← الأم للشافعي
الأم للشافعي
#786 2 : 196 ☰ باب الطواف بعد عرفة
A− A+

770 أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ° ، عَنْ نَافِعٍ ° ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ° ، أَنَّهُ قَالَ : " لَا يَصْدُرَنَّ أَحَدٌ مِنَ الْحَاجِّ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ ، فَإِنَّ آخِرَ النُّسُكِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ " .

قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَبِهَذَا نَقُولُ ، وَفِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَائِضَ أَنْ تَنْفِرَ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ طَوَافَ الْوَدَاعِ ، دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ تَرْكَ طَوَافِ الْوَدَاعِ لَا يُفْسِدُ حَجًّا , وَالْحَجُّ أَعْمَالٌ مُتَفَرِّقَةٌ مِنْهَا شَيْءٌ إذَا لَمْ يَعْمَلْهُ الْحَاجُّ أَفْسَدَ حَجَّهُ , وَذَلِكَ الْإِحْرَامُ ، وَأَنْ يَكُونَ عَاقِلًا لِلْإِحْرَامِ وَعَرَفَةَ ، فَأَيُّ هَذَا تَرَكَ لَمْ يَجْزِهِ عَنْهُ حَجُّهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَمِنْهَا مَا إذَا تَرَكَهُ لَمْ يَحِلَّ مِنْ كُلِّ إحْرَامِهِ ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَهُ فِي عُمُرِهِ كُلِّهِ , وَذَلِكَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ إلَّا النِّسَاءَ ، وَأَيَّهُمَا تَرَكَ رَجَعَ مِنْ بَلَدِهِ ، وَكَانَ مُحْرِمًا مِنَ النِّسَاءِ حَتَّى يَقْضِيَهُ , وَمِنْهَا مَا يَعْمَلُ فِي وَقْتٍ ، فَإِذَا ذَهَبَ ذَلِكَ الْوَقْتُ كُلُّهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَلَا بَدَّلَهُ ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ مِثْلُ الْمُزْدَلِفَةِ وَالْبَيْتُوتَةِ بِمِنًى ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ , وَمِنْهَا مَا إذَا تَرَكَهُ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ ، وَلَوْ لَمْ يَرْجِعْ لَزِمَهُ الدَّمُ ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْمِيقَاتِ فِي الْإِحْرَامِ ، وَمِثْلُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ طَوَافُ الْوَدَاعِ ؛ لِأَنَّهُمَا عَمَلَانِ أُمِرَ بِهِمَا مَعًا فَتَرَكَهُمَا ، فَلَا يَتَفَرَّقَانِ عِنْدِي فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْفِدْيَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيَاسًا عَلَى مُزْدَلِفَةَ وَالْجِمَارُ وَالْبَيْتُوتَةُ لَيَالِي مِنًى ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ قَدْ تَرَكَهُ . وَقَدْ أَخْبَرَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : طَوَافُ الْوَدَاعِ طَوَافٌ مَأْمُورٌ بِهِ , وَطَوَافُ الْإِحْلَالِ مِنَ الْإِحْرَامِ طَوَافٌ مَأْمُورٌ بِهِ ، وَعَمَلَانِ فِي غَيْرِ وَقْتٍ مَتَى جَاءَ بِهِمَا الْعَامِلُ أَجْزَأَ عَنْهُ ، فَلِمَ لَمْ تَقِسِ الطَّوَافَ بِالطَّوَافِ ؟ قِيلَ لَهُ : بِالدَّلَالَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا ، وَالدَّلَالَةِ بِمَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَأَيْنَ الدَّلَالَةُ ؟ قِيلَ لَهُ : لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَوَافِ الْوَدَاعِ ، وَأَرْخَصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ بِلَا وَدَاعٍ ، فَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ لِلْوَدَاعِ لَوْ كَانَ كَالطَّوَافِ لِلْإِحْلَالِ مِنَ الْإِحْرَامِ ، لَمْ يُرَخِّصْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَائِضِ فِي تَرْكِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ عَنْ صَفِيَّةَ : " أَطَافَتْ بَعْدَ النَّحْرِ ؟ فَقِيلَ : نَعَمْ , فَقَالَ : فَلْتَنْفِرْ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا إلْزَامُهَا الْمَقَامَ لِلطَّوَافِ بَعْدَ النَّحْرِ ، وَتَخْفِيفُ طَوَافِ الْوَدَاعِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَا يُخَفَّفُ مَا لَا يَحِلُّ الْمُحْرِمُ إلَّا بِهِ ، أَوَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ طَافَ بَعْدَ الْجَمْرَةِ وَالنَّحْرِ وَالْحِلَاقِ حَلَّ لَهُ النِّسَاءُ ، وَهُوَ إذَا حَلَّ لَهُ النِّسَاءُ خَارِجٌ مَنْ إِحْرَامِ الْحَجَّ بِكَمَالِ الْخُرُوجِ ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ إحْرَامِ الْحَجِّ لَمْ يُفْسِدْهُ عَلَيْهِ مَا تَرَكَهُ بَعْدَهُ ، وَكَيْفَ يُفْسِدُ مَا خَرَجَ مِنْهُ ؟ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ تَرْكَ الْمِيقَاتِ لَا يُفْسِدُ حَجًّا ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُحْرِمًا ، وَإِنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ ، وَأَنَّ مَنْ دُونَ الْمِيقَاتِ يُهِلُّ فَيَجْزِي عَنْهُ , وَالشَّيْءُ الْمُفْسِدُ لِلْحَجِّ إذَا تَرَكَ مَا لَا يَجْزِي أَحَدًا غَيْرُ فِعْلِهِ ، وَقَدْ يَجْزِي عَالِمًا أَنْ يُهِلُّوا دُونَ الْمِيقَاتِ إذَا كَانَ أَهْلُوهُمْ دُونَهُ , وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْبَيْتُوتَةِ لَيَالِي مِنًى ، وَتَرْكَ رَمْيِ الْجِمَارِ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ .

السند · الإسناد بالترتيب
شجرة الإسناد