89 أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ ° ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ ° ، عَنْ مَنْصُورٍ ° ، عَنْ مُجَاهِدٍ ° ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° : أَنَّهُ كَانَ " إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهُ الْمَنِيُّ ، إِنْ كَانَ رَطْبًا مَسَحَهُ ، وَإِنْ كَانَ يَابِسًا حَتَّهُ ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ " .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا الْمَعْقُولُ فِي أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَدَأَ خَلْقَ آدَمَ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ ، وَجَعَلَهُمَا جَمِيعًا طَهَارَةً , الْمَاءُ وَالطِّينُ فِي حَالِ الْإِعْوَازِ مِنَ الْمَاءِ طَهَارَةٌ , وَهَذَا أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي خَلْقٍ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا وَغَيْرَ نَجِسٍ ، وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَنِي آدَمَ مِنَ الْمَاءِ الدَّافِقِ ، فَكَانَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَعَزَّ وَأَجَلَّ مِنْ أَنْ يَبْتَدِئَ خَلْقًا مِنْ نَجَسٍ ، مَعَ مَا وَصَفَ مِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْخَبَرُ عَنْ عَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، مَعَ مَا وَصَفْتُ مِمَّا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ مِنْ أَنَّ رِيحَهُ وَخَلْقَهُ مُبَايِنٌ خَلْقَ مَا يَخْرُجُ مِنْ ذَكَرٍ وَرِيحِهِ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : اغْسِلْ مَا رَأَيْتَ ، وَانْضَحْ مَا لَمْ تَرَ ، فَكُلُّنَا نَغْسِلُهُ بِغَيْرِ أَنْ نَرَاهُ نَجِسًا ، وَنَغْسِلُ الْوَسَخَ وَالْعَرَقَ وَمَا لَا نَرَاهُ نَجِسًا ، وَلَوْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ نَجِسٌ ، لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِ أَحَدٍ حُجَّةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَعَ مَا وَصَفْنَا مِمَّا سِوَى مَا وَصَفْنَا مِنَ الْمَعْقُولِ ، وَقَوْلِ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ يُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ مِنْهُ ، قُلْنَا : الْغُسْلُ لَيْسَ مِنْ نَجَاسَةِ مَا يَخْرُجُ ، إِنَّمَا الْغُسْلُ شَيْءٌ تَعَبَّدَ اللَّهُ بِهِ الْخَلْقَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : مَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ ؟ قِيلَ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ إِذَا غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي الْفَرْجِ الْحَلَالِ ، وَلَمْ يَأْتِ مِنْهُ مَاءٌ ، فَأَوْجَبْتَ عَلَيْهِ الْغُسْلَ , وَلَيْسَتْ فِي الْفَرْجِ نَجَاسَةٌ ، وَإِنْ غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي دَمِ خِنْزِيرٍ , أَوْ خَمْرٍ , أَوْ عَذِرَةٍ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ نَجِسٌ ، أَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ ؟ فَإِنْ قَالَ : لَا ، قِيلَ : فَالْغُسْلُ إِنْ كَانَ إِنَّمَا يَجِبُ مِنْ نَجَاسَةٍ ، كَانَ هَذَا أَوْلَى أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ مِنَ الَّذِي غَيَّبَهُ فِي حَلَالٍ نَظِيفٍ ، وَلَوْ كَانَ يَكُونُ لِقَذَرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ ، كَانَ الْخَلَاءُ وَالْبَوْلُ أَقْذَرَ مِنْهُ ، ثُمَّ لَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ مَوْضِعِهِمَا الَّذِي خَرَجَا مِنْهُ ، وَيَكْفِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَسْحُ بِالْحِجَارَةِ ، وَلَا يُجْزِئُهُ فِي وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَرَأْسِهِ إِلَّا الْمَاءُ ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ غَسْلُ فَخِذَيْهِ وَلَا أَلْيَتَيْهِ سِوَى مَا سَمَّيْتُ ، وَلَوْ كَانَ كَثْرَةُ الْمَاءِ إِنَّمَا تَجِبُ لِقَذَرِ مَا يَخْرُجُ كَانَ هَذَانِ أَقْذَرَ وَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ عَلَى صَاحِبِهِمَا الْغُسْلُ مَرَّاتٍ ، وَكَانَ مَخْرَجُهُمَا أَوْلَى بِالْغُسْلِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي لَمْ يَخْرُجَا مِنْهُ ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أُمِرْنَا بِالْوُضُوءِ لِمَعْنَى تَعَبُّدٍ ابْتَلَى اللَّهُ بِهِ طَاعَةَ الْعِبَادِ لِيَنْظُرَ مَنْ يُطِيعُهُ مِنْهُمْ وَمَنْ يَعْصِيهِ ، لَا عَلَى قَذَرِ وَلَا نَظَافَةِ مَا يَخْرُجُ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ رَوَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، " أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قُلْنَا : هَذَا إِنْ جَعَلْنَاهُ ثَابِتًا فَلَيْسَ بِخِلَافٍ لِقَوْلِهَا : كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ ، كَمَا لَا يَكُونُ غُسْلُهُ قَدَمَيْهِ عُمْرَهُ خِلَافًا لِمَسْحِهِ عَلَى خُفَّيْهِ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا مَسَحَ عَلِمْنَا أَنَّهُ تُجْزِئُ الصَّلَاةُ بِالْمَسْحِ ، وَتُجْزِئُ الصَّلَاةُ بِالْغُسْلِ ، وَكَذَلِكَ تُجْزِئُ الصَّلَاةُ بِحَتِّهِ ، وَتُجْزِئُ الصَّلَاةُ بِغُسْلِهِ ، لَا أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا خِلَافُ الْآخَرِ مَعَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِثَابِتٍ عَنْ عَائِشَةَ ، هُمْ يَخَافُونَ فِيهِ غَلَطَ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، إِنَّمَا هُوَ رَأْيُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، كَذَا حَفِظَهُ عَنْهُ الْحُفَّاظُ ، أَنَّهُ قَالَ : غُسْلُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ خِلَافُ هَذَا الْقَوْلِ ، وَلَمْ يَسْمَعْ سُلَيْمَانُ عَلِمْنَاهُ مِنْ عَائِشَةَ حَرْفًا قَطُّ ، وَلَوْ رَوَاهُ عَنْهَا كَانَ مُرْسَلًا . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَإِذَا اسْتَيْقَنَ الرَّجُلُ أَنْ قَدْ أَصَابَتِ النَّجَاسَةُ ثَوْبًا لَهُ ، فَصَلَّى فِيهِ وَلَا يَدْرِي مَتَى أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ يَسْتَيْقِنُ شَيْئًا أَنْ يُصَلِّيَ مَا اسْتَيْقَنَ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَيْقِنُ تَأَخَّى حَتَّى يُصَلِّيَ ، مَا يَرَى أَنَّهُ قَدْ صَلَّى كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا وَفِي ثَوْبِهِ النَّجَسُ , أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا ، وَلَا يَلْزَمُهُ إِعَادَةُ شَيْءٍ إِلَّا مَا اسْتَيْقَنَ وَالْفُتْيَا وَالِاخْتِيَارُ لَهُ كَمَا وَصَفْتُ ، وَالثَّوْبُ وَالْجَسَدُ سَوَاءٌ يُنَجِّسُهُمَا مَا أَصَابَهُمَا وَالْخُفُّ وَالنَّعْلُ ثَوْبَانِ ، فَإِذَا صَلَّى فِيهِمَا وَقَدْ أَصَابَتْهُمَا نَجَاسَةٌ رَطْبَةٌ وَلَمْ يَغْسِلْهَا أَعَادَ ، فَإِذَا أَصَابَتْهُمَا نَجَاسَةٌ يَابِسَةٌ لَا رُطُوبَةَ فِيهَا ، فَحَكَّهُمَا حَتَّى نَظُفَا ، وَزَالَتِ النَّجَاسَةُ عَنْهُمَا ، صَلَّى فِيهِمَا ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ فِي سَفَرٍ لَا يَجِدُ الْمَاءَ إِلَّا قَلِيلًا ، فَأَصَابَ ثَوْبَهُ نَجَسٌ غَسَلَ النَّجَسَ وَتَيَمَّمَ إِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَغْسِلُ النَّجَاسَةَ تَيَمَّمَ وَصَلَّى ، وَأَعَادَ إِذَا لَمْ يَغْسِلِ النَّجَاسَةَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْأَنْجَاسَ لَا يُزِيلُهَا إِلَّا الْمَاءُ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَلِمَ طَهَّرَهُ التُّرَابُ مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَمِنَ الْحَدَثِ وَلَمْ يَطْهُرْ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ الَّتِي مَاسَّتْ عُضْوًا مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، أَوْ غَيْرِ أَعْضَائِهِ ، قُلْنَا : إِنَّ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ مِنَ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ لَيْسَ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ نَجَسٌ ، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمَ مُتَعَبِّدٌ بِهِمَا ، وَجُعِلَ التُّرَابُ بَدَلًا لِلطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ تَعَبُّدٌ ، وَلَمْ يُجْعَلْ بَدَلًا فِي النَّجَاسَةِ الَّتِي غُسْلُهَا لِمَعْنًى لَا تَعَبُّدًا ، إِنَّمَا مَعْنَاهَا أَنْ تُزَالَ بِالْمَاءِ لَيْسَ أَنَّهَا تَعَبُّدٌ بِلَا مَعْنًى ، وَلَوْ أَصَابَتْ ثَوْبَهُ نَجَاسَةٌ ، وَلَمْ يَجِدْ مَاءً لِغُسْلِهِ صَلَّى عُرْيَانًا وَلَا يُعِيدُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ بِحَالٍ ، وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْإِعْوَازِ مِنَ الثَّوْبِ الطَّاهِرِ عُرْيَانًا . قَالَ : وَإِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ الْمَاءُ ، وَأَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْوُضُوءَ بِهِ ، إِنَّمَا يَزِيدُهُ نَجَاسَةً ، وَإِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ مَاءَانِ ، أَحَدُهُمَا : نَجِسٌ ، وَالْآخَرُ : طَاهِرٌ ، وَلَا يَخْلُصُ النَّجِسُ مِنَ الطَّاهِرِ تَأَخَّى وَتَوَضَّأَ بِأَحَدِهِمَا وَكَفَّ عَنِ الْوُضُوءِ مِنَ الْآخَرِ وَشُرْبِهِ ، إِلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إِلَى شُرْبِهِ ، فَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى شُرْبِهِ شَرِبَهُ ، وَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى الْوُضُوءِ بِهِ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ وِزْرٌ وَيَتَيَمَّمُ ، وَعَلَيْهِ فِي خَوْفِ الْمَوْتِ ضَرُورَةٌ ، فَيَشْرَبُهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ ، وَلَوْ كَانَ فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ ، فَتَوَضَّأَ مِنْ مَاءٍ نَجِسٍ , أَوْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ فَمَسَّ مَاءً نَجِسًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ ، وَإِنْ صَلَّى كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ بَعْدَ أَنْ يَغْسِلَ مَا مَاسَّ ذَلِكَ الْمَاءُ مِنْ جَسَدِهِ وَثِيَابِهِ .