608 أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ° ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ ° : " إِنَّ فِي الظَّهْرِ نَاقَةٌ عَمْيَاءُ قَالَ : أَمِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ ، أَمْ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ ؟ قَالَ : بَلْ مِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ ، وَقال لَهُ : إِنَّ عَلَيْهَا مِيسَمَ الْجِزْيَةِ " .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَرْقٍ بَيْنَ الْمِيسَمَيْنِ أَيْضًا ، وَقال بَعْضُ النَّاسِ مِثْلَ قَوْلِنَا : أَنَّ كُلَّ مَا أُخِذَ مِنْ مُسْلِمٍ ، فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الصَّدَقَاتِ ، وَقَالُوا : سَبِيلُ الرِّكَازِ سَبِيلُ الصَّدَقَاتِ ، وَرَوَوْا مِثْلَ مَا رَوَيْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " فِي الرِّكَازِ الْخَمْسُ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالْمَعَادِنُ مِنَ الرِّكَازِ ، وَفِي كُلِّ مَا أُصِيبَ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ ، مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَوْ لَا تَجِبُ ، فَهُوَ رِكَازٌ ، وَلَوْ أَصَابَهُ غَنِيٌّ أَوْ فَقِيرٌ كَانَ رِكَازًا فِيهِ الْخُمْسُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : ثُمَّ عَادَ لِمَا شَدَّدَ فِيهِ كُلَّهُ فَأَبْطَلَهُ ، فَزَعَمَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا وَجَدَ رِكَازًا ، فَوَاسِعٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكْتُمَهُ الْوَالِي ، وَلِلْوَالِي أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ وَيَدَعُهُ لَهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَورَأَيْتَ إِذْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ فِي الرِّكَازِ الْخُمْسَ ، وَزَعَمَ أَنَّ كُلَّ مَا أُخِذَ مِنْ مُسْلِمٍ قَسْمٌ عَلَى قَسْمِ الصَّدَقَاتِ ، فَقَدْ أَبْطَلَ الْحَقَّ بِالسُّنَّةِ فِي أَخْذِهِ ، وَحَقَّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَسْمِهِ . وَالْخُمْسُ إِنَّمَا يَجِبُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ فِي مَالِهِ لِمَسَاكِينَ ، جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ ، فَكَيْفَ جَازَ لِلْوَالِي أَنْ يَتْرُكَ حَقًّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَالِهِ ، وَذَلِكَ الْحَقُّ لِمَنْ قَسَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ ؟ أَرَأَيْتَ لَوْ قَالَ قَائِلٌ : هَذَا فِي عُشْرِ الطَّعَامِ ، أَوْ زَكَاةِ الذَّهَبِ ، أَوْ زَكَاةِ التِّجَارَةِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا الْحُجَّةُ عَلَيْهِ ؟ أَلَيْسَ أَنْ يُقال : إِنَّ الَّذِي عَلَيْكَ فِي مَالِكَ ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَجَبَ لِغَيْرِكَ ، فَلَا يَحِلُّ لِلسُّلْطَانِ تَرْكُهُ لَكَ وَلَا لَكَ ، حَبْسُهُ إِنْ تَرَكَهُ لَكَ السُّلْطَانُ عَمَّنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَسْتُ أَعْلَمُ مَنْ قَالَ هَذَا فِي الرِّكَازِ ، وَلَوْ جَازَ هَذَا فِي الرِّكَازِ جَازَ فِي جَمِيعِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ فِي مَالِهِ أَنْ يَحْبِسَهُ ، وَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يَدَعَهُ لَهُ ، فَيَبْطُلُ حَقٌّ مِنْ قَسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ الثَّمَانِيَةِ . فَقال : إِنَّا رَوَيْنَا عَنِ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ أَوْ خَمْسَةَ آلَافٍ ، فَقال عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَأَقْضِيَنَّ فِيهَا قَضَاءً بَيِّنًا ؛ أَمَّا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ فَلَكَ وَخُمْسٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ قَالَ : وَالْخُمْسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا الْحَدِيثُ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا إِذْ زَعَمَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ : وَخُمْسٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَالِي يَرَى لِلْمُسْلِمِينَ فِي مَالِ رَجُلٍ شَيْئًا ، ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ ، أَوْ يَدَعُهُ لَهُ ، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْوَالِي أَنْ لَوْ مَنَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا لَهُمْ فِي مَالِهِ أَنْ يُجَاهِدَهُ عَلَيْهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا عَنْ عَلِيٍّ مُسْتَنْكَرٌ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ مَوْصُولٍ ، أَنَّهُ قَالَ : أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ لَكَ ، وَاقْسِمِ الْخُمْسَ عَلَى فُقَرَاءِ أَهْلِكَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَشْبَهَ بِعَلِيٍّ ، لَعَلَّ عَلِيًّا عَلِمَهُ أَمِينًا ، وَعَلِمَ فِي أَهْلِهِ فُقَرَاءَ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَهُ فِيهِمْ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهُمْ مُخَالِفُونَ مَا رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ كَانَتْ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، فَلَيْسَ لِلْوَالِي أَنْ يُعْطِيَهُ ، وَلَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنَ السُّهْمَانِ الْمَقْسُومَةِ بَيْنَ مَنْ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَا مِنَ الصَّدَقَةِ تَطَوُّعًا ، وَالَّذِي زَعَمُوا أَنَّ عَلِيًّا تَرَكَ لَهُ خُمْسَ رِكَازِهِ , وَهَذَا رَجُلٌ لَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ سِوَاهَا ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْوَالِيَ إِذَا أَخَذَ مِنْهُ وَاجِبًا فِي مَالِهِ ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَالِي أَنْ يَعُودَ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ عَلَيْهِ ، وَلَا عَلَى أَحَدٍ ، وَيَزْعُمُونَ أَنْ لَوْ وَلِيَهَا هُوَ دُونَ الْوَالِي ، لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبْسُهَا ، وَلَا دَفْعُهَا إِلَى أَحَدٍ يَعُولُهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالَّذِي رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِعَادَتُهَا عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَخَذَهَا مِنْهُ , أَوْ تَرْكُهَا لَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ , وَهَذَا إِبْطَالُهَا بِكُلِّ وَجْهٍ ، وَخِلَافُ مَا يَقُولُونَ ، وَإِذَا صَارَ لَهُ أَنْ يَكْتُمَهَا ، وَلِلْوَالِي أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ ، فَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَيْهِ ، وَتَرْكُهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ ، وَأَخْذُهَا سَوَاءٌ , وَقَدْ أَبْطَلَ بِهَذَا الْقَوْلِ السُّنَّةَ فِي أَنَّ فِي الرِّكَازِ الْخُمْسَ ، وَأَبْطَلَ بِهِ حَقَّ مَنْ قَسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ الثَّمَانِيَةِ . فَإِنْ قَالَ : لَا يَصْلُحُ هَذَا إِلَّا فِي الرِّكَازِ قِيلَ : فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ : فَإِذَا صَلُحَ فِي الرِّكَازِ ، وَهُوَ مِنَ الصَّدَقَاتِ صَلُحَ فِي كُلِّهَا ، وَلَوْ جَازَ لَكَ أَنْ تَخُصَّ بَعْضَهَا دُونَ بَعْضٍ قُلْتُ : يَصْلُحُ فِي الْعُشُورِ وَصَدَقَاتِ الْمَاشِيَةِ . وَقال غَيْرِي وَغَيْرُكَ : يَصْلُحُ فِي صَدَقَةِ الرِّقَّةِ ، وَلَا يَصْلُحُ فِي هَذَا , فَإِنْ قَالَ : فَإِنَّمَا هُوَ خُمْسٌ ، وَكَذَلِكَ الْحَقُّ فِيهِ كَمَا الْحَقُّ فِي الزَّرْعِ الْعُشْرُ , وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ , وَفِي الْمَاشِيَةِ مُخْتَلِفَةٌ , وَهِيَ مُخَالِفَةٌ كُلَّ هَذَا , وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ كُلٍّ بِقَدْرِ مَا جُعِلَ فِيهِ ، وَيُقْسَمُ كُلٌّ حَيْثُ قَسْمُ الصَّدَقَاتِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : ثُمَّ خَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِيمَا يُعْطَى مِنَ الصَّدَقَاتِ ، فَقال : لَا يَأْخُذها مِنْهَا أَحَدٌ لَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، وَلَا يُعْطَى مِنْهَا أَحَدٌ مِائَتِي دِرْهَمٍ ، وَلَا شَيْءٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ لَا يَكُونُ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، وَلَا شَيْءٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا بِضَعْفِ حِرْفَةٍ أَوْ كَثْرَةِ عِيَالٍ , وَكَانَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهَا ، فَيَكُونُ مُحْتَاجًا بِضَعْفِ الْحِرْفَةِ ، أَوْ بِغَلَبَةِ الْعِيَالِ ، فَكَانَتِ الْحَاجَةُ إِنَّمَا هِيَ مَا عَرَفَ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ حَالِ الطَّالِبِ لِلزَّكَاةِ وَمَالِهِ ، لَا عَلَى قَدْرِ الْمَالِ فَقَطْ ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ لَهُ مِائَةٌ مِنَ الْعِيَالِ وَمِائَتَا دِرْهَمٍ لَا يُعْطَى , وَهَذَا الْمُحْتَاجُ الْبَيِّنُ الْحَاجَةِ , وَآخَرُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، وَلَا عِيَالَ لَهُ ، وَلَيْسَ بِالْغِنَى أُعْطِيَ ، وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الَّذِي أُمِرَ بِإِعْطَائِهِ أَقْرَبُ مِنَ الْغِنَى ، وَالَّذِي نُهِيَ عَنْ إِعْطَائِهِ أَبْعَدُ مِنَ الْغِنَى ، وَلِمَ إِذَا كَانَ الْغَارِمُ يُعْطَى مَا يُخْرِجُهُ مِنَ الْغُرْمِ ، لَا يُعْطَى الْفَقِيرُ مَا يُخْرِجُهُ مِنَ الْفَقْرِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : إِنْ أَخْرَجَهُ مِنَ الْفَقْرِ إِلَى الْغِنَى مِائَةُ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَلُّ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا ، فَلِمَ إِذَا لَمْ يُخْرِجْهُ مِنَ الْفَقْرِ إِلَى الْغِنَى إِلَّا مِائَتَا دِرْهَمٍ لَا يُعْطَاهَا ، وَهُوَ يَوْمَ يُعْطَاهَا لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا ، إِنَّمَا الزَّكَاةُ عَلَيْهِ فِيهَا إِذَا حَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهَا .