَا ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُؤْمَرُ بِمُشَاوِرَةِ الْبِكْرِ ، وَلَا أَمْرَ لَهَا مَعَ أَبِيهَا الَّذِي أُمِرَ بِمُشَاوِرَتِهَا ؟ قِيلَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ سورة آل عمران آية 159 ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمْ مَعَهُ أَمْرًا ، إِنَّمَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ طَاعَتَهُ ، وَلَكِنَّ فِي الْمُشَاوِرَةِ اسْتِطَابَةَ أَنْفُسِهِمْ ، وَأَنْ يَسْتَنَّ بِهَا مَنْ لَيْسَ لَهُ عَلَى النَّاسِ مَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِأَنْ يَأْتِيَ مِنْ بَعْضِ الْمُشَاوِرِينَ بِالْخَيْرِ قَدْ غَابَ عَنِ الْمُسْتَشِيرِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا ، قَالَ : وَالْجَدُّ أَبُو الْأَبِ ، وَأَبُوهُ وَأَبُو أَبِيهِ يَقُومُونَ مَقَامَ الْأَبِ فِي تَزْوِيجِ الْبِكْرِ ، وَوِلَايَةِ الثَّيِّبِ مَا لَمْ يَكُنْ دُونَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَبٌ أَقْرَبَ مِنْهُ ، وَلَوْ زُوِّجَتِ الْبِكْرُ أَزْوَاجًا مَاتُوا عَنْهَا أَوْ فَارَقُوهَا ، وَأَخَذَتْ مُهُورًا وَمَوَارِيثَ دَخَلَ بِهَا أَزْوَاجُهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلُوا ، إِلَّا أَنَّهَا لَمْ تُجَامِعْ زُوِّجَتْ تَزْوِيجَ الْبِكْرِ ، لِأَنَّهُ لَا يُفَارِقُهَا اسْمُ بِكْرٍ ، إِلَّا بِأَنْ تَكُونَ ثَيِّبًا ، وَسَوَاءٌ بَلَغَتْ سِنًّا وَخَرَجَتِ الْأَسْوَاقَ وَسَافَرَتْ وَكَانَتْ قَيِّمَ أَهْلِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا شَيْءٌ لِأَنَّهَا بِكْرٌ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ، قَالَ : وَإِذَا جُومِعَتْ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ أَوْ زِنًا صَغِيرَةً ، كَانَتْ بَالِغًا أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ ، كَانَتْ ثَيِّبًا لَا يَكُونُ لِلْأَبِ تَزْوِيجُهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا ، وَلَا يَكُونُ لَهُ تَزْوِيجُهَا إِذَا كَانَتْ ثَيِّبًا وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَبْلُغْ ، إِنَّمَا يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ إِذَا كَانَتْ بِكْرًا ، لِأَنَّهُ لَا أَمْرَ لَهَا فِي نَفْسِهَا إِذَا كَانَتْ صَغِيرَةً وَلَا بَالِغًا مَعَ أَبِيهَا ، قَالَ : وَلَيْسَ لِأَحَدٍ غَيْرِ الْآبَاءِ أَنْ يُزَوِّجَ بِكْرًا وَلَا ثَيِّبًا صَغِيرَةً لَا بِإِذْنِهَا وَلَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا ، وَلَا يُزَوِّجُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى تَبْلُغَ فَتَأْذَنَ فِي نَفْسِهَا ، وَإِنْ زَوَّجَهَا أَحَدٌ غَيْرُ الْآبَاءِ صَغِيرَةً ، فَالنِّكَاحُ مَفْسُوخٌ وَلَا يَتَوَارَثَانِ ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقٌ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ فِي جَمِيعِ أَمْرِهِ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ ، وَلَا مِيرَاثٌ وَالْآبَاءُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ فِي الثَّيِّبِ سَوَاءٌ لَا يُزَوِّجُ أَحَدٌ الثَّيِّبَ إِلَّا بِإِذْنِهَا , وَإِذْنُهَا الْكَلَامُ , وَإِذْنُ الْبِكْرِ الصَّمْتُ ، وَإِذَا زَوَّجَ الْأَبُ الثَّيِّبَ بِغَيْرِ عِلْمِهَا ، فَالنِّكَاحُ مَفْسُوخٌ رَضِيَتْ بَعْدُ أَوْ لَمْ تَرْضَ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَوْلِيَاءِ فِي الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ .