979 وأَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ حَبِيبٍ الْقَاضِي ° ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ ° ، عَنْ نَافِعٍ ° ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ° : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أَصَبْتُ مَالًا مِنْ خَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَعْجَبَ إلَيَّ أَوْ أَعْظَمَ عِنْدِي مِنْهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهُ وَسَبَّلْتَ ثَمَرَهُ " فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ حَكَى صَدَقَتَهُ بِهِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَقَالَ إِنْ كَانَ هَذَا ثَابِتٌ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَبْسُ الَّتِي أَطْلَقَ غَيْرَ الْحَبْسِ الَّتِي أَمَرَ بِحَبْسِهَا ، قُلْتُ : هَذَا عِنْدَنَا , وَعِنْدَكَ ثَابِتٌ , وَعِنْدَنَا أَكْثَرُ مِنْ هَذَا , وَإِنْ كَانَتِ الْحُجَّةُ تَقُومُ عِنْدَنَا وَعِنْدَكَ بِأَقَلّ مِنْهُ ، قَالَ : فَكَيْفَ أَجَزْتَ الصَّدَقَاتِ الْمُحَرَّمَاتِ , وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهَا مَنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ ؟ فَقُلْتُ : اتِّبَاعًا وَقِيَاسًا ، فَقَالَ : وَمَا الِاتِّبَاعُ ؟ فَقُلْتُ لَهُ : لَمَّا سَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَالِهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْبِسَ أَصْلَ مَالِهِ وَيُسَبِّلَ ثَمَرَهُ ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى إجَازَةِ الْحَبْسِ , وَعَلَى أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَلِي حَبْسَ صَدَقَتِهِ وَيُسَبَّلُ ثَمَرَهَا بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَلِيهَا غَيْرُهُ , قَالَ : فَقَالَ : أَفَيَحْتَمِلُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " حَبِّسْ أَصْلَهَا وَسَبِّلْ ثَمَرَهَا " اشْتَرَطَ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَظْهَرُهُمَا وَعَلَيْهِ مِنَ الْخَبَرِ دَلَالَةٌ أُخْرَى ، قَالَ : وَمَا هِيَ ؟ قُلْتُ : إذَا كَانَ عُمَرُ لَا يَعْرِفُ وَجْهَ الْحَبْسِ أَفَيُعَلِّمُهُ حَبْسَ الْأَصْلِ وَسَبْلَ الثَّمَرِ وَيَدْعُ أَنْ يُعَلِّمَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ يَدَيْهِ إِلَى مَنْ يَلِيهَا عَلَيْهِ وَلِمَنْ حَبَسَهَا عَلَيْهِ ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لَا تَتِمُّ إلَّا بِأَنْ يُخْرِجَهَا الْمُحَبِّسُ مِنْ يَدَيْهِ إِلَى مِنْ يَلِيهَا دُونَهُ , كَانَ هَذَا أَوْلَى أَنْ يُعَلِّمَهُ ، لِأَنَّ الْحَبْسَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ , وَلَكِنَّهُ عَلَّمَهُ مَا يَتِمُّ لَهُ , وَلَمْ يَكُنْ فِي إخْرَاجِهَا مِنْ يَدَيْهِ شَيْءٌ يَزِيدُ فِيهَا , وَلَا فِي إمْسَاكِهَا يَلِيهَا هُوَ شَيْءٌ يُنْقِصُ صَدَقَتُهُ , وَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْمُتَصَدِّقُ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلِي فِيمَا بَلَغَنَا صَدَقَتَهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى , وَلَمْ يَزَلْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَلِي صَدَقَتَهُ بِيَنْبُعَ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ , وَلَمْ تَزَلْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلامُ تَلِي صَدَقَتَهَا حَتَّى لَقِيَتِ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى . قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ ، وَعَلِيٍّ ، وَعُمَرَ ، وَمَوَالِيهِمْ , وَلَقَدْ حَفِظْنَا الصَّدَقَاتِ عَنْ عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ , لَقَدْ حَكَى لِي عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَأَهِلِيهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَلُونَ صَدَقَاتِهِمْ حَتَّى مَاتُوا يَنْقُلُ ذَلِكَ الْعَامَّةُ مِنْهُمْ عَنِ الْعَامَّةِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ , وَإِنَّ أَكْثَرَ مَا عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ مِنَ الصَّدَقَاتِ لَكَمَا وَصَفْتُ لَمْ يَزَلْ يَتَصَدَّقُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ مِنَ السَّلَفِ يَلُونَهَا حَتَّى مَاتُوا , وَأَنَّ نَقْلَ الْحَدِيثِ فِيهَا كَالتَّكَلُّفِ , وَإِنْ كُنَّا قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهُ قَبْلَ هَذَا ، فَإِذَا كُنَّا إنَّمَا أَجَزْنَا الصَّدَقَاتِ , وَفِيهَا الْعِلَلُ الَّتِي أَبْطَلَهَا صَاحِبُكَ بِهَا مِنْ قَوْلِ شُرَيْحٍ : جَاءَ مُحَمَّدٌ بِإِطْلَاقِ الْحَبْسِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَالٌ مَمْلُوكًا ثُمَّ يُخْرِجُهُ مَالِكُهُ مِنْ مِلْكِهِ إِلَى غَيْرِ مالك لَهُ كُلَّهُ إلَّا بِالسُّنَّةِ وَاتِّبَاعِ الْآثَارِ فَكَيْفَ اتَّبَعْنَاهُمْ فِي إجَازَتِهَا وَإِجَازَتُهَا أَكْثَرُ وَنَتْرُكُ اتِّبَاعَهُمْ فِي أَنْ يَحُوزَهَا كَمَا حَازُوهَا , وَلَمْ يُوَلُّوهَا أَحَدًا ؟ فَقَالَ : فَمَا الْحِصَّةُ فِيهِ مِنَ الْقِيَاسِ ؟ قُلْتُ لَهُ : لَمَّا أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنْ يُحْبَسَ الْأَصْلُ أَصْلُ الْمَالِ وَتُسَبَّلَ الثَّمَرَةُ " دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَجَازَ أَنْ يُخْرِجَهُ مالك الْمَالِ مِنْ مِلْكِهِ بِالشَّرْطِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ الْمَالُ مَحْبُوسًا لَا يَكُنْ لِمَالِكِهِ بَيْعُهُ , وَلَا أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ بِحَالٍ كَمَا لَا يَكُونُ لِمَنْ سَبَّلَ ثَمَرَهُ عَلَيْهِ بَيْعُ الْأَصْلِ وَلَا مِيرَاثِهِ ، فَكَانَ هَذَا مَالًا مُخَالِفًا لِكُلِّ مَالٍ سِوَاهُ ، لِأَنَّ كُلَّ مَالٍ سِوَاهُ يَخْرُجُ مِنْ مَالِكِهِ إِلَى مالك فَالْمَالِكُ يَمْلِكُ بَيْعَهُ وَهِبَتَهُ وَيَجُوزُ لِلْمَالِكِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ أَنْ يَمْلِكَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ يَدَيْهِ بِبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَمِيرَاثٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمِلْكِ وَيُجَامِعُ الْمَالُ الْمَحْبُوسُ الْمَوْقُوفُ الْعِتْقَ الَّذِي أَخْرَجَهُ مَالِكُهُ مِنْ مَالِهِ بِشَيْءٍ جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَى غَيْرِ مِلْكِ نَفْسِهِ , وَلَكِنْ مَلَّكَهُ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ بِلَا مِلْكٍ لِرَقَبَتِهِ كَمَا مَلَّكَ الْمُحْبِسُ مِنْ جَعْلِ مَنْفَعَةِ الْمَالِ لَهُ بِغَيْرِ مِلْكٍ مِنْهُ لِرَقَبَةِ الْمَالِ ، وَكَانَ بِإِخْرَاجِهِ الْمِلْكَ مِنْ يَدَيْهِ مُحَرِّمًا عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَمْلِكَ الْمَالَ بِوَجْهٍ أَبَدًا كَمَا كَانَ مُحَرِّمًا أَنْ يَمْلِكَ الْعَبْدَ بِشَيْءٍ أَبَدًا فَاجْتَمَعَا فِي مَعْنَيَيْنِ , وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُفَارِقَهُ فِي أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ غَيْرُ نَفْسِهِ كَمَا يَمْلِكُ مَنْفَعَةَ الْمَالِ مالك , وَذَلِكَ أَنَّ الْمَالَ لَا يَكُونُ مَالِكًا إنَّمَا يَمْلِكُ الْآدَمِيُّونَ , فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ لِمَالِهِ أَنْتَ حُرٌّ لَمْ يَكُنْ حُرًّا , وَلَوْ قَالَ : أَنْتَ مَوْقُوفٌ لَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا ، لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْ مَنْفَعَتَهُ أَحَدًا , وَهُوَ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ , فَقَدْ مَلَّكَهُ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ ، فَقَالَ : قَدْ قَالَ فِيهَا فُقَهَاءُ الْمَكِّيِّينَ وَحُكَّامُهُمْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا , وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ قَوْلَكَ , وَأَبُو يُوسُفَ حِينَ أَجَازَ الصَّدَقَاتِ ، قَالَ قَوْلَكَ فِي أَنَّهَا تَجُوزُ , وَإِنْ وَلِيَهَا صَاحِبُهَا حَتَّى يَمُوتَ , وَاحْتَجَّ فِيهَا بِأَنَّهُ إنَّمَا أَجَازَهَا اتِّبَاعًا وَأَنَّ الْمُتَصَدِّقِينَ بِهَا مِنَ السَّلَفِ وَلَوْهَا حَتَّى مَاتُوا , وَلَكِنَّا قَدْ ذَهَبْنَا فِيهَا وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ إِلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ مِلْكِهِ إِلَى مَنْ يَلِيهَا دُونَهُ فِي حَيَاتِهِ لِمَنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ كَانَتْ مُنْتَقَضَةً وَأَنْزَلَهَا مَنْزِلَةَ الْهِبَاتِ , وَتَابَعْنَا بَعْضَ الْمَدَنِيِّينَ فِيهَا وَخَالَفْنَا فِي الْهِبَاتِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَقُلْتُ لَهُ : قَدْ حَفِظْنَا عَنْ سَلَفِنَا مَا وَصَفْتَ وَمَا أَعْرِفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ التَّابِعِينَ أَنَّهُ أَبْطَلَ صَدَقَةً بِأَنْ لَمْ يَدْفَعْهَا الْمُتَصَدِّقُ بِهَا إِلَى وَالٍ فِي حَيَاتِهِ ، وَمَا هَذَا إلَّا شَيْءٌ أَحْدَثَهُ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً عَلَى أَحَدٍ ، وَمَا أَدْرِي لَعَلَّهُ سَمِعَ قَوْلَكُمْ , أَوْ قَوْلَ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ فِيهِ فَاتَّبَعَهُ ، فَقَالَ : وَأَنَا أَقُومُ بِهَذَا الْقَوْلِ عَلَيْكَ ، قُلْتُ لَهُ : هَذَا قَوْلٌ تُخَالِفُهُ فَكَيْفَ تَقُومُ بِهِ ؟ قَالَ : أَقُومُ بِهِ لِمَنْ قَالَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِكَ ، فَأَقُولُ : إنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحَلَ عَائِشَةَ جِدَادَ عِشْرِينَ وَسْقًا فَمَرِضَ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهُ ، فَقَالَ لَهَا : لَوْ كُنْتِ خَزَنْتِيهِ وَقَبَضْتِيهِ كَانَ لَكَ , وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ الْوَارِثِ , وَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْحَلُونَ أَبْنَاءَهُمْ نُحْلًا ثُمَّ يُمْسِكُونَهَا ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمْ قَالَ : مَالُ أَبِي نَحَلْنِيهِ , وَإِنْ مَاتَ ابْنُهُ قَالَ : مَالِي وَبِيَدِي لَا نِحْلَةَ إلَّا نِحْلَةٌ يَحُوزُهَا الْوَلَدُ دُونَ الْوَالِدِ حَتَّى يَكُونَ إِنْ مَاتَ أَحَقَّ بِهَا ، وَأَنَّهُ شَكَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَ عُمَرَ فَرَأَى أَنَّ الْوَالِدَ يَجُوزُ لِوَلَدِهِ مَا دَامُوا صِغَارًا , فَأَقُولُ : إنَّ الصَّدَقَاتِ الْمَوْقُوفَاتِ قِيَاسًا عَلَى هَذَا . وَلَا أَزْعُمُ مَا زَعَمْتَ مِنْ أَنَّهَا مُفْتَرِقَةٌ ، فَقُلْتُ لَهُ : أَفَرَأَيْتَ لَوِ اجْتَمَعَتْ هِيَ وَالصَّدَقَاتُ فِي مَعْنًى وَاخْتَلَفَتَا فِي مَعْنَيَيْنِ , أَوْ أَكْثَرُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَوْلَى بِتَأْوِيلٍ أَوِ التَّفْرِيقِ ؟ قَالَ : بَلِ التَّفْرِيقُ ، فَقُلْتُ لَهُ : أَفَرَأَيْتَ الْهِبَاتِ كُلَّهَا وَالنُّحْلَ وَالْعَطَايَا سِوَى الْوَقْفِ لَوْ تَمَّتْ لِمَنْ أُعْطِيهَا ثُمَّ رَدَّهَا عَلَى الَّذِي أَعْطَاهَا , أَوْ لَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ , أَوْ رَجَعَتْ إلَيْهِ بِمِيرَاثٍ , أَوْ شِرَاءٍ , أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمِلْكِ أَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يَمْلِكَهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ , قُلْتُ : وَلَوْ تَمَّتْ لِمَنْ أُعْطِيهَا حَلَّ لَهُ بَيْعُهَا وَهِبَتُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ , قُلْتُ : أَفَتَجِدُ الْوَقْفَ إذَا تَمَّ لِمَنْ وَقَفَ لَهُ يَرْجِعُ إِلَى مَالِكِهِ أَبَدًا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ , أَوْ يَمْلِكُهُ مَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ مِلْكًا يَكُونُ لَهُ فِيهِ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَأَنْ يَكُونَ مَوْرُوثًا عَنْهُ ؟ قَالَ : لَا , قُلْتُ : وَالْوُقُوفُ خَارِجُهُ مِنْ مِلْكِ مَالِكِهَا بِكُلِّ حَالٍ وَمَمْلُوكَةُ الْمَنْفَعَةِ لِمَنْ وَقَفْتَ عَلَيْهِ غَيْرُ مَمْلُوكَةِ الْأَصْلِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : أَفَتَرَى الْعَطَايَا تُشْبِهُ الْوُقُوفَ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ مِنْ مَعَانِيهَا ؟ قَالَ : فِي أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً ، قُلْتُ : كَذَلِكَ قُلْتَ أَنْتَ فَأَرَاكَ جَعَلْتَ قَوْلَكَ أَصْلًا ، قَالَ : قِسْتُهُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ إِنْ خَالَفَ بَعْضَ أَحْكَامِهِ ، قُلْتُ : فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ الشَّيْءُ بِخِلَافِهِ وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِمَا ذَكَرْتَ مِنَ الْعَطَايَا غَيْرِهَا ؟ أَوَرَأَيْتَ لَوْ قَالَ لَكَ قَائِلٌ : أَرَاكَ تَسْلُكُ بِالْعَطَايَا كُلِّهَا مَسْلَكًا وَاحِدًا ، فَأَزْعُمُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَوْجَبَ الْهَدْيَ عَلَى نَفْسِهِ بِكَلَامٍ , أَوْ سَاقَهُ , أَوْ قَلَّدَهُ أَوْ أَشْعَرَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَهَبَهُ وَيَرْجِعَ ، لِأَنَّهُ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ , وَلَمْ يَقْبِضُوهُ أَلَهُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : وَأَنْتَ تَقُولُ لَوْ دَفَعَ رَجُلٌ إِلَى وَالٍ مَالًا يَحْمِلُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهِ مُتَطَوِّعًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ يَدَي الْوَالِي بَلْ يَدْفَعُهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : مَا الْعَطَايَا بِوَجْهٍ وَاحِدٍ ، قُلْتُ : فَعَمَدْتَ إِلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَجَاءَتِ الْآثَارُ بِإِجَازَتِهِ مِنَ الصَّدَقَاتِ الْمُحَرَّمَاتِ فَجَعَلْتَهُ قِيَاسًا عَلَى مَا يُخَالِفُهُ ، وَامْتَنَعْتَ مِنْ أَنْ تَقِيسَ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ مِمَّا لَا أَصْلَ فِيهِ تُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، قَالَ : وَقُلْتُ لَهُ : لَوْ قَالَ لَكَ قَائِلٌ : أَنَا أَزْعُمُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَجُوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً ، قَالَ : وَكَيْفَ تَكُونُ الْوَصِيَّةُ مَقْبُوضَةً ؟ قُلْتُ : بِأَنْ يَدْفَعَهَا الْمُوصِي إِلَى الْمُوصَى لَهُ ، وَيَجْعَلَهَا لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنْ مَاتَ جَازَتْ , وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهَا لَمْ تَجُزْ , كَمَا أَعْتَقَ رَجُلٌ مَمَالِيكَ لَهُ فَأَنْزَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِيَّةً , وَكَمَا يَهَبُ فِي الْمَرَضِ فَيَكُونُ وَصِيَّةً ، قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، قُلْتُ : فَإِنْ قَالَ لَكَ وَلِمَ ؟ قَالَ : أَقُولُ : لِأَنَّ الْوَصَايَا مُخَالِفَةٌ لِلْعَطَايَا فِي الصِّحَّةِ ، قُلْتُ : فَأَذْكُرُ مَنْ قَالَ لَكَ يَجُوزُ بِغَيْرِ مَا وَصَفْنَا مِنَ السَّلَفِ ، قَالَ : مَا أَحْفَظُهُ عَنِ السَّلَفِ وَمَا أَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلَافًا ، قُلْنَا : فَبَانَ لَكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الْعَطَايَا , قَالَ : مَا وَجَدُوا بُدًّا مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا ، قُلْتُ : وَالْوَصَايَا بِالْعَطَايَا أَشْبَهُ مِنَ الْوَقْفِ بِالْعَطَايَا , فَإِنَّ لِلْمُوصِي أَنْ يَرْجِعَ فِي وَصِيَّتِهِ بَعْدَ الْإِشْهَادِ عَلَيْهَا وَيَرْجِعَ فِي مَالِهِ إِنْ مَاتَ مَنْ أَوْصَى لَهُ بِهَا , أَوْ رَدَّهَا فَكَيْفَ بَايَنْتَ بَيْنَ الْعَطَايَا وَالْوَصَايَا سِوَاهَا وَامْتَنَعْتَ مِنَ الْمُبَايَنَةِ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْعَطَايَا سِوَاهُ وَأَنْتَ تُفَرِّقُ بَيْنَ الْعَطَايَا سِوَاهُ فَرْقًا بَيِّنًا فَنَقُولُ فِي الْعُمْرَى هِيَ لِصَاحِبِهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا , وَلَا تَقُولُ هَذَا فِي الْعَارِيَّةِ , وَلَا الْعَطِيَّةُ غَيْرُ الْعُمْرَى , قَالَ بِالسُّنَّةِ ، قُلْتُ : وَإِذَا جَاءَتِ السُّنَّةُ اتَّبَعْتهَا ؟ قَالَ : فَذَلِكَ يَلْزَمُنِي ، قُلْتُ : فَقَدْ وَصَفْتُ لَكَ فِي الْوَقْفِ السُّنَّةَ وَالْخَبَرَ الْعَامَّ عَنِ الصَّحَابَةِ , وَلَمْ تَتَّبِعْهُ , وَقُلْتُ لَهُ : أَرَأَيْتَ النِّحَلَ وَالْهِبَةَ وَالْعَطَايَا غَيْرَ الْوَقْفِ ، أَلِصَاحِبِهَا أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا مَا لَمْ يَقْبِضْهَا مَنْ جَعَلَهَا لَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ , قُلْتُ : فَمَنْ تَقَوَّيْتَ بِهِ فَمَنْ قَالَ قَوْلَكَ مِنْ أَصْحَابِنَا يَقُولُ : لَا يَرْجِعْ فِيهَا , وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ يَقْبِضُهَا مَنْ أُعْطِيهَا رَجَعَتْ مِيرَاثًا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْوَقْفِ فَيُسَوِّي بَيْنَ قَوْلَيْهِ , قَالَ : فَهَذَا قَوْلٌ لَا يَسْتَقِيمُ , وَلَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قُلْتَ إذَا تَكَلَّمَ بِالْوَقْفِ أَوِ الْعَطِيَّةِ ، تَمَّتْ لِمَنْ جَعَلَهَا لَهُ وَجَبَرَ عَلَى إعْطَائِهَا إيَّاهُ , وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ مَعَ الْعَطَايَا فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ مَا لَمْ تَتِمَّ بِقَبْضِ مَنْ أُعْطِيهَا , وَلَا يَجُوزُ أَبَدًا أَنْ يَكُونَ لَهُ حَبْسُهَا إذَا تَكَلَّمَ بِإِعْطَائِهَا , وَلَا يَكُونُ لِوَارِثِهِ مِلْكُهَا عَنْهُ إذَا لَمْ تَرْجِعْ فِي حَيَاتِهِ إِلَى مِلْكِهِ لَمْ تَرْجِعْ فِي وَفَاتِهِ إِلَى مِلْكِهِ فَتَكُونُ مَوْرُوثَةً عَنْهُ , وَهَذَا قَوْلٌ مُحَالٌ , وَكُلُّ مَا وَهَبْتُ لَكَ فَلِي الرُّجُوعُ فِيهِ مَا لَمْ تَقْبِضْهُ , أَوْ يُقْبَضْ لَكَ , وَهَذَا مِثْلُ أَنْ أَقُولَ قَدْ بِعْتُكَ عَبْدِي بِأَلْفٍ ، فَإِنْ قُلْتَ قَدْ رَجَعْتُ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ أَخْذَهُ كَانَ لِي الرُّجُوعُ ، وَكُلُّ أَمْرٍ لَا يَتِمُّ إلَّا بِأَمْرَيْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُمْلَكَ بِوَاحِدٍ ، فَقُلْتُ هَذَا كَمَا قُلْتَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ , وَلَكِنْ رَأَيْتُكَ ذَهَبْتَ إِلَى رَدِّ الصَّدَقَاتِ ، قَالَ : مَا عِنْدِي فِيهَا أَكْثَرُ مِمَّا وَصَفْتُ فَهَلْ لَكَ فِيهَا حُجَّةٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْتُ مِمَّا لَزِمَكَ بِهِ عِنْدَنَا إثْبَاتُ الصَّدَقَاتِ ؟ قَالَ : مَا عِنْدِي فِيهَا أَكْثَرُ مِمَّا وَصَفْتَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : قُلْتُ : فَفِيمَا وَصَفْتَ أَنَّ صَدَقَاتِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَعْرُوفَةٌ قَائِمَةٌ , وَقَدْ وَرِثَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ النِّسَاءُ الْغَرَائِبُ وَالْأَوْلَادُ ذَوُو الدِّينِ وَالْإِهْلَاكِ لِأَمْوَالِهِمْ وَالْحَاجَةُ إِلَى بَيْعِهِ فَمَنَعَهُمُ الْحُكَّامُ فِي كُلِّ دَهْرٍ إِلَى الْيَوْمِ فَكَيْفَ أَنْكَرْتَ إجَازَتَهَا مَعَ عُمُومِ الْعِلْمِ ؟ وَأَنْتَ تَقُولُ : لَوْ أَخْرَجَ رَجُلٌ بَيْتًا مِنْ دَارِهِ فَبَنَاهُ مَسْجِدًا وَأَذَّنَ فِيهِ لِمَنْ صَلَّى وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِوَقْفِهِ كَانَ وَقْفًا لِلْمُصَلِّينَ , وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَعُودَ فِي مِلْكِهِ إذَا أَذَّنَ لَلْمُصَلِّينَ فِيهِ , وَفِي قَوْلِكَ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ مِلْكِهِ , وَلَوْ كَانَ إذْنُهُ فِي الصَّلَاةِ إخْرَاجَهُ مِنْ مِلْكِهِ كَانَ إخْرَاجُهُ إِلَى غَيْرِ مالك بِعَيْنِهِ فَكَانَ مِثْلَ الْحَبْسِ الَّذِي يَلْزَمُكَ إطْلَاقُهَا لِحَدِيثِ شُرَيْحٍ فَعَمَدْتَ إِلَى مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنَ الْوَقْفِ فِي الْأَمْوَالِ وَالدُّورِ وَمَا أَخْرَجَهُ مَالِكُهُ مِنْ مِلْكِ نَفْسِهِ فَأَبْطَلْتَهُ بِعِلَّةٍ وَأَجَزْتَ الْمَسْجِدَ بِلَا خَبَرٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ جَاوَزْتَ الْقَصْدَ فِيهِ فَأَخْرَجْتَهُ مِنْ مِلْكِ صَاحِبِهِ , وَلَمْ يُخْرِجْهُ صَاحِبٌ مِنْ مِلْكِهِ إنَّمَا يُخْرِجُهُ بِالْكَلَامِ وَأَنْتَ تَعِيبُ عَلَى الْمَدَنِيِّينَ أَنْ يَقْضُوا بِحِيَازَةِ عَشَرَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً . إذَا حَازَ الرَّجُلُ الدَّارَ وَالْمَحُوزُ عَلَيْهِ حَاضِرٌ يَرَاهُ يَبْنِيهَا وَيَهْدِمُهَا , وَهُوَ يَبِيعُ الْمَنَازِلَ لَا يُكَلِّمُهُ فِيهَا ، وَقُلْتَ : الصَّمْتُ وَالْحَوْزُ لَا يُبْطِلُ الْحَقَّ إنَّمَا يُبْطِلُهُ الْقَوْلُ ، وَتَجْعَلُ إذْنَ صَاحِبِ الْمَسْجِدِ وَهُوَ لَمْ يَنْطِقْ بِوَقْفِهِ وَقْفًا فَتَزْكَنُ عَلَيْهِ ، وَتَعِيبُ مَا هُوَ أَقْوَى فِي الْحُجَّةِ مِنْ قَوْلِ الْمَدَنِيِّينَ فِي الْحِيَازَةِ مِنْ قَوْلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَتَقُولُ هَذَا وَهُوَ إزْكَانٌ , وَقُلْتُ لَهُ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَذِنَ فِي دَارِهِ لِلْحَاجِّ أَنْ يَنْزِلُوهَا سَنَةً , أَوْ سَنَتَيْنِ أَتَكُونُ صَدَقَةً عَلَيْهِمْ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَهُ مَنْعُهُمْ مَتَى شَاءَ مِنَ النُّزُولِ فِيهَا , قُلْتُ : فَكَيْفَ لَمْ تَقُلْ هَذَا فِي الْمَسْجِدِ يُخْرِجُهُ مِنَ الدَّارِ , وَلَا يَتَكَلَّمُ بِوَقْفِهِ ، فَقَالَ : إنَّ صَاحِبَيْنَا قَدْ عَابَا قَوْلَ صَاحِبِهِمْ وَصَارَا إِلَى قَوْلِكُمْ فِي إجَازَةِ الصَّدَقَاتِ , فَقُلْتُ لَهُ : مَا زَادَ قَوْلُنَا قُوَّةً بِنُزُوعِهِمَا إلَيْهِ , وَلَا ضَعْفًا بِفِرَاقِهِمَا حِينَ فَارَقَاهُ , وَلَهُمَا بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ أَسْعَدُ , وَمَا عَلِمْتُهُمَا أَفَادَا حِينَ رَجَعَا إلَيْهِ عِلْمًا كَانَا يَجْهَلَانِهِ , قَالَ : وَلَكِنْ قَدْ يَصِحُّ عِنْدَهُمَا الشَّيْءُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَصِحَّ , فَقُلْتُ : اللَّهُ أَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ رُجُوعُهُمَا وَمَقَامُهُمَا ، وَالرُّجُوعُ بِكُلِّ حَالٍ خَيْرٌ لَهُمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَقُلْتُ لَهُ : أَيَجُوزُ لِعَالِمٍ أَنْ يَأْتِيَهُ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرٍ مَنْصُوصٍ فَيَقُولُ بِهِ ، وَإِنْ عَارَضَهُ مُعَارِضٌ بِخَبَرٍ غَيْرِ مَنْصُوصٍ فَيَقُولُ بِهِ ، ثُمَّ يَأْتِي مِثْلُهُ فَلَا يَقْبَلُهُ وَيَصْرِفُ أَصْلًا إِلَى أَصْلٍ ؟ قَالَ : لَا , قُلْتُ : فَقَدْ فَعَلْتَ وَصَرَفْتَ الصَّدَقَاتِ إِلَى النِّحَلِ وَهُمَا مُفْتَرِقَانِ عِنْدَكَ ، وَقُلْتُ لَهُ : أَيَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَكَ الْحَدِيثُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّدَقَاتِ بِأَمْرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ تَصَدَّقُوا بِهَا وَوَلَوْهَا وَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ إلَّا الْجَائِزَ عِنْدَهُمْ , ثُمَّ يَقُولُونَ فِي النِّحَلِ عِنْدَهُمْ : إنَّمَا تَكُونُ بِأَنْ تَكُونَ مَقْبُوضَاتٍ , فَتَقُولُ : أَجَعَلُوا الصَّدَقَاتِ مِثْلَهُ ؟ قَالَ : لَا , قُلْتُ : فَقَدْ فَعَلْتَ ، قَالَ : فَلَوْ كَانَ هَذَا مَأْثُورًا عِنْدَهُمْ عَرَفَهُ الْحِجَازِيُّونَ , فَقُلْتُ : قَدْ ذَكَرْتُ لَكَ بَعْضَ مَا حَضَرَنِي مِنَ الْأَخْبَارِ عَلَى الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ قَوْلُ الْمَكِّيِّينَ , وَلَا أَعْلَمُ مِنْ مُتَقَدِّمِي الْمَدَنِيِّينَ أَحَدًا قَالَ بِخِلَافِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَوَصَفْتُ لَكَ أَنَّ أَهْلَ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ مِنْ آلِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ قَدْ ذَكَرُوا مَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ تَصَدَّقَ لَمْ يَزَلْ يَلِي صَدَقَتَهُ وَصَدَقَاتُهُمْ فِيهِ جَارِيَةٌ ، ثُمَّ ثَبَتَتْ قَائِمَةٌ مَشْهُورَةُ الْقِسْمِ وَالْمَوْضِعِ إِلَى الْيَوْمِ , وَهَذَا أَقْوَى مِنْ خَبَرِ الْخَاصَّةِ , فَقَالَ : فَمَا تَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ عَلَى ابْنِهِ , أَوْ ذِي رَحِمِهِ , أَوْ أَجْنَبِيٍّ بِصَدَقَةٍ غَيْرِ مُحَرَّمَةٍ , وَلَا فِي سَبِيلِ الْمُحَرَّمَةِ بِالتَّسْبِيلِ أَيَكُونُ لَهُ مَا لَمْ يَقْبِضْهَا الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا ؟ قُلْتُ : نَعَمْ , قَالَ : وَسَبِيلُهَا سَبِيلُ الْهِبَاتِ وَالنِّحَلِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : فَأَيْنَ هَذَا لِي ؟ قُلْتُ : مَعْنَى تَصَدَّقْتُ عَلَيْكَ مُتَطَوِّعًا مَعْنَى وَهَبْتُ لَكَ وَنَحَلْتُكَ ، لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ مِنْ مَالِي لَمْ يَلْزَمْنِي أَنْ أُعْطِيَكَهُ , وَلَا غَيْرَكَ أَعْطَيْتُكَ مُتَطَوِّعًا , وَهُوَ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ صَدَقَةٍ وَنِحَلٍ وَهِبَةٍ وَصِلَةٍ وَإِمْتَاعٍ وَمَعْرُوفٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَاءِ الْعَطَايَا ، وَلَيْسَ يَحْرُمُ عَلَيَّ لَوْ أَعْطَيْتُكَهُ فَرَدَدْتَهُ عَلَيَّ أَنْ أَمْلِكَهُ , وَلَوْ مِتُّ أَنْ أَرِثَهُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَيَّ لَوْ تَصَدَّقْتُ عَلَيْكَ بِصَدَقَةٍ مُحَرَّمَةٍ أَنْ أَمْلِكَهَا عَنْكَ بِمِيرَاثٍ أَوْ غَيْرِهِ , وَقَدْ لَزِمَهَا اسْمُ صَدَقَةٍ بِوَجْهٍ أَبَدًا ؟ قُلْتُ لَهُ : نَعَمْ . أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زيدَ الْأَنْصَارِيَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ