584 أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ° ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ ° ، سَمِعَ عِيَاضَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ ° ، يَقُولُ : إِنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ° ، يَقُولُ : " كُنَّا نُخْرِجُ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ , أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ , أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ , أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ , أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ " ، فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا فَخَطَبَ النَّاسَ ، فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ النَّاسَ بِهِ أَنْ قَالَ : إِنِّي أَرَى : مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ ، تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَا يُخْرَجُ مِنَ الْحِنْطَةِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ إِلَّا صَاعٌ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالثَّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ ، وَلَا أَرَى أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ عَزَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَهُ , إِنَّمَا عَزَا أَنَّهُمْ كَانُوا يُخْرِجُونَهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَفِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِمَّا يَقْتَاتُ الرَّجُلُ وَمِمَّا فِيهِ زَكَاةٌ . قَالَ : وَأَيُّ قُوتٍ كَانَ الْأَغْلَبَ عَلَى رَجُلٍ أَدَّى مِنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ , وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ , فَإِذَا أَفْلَسَ لَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ ، فَلَوْ أَيْسَرَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ بَعْدِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهَا مِنْ وَقْتِهَا ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا كَانَ وَلَيْسَتْ عَلَيْهِ , ولَوْ أَخْرَجَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ لَهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ بَيْعًا فَاسِدًا ، فَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ مِلْكِهِ , وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ رَجُلًا , أَوْ غَصَبَهُ إِيَّاهُ رَجُلٌ ، فَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مِلْكِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَكَذَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِالْخِيَارِ ، فَأَهَلَّ شَوَّالٌ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ إِنْفَاذَ الْبَيْعِ ثُمَّ أَنْفَذَهُ ، كَانَتْ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ , وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وُقِفَتْ زَكَاةُ الْفِطْرِ , فَإِنِ اخْتَارَهُ فَهُوَ عَلَى الْمُشْتَرِي , وَإِنْ رَدَّهُ فَهُوَ عَلَى الْبَائِعِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ , أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الْبَائِعِ ، مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ اخْتِيَارِهِ , أَوْ مُضِيِّ أَيَّامِ الْخِيَارِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ الْعَبْدَ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهَا زَكَاةَ الْفِطْرِ , وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ , فَإِنْ زَوَّجَهَا حُرًّا ، فَعَلَى الْحُرِّ أَدَاءُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْهَا , وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا ، فَعَلَى سَيِّدِهَا زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهَا , ولَوْ زَوَّجَهَا حُرًّا ، فَلَمْ يُدْخِلْهَا عَلَيْهِ أَوْ مَنَعَهَا مِنْهُ ، فَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى السَّيِّدِ ، وَإِذَا وَهَبَ الرَّجُلُ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً ، وَلَا مَالَ لِلصَّغِيرِ ، فَلَا يَبِينُ أَنَّ عَلَى أَبِيهِ فِيهِمْ زَكَاةَ الْفِطْرِ ، وَلَيْسُوا مِمَّنْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُرْضِعًا , أَوْ مِمَّنْ لَا غِنَى لِلصَّغِيرِ عَنْهُ ، فَتَلْزَمُ أَبَاهُ نَفَقَتُهُمْ وَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهُمْ . قَالَ : فَإِنْ حَبَسَهُمْ أَبُوهُ لِخِدْمَةِ نَفْسِهِ فَقَدْ أَسَاءَ ، وَلَا يَبِينُ أَنَّ عَلَيْهِ فِيهِمْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ بِكُلِّ حَالٍ ، إِنَّمَا تَلْزَمُهُ بِالْحَبْسِ لَهُمْ , وَإِنِ اسْتَأْجَرَ لِابْنِهِ مُرْضِعًا ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهَا زَكَاةُ الْفِطْرِ ، وَلَا يَكُونُ لِمَنْ لَيْسَ بِوَلِيٍّ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ , وَإِنْ أَخْرَجَهَا أَوْ زَكَاةً غَيْرَهَا بِغَيْرِ أَمْرِ حَاكِمٍ ضَمِنَ ، وَيُرْفَعُ ذَلِكَ إِلَى الْحَاكِمِ ، حَتَّى يَأْمُرَ مَنْ يُخْرِجُهَا عَنْهُ ، إِنْ كَانَتِ الْحِنْطَةُ , أَوِ الذُّرَةُ , أَوِ الْعَلْسُ , أَوِ الشَّعِيرُ , أَوِ التَّمْرُ , أَوِ الزَّبِيبُ ، وَمَا أَدَّى مِنْ هَذَا أَدَّى صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَيْسَ لَهُ عِنْدِي أَنْ يُنْقِصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا , وَلَا تُقَوَّمُ الزَّكَاةُ , لَوْ قُوِّمَتْ كَانَ لَوْ أَدَّى صَاعَ زَبِيبِ ضُرُوعٍ ، أَدَّى ثَمَانَ آصُعَ حِنْطَةً . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَا يُؤَدِّي مِنَ الْحَبِ غَيْرَ الْحَبِ نَفْسِهِ ، وَلَا يُؤَدِّي دَقِيقًا ، وَلَا سَوِيقًا ، وَلَا قِيمَتَهُ ، وَأُحِبُّ لِأَهْلِ الْبَادِيَةِ أَنْ لَا يُؤَدُّوا أَقِطًا ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ لَهُمْ قُوتًا ، فَأَدَّوْا مِنْ قُوتٍ فَالْفَثُّ قُوتٌ , وَكَذَلِكَ لَوْ يَقْتَاتُونَ الْحَنْظَلَ ، وَالَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنْ يَتَكَلَّفُوا أَدَاءَ قُوتِ أَقْرَبِ أَهْلِ الْبُلْدَانِ بِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ يَقْتَاتُونَ مِنْ ثَمَرَةٍ لَا زَكَاةَ فِيهَا ، فَيُؤَدُّونَ مِنْ ثَمَرَةٍ فِيهَا زَكَاةٌ صَاعًا عَنْ كُلِّ إِنْسَانٍ ، وَأَهْلُ الْبَادِيَةِ وَالْقَرْيَةِ فِي هَذَا سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخُصَّ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ دُونَ أَحَدٍ , ولَوْ أَدَّوْا أَقِطًا لَمْ يَبِنْ لِي أَنْ أَرَى عَلَيْهِمْ إِعَادَةً , وَمَا أَدَّوْا أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ قُوتٍ لَيْسَ فِي أَصْلِهِ زَكَاةٌ غَيْرَ الْأَقِطِ فَعَلَيْهِمُ الْإِعَادَةُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَا أَعْلَمُ مَنْ يَقْتَاتُ الْقُطْنِيَّةَ , وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُقْتَاتُ ، فَلَا تُجْزِي زَكَاةً , وَإِنْ كَانَ قَوْمٌ يَقْتَاتُونَهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُمْ زَكَاةً ؛ لِأَنَّ فِي أَصْلِهَا الزَّكَاةَ . قَالَ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ نِصْفَ صَاعِ حِنْطَةٍ ، وَنِصْفَ صَاعِ شَعِيرٍ , وَإِنْ كَانَ قُوتُهُ الشَّعِيرَ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةً وَاحِدَةً إِلَّا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ ، وَيَجُوزُ إِذَا كَانَ قُوتُهُ الشَّعِيرَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ وَاحِدٍ وَأَكْثَرَ شَعِيرًا ، وَعَنْ وَاحِدٍ وَأَكْثَرَ حِنْطَةً ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ فِي الصَّدَقَةِ السِّنَّ الَّتِي هِيَ أَعْلَى ، وَلَا يُقَالُ : جَاءَ بِعِدْلٍ مِنْ شَعِيرٍ ، إِنَّمَا يُقَالُ لِهَذَا : جُعِلَ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ شَعِيرًا إِذَا كَانَ قُوتَهُ ، لَا بِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي شَعِيرٍ دُونَ حِنْطَةٍ , وَإِنْ كَانَ قُوتُهُ حِنْطَةً ، فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ شَعِيرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى مِمَّا يَقْتَاتُ ، كَمَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ تَمْرًا رَدِيئًا وَتَمْرًا طَيِّبًا ، وَلَا سِنًّا دُونَ سِنٍّ وَجَبَتْ عَلَيْهِ ، وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ نِصْفَ صَاعِ تَمْرٍ رَدِيءٍ إِنْ كَانَ قُوتَهُ , وَإِنْ تَكَلَّفَ نِصْفَ صَاعٍ جَيِّدٍ فَأَخْرَجَهُ مَعَهُ أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا صِنْفٌ وَاحِدٌ وَالْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ صِنْفَانِ , فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَضُمَّ صِنْفًا إِلَى غَيْرِهِ فِي الزَّكَاةِ , وَإِذَا كَانَتْ لَهُ حِنْطَةٌ أَخْرَجَ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ زَكَاةَ الْفِطْرِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَإِذَا كَانَ لَهُ تَمْرٌ أَخْرَجَ مِنْ وَسَطِهِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ , فَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ أَعْلَاهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ , وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حِنْطَةٍ وَلَا غَيْرِهَا ، إِذَا كَانَ مُسَوِّسًا أَوْ مَعِيبًا , لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا سَالِمًا ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ قَدِيمًا سَالِمًا مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ ، فَيَكُونَ ذَلِكَ عَيْبًا فِيهِ .