120 حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ° ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ° ، قَالَ : وَأَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ° ، عَنْ أَبِيهِ L-10000 ، عَنْ جَدِّهِ ° ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ وَحْدَهُ عَيْنًا إِلَى قُرَيْشٍ ، قَالَ : فَجِئْتُ إِلَى خَشَبَةِ خُبَيْبٍ ، وَأَنَا أَتَخَوَّفُ الْعُيُونَ فَرَقِيتُ فِيهَا ، فَحَلَلْتُ خُبَيْبًا فَوَقَعَ إِلَى الأَرْضِ ، فَانْتَبَذْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ ، ثُمَّ الْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَ لِخُبَيْبٍ أَثَرًا ، فَكَأَنَّمَا الأَرْضُ ابْتَلَعَتْهُ ، فَلَمْ تَظْهَرْ لِخُبَيْبٍ رُمَّةٌ حَتَّى السَّاعَةِ " . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ : " وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ ، فَإِنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ بَعَثَ بِهِ فِيمَا :
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق مع مولى له يقال له : نسطاس إلى التنعيم فأخرجه من الحرم ليقتله ، واجتمع إليه رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب ، فَقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل : أنشدك الله يا زيد ، أتحب أن مُحَمَّدا عندنا الآن مكانك ، فتضرب عنقه وأنك في أهلك . فَقال : " والله ما أحب أن مُحَمَّدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصبيه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي " ، قال : يقول أبو سفيان : ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب مُحَمَّد مُحَمَّدا ، ثم قتله نسطاس أَخْبَرَنِي أَحْمَد بن الجعد ، قال : حدثنا مُحَمَّد بن إسحاق المسيبي ، قال : حدثنا مُحَمَّد بن فليح ، عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب ، قال : " نزل عَبْد اللَّهِ وأبو أَحْمَد ابنا جحش ، حين قدما مهاجرين على عاصم بن ثابت ، وكنيته أبو سليمان وَقال عاصم : أبو سليمان وريش المقعد وهجنا من جلد ثور أجرد وذكر لنا الحرمي بن أبي العلاء عن الزُّبَيْر أن عاصما فيما قيل : كان يكنى أبا سفيان . قال وَقال في يوم الرجيع : أنا أبو سفيان مثلي راما أضرب كبش العارض القداما " . أَخْبَرَنِي الحرمي ، قال : حدثنا الزُّبَيْر ، قال : حدثنا إسماعيل بن عَبْد اللَّهِ ، عن إسماعيل بن إِبْرَاهِيم بن عقبة ، عن عمه ، قال : " كنية الأحوص أبو مُحَمَّد ، وأمه أثيلة بنت عمير بن مخشي ، وكان أحمر أحوص العينين " . قال الزُّبَيْر : فحَدَّثَنِي مُحَمَّد بن يحيى ، قال : " قدم الفرزدق المدينة ثم خرج منها ، فسئل عن شعرائها ، فَقال : رأيت بها شاعرين وعجبت لهما : أحدهما أخضر يسكن خارجا من بطحان ، يريد ابن هرمة ، والآخر أحمر كأنه وحرة على برودة في شعره يريد الأحوص . والوحرة : يعسوب أحمر ينزل الأنبار . وَقال الأحوص يهجو نفسه ويذكر حوصه : أقبح به من ولد وأشقح مثل جري الكلب لم يفقح إن ير سوءا لم يقم فينبح بالباب عند حاجة المستفتح قال الزُّبَيْر : ولم يبق للأحوص من ولده غير رجلين " . قال الزُّبَيْر : وجعل مُحَمَّد بن سلام الأحوص ، وابن قيس الرقيات ، ونصيبا ، وجميل بن معمر طبقة سادسة من شعراء الإسلام ، وجعله بعد ابن قيس ، وبعد نصيب . قال أبو الفرج : والأحوص ، لولا ما وضع به نفسه من دنيء الأخلاق والأفعال ، أشد تقدما منهم عند جماعة أهل الحجاز وأكثر الرواة ، وهو أسمح طبعا وأسهل كلاما وأصح معنى منهم ، ولشعره رونق وديباجة صافية ، وحلاوة وعذوبة ألفاظ ليست لواحد منهم . وكان قليل المروءة والدين ، هجاء للناس ، مأبونا فيما يروى عنه . أَخْبَرَنِي الحسين بن يحيى ، عن حماد ، عن أبيه ، قال : حَدَّثَنِي أبو عبيدة ، أن جماعة من أهل المدينة أخبروه : " أن السبب في جلد سليمان بن عبد الملك أو الوليد بن عبد الملك إياه ، ونفيه له أن شهودا شهدوا عليه عنده أنه قال : إذا أخذت جريري لم أبال أي الثلاثة لقيت ناكحا ، أو منكوحا ، أو زانيا قَالُوا : وانضاف إلى ذلك أن سكينة بنت الحسين رضي الله عنهما فخرت يوما برَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ففاخرها بقصيدته التي يقول فيها : ليس جهل أتيته ببديع فزاده ذلك حنقا عليه وغيظا حتى نفاه " . أَخْبَرَنِي أَحْمَد بن عَبْد الْعَزِيزِ الجوهري ، قال : حدثنا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ : " أن الأحوص كان يوما عند سكينة ، فأذن المؤذن ، فلما قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن مُحَمَّدا رَسُول اللَّهِ ، فخرت سكينة بما سمعت ، فَقال الأحوص : فخرت وانتمت فقلت ذريني ليس جهل أتيته ببديع فأنا ابن الذي حمت لحمه الدبر قتيل اللحيان يوم الرجيع غسلت خالي الملائكة الأبرار ميتا طوبى له من صريع قال أبو زيد : وقد لعمري فخر بفخر لو على غير سكينة فخر به ، وبأبي سكينة حمت أباه الدبر ، وغسلت خاله الملائكة " . أَخْبَرَنِي الحرمي بن أبي العلاء ، قال : حدثنا الزُّبَيْر بن بكار ، قال : حَدَّثَنِي مُحَمَّد ابن يحيى ، عن أيوب بن عمر ، عن أبيه ، قال : " لما جاء ابن حزم عمله من قبل سليمان بن عبد الملك على المدينة والحج ، جاءه ابن أبي جهم بن حذيفة ، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف ، وسراقة فدخلوا عليه فَقَالُوا له : إيه يا ابن حزم ، ما الذي جاء بك ؟ قال : استعملني والله أمير المؤمنين على المدينة على رغم أنف من رغم أنفه . فَقال له ابن أبي جهم : يا ابن حزم ، فإني أول من يرغم من ذلك أنفه . قال : فَقال ابن حزم : صادق والله يحب الصادقين . فَقال الأحوص : سليمان إذ ولاك ربك حكمنا وسلطاننا فاحكم إذا قلت واعدل يؤم حجيج المسلمين ابن فرتنى فهب ذاك حجا ليس بالمتقبل فَقال ابن أبي عتيق للأحوص : الحمد لله يا أحوص إذ لم أحج ذلك العام بنعمة ربي وشكره . قال : الحمد لله الذي صرف ذلك عنك يا ابن أبي بكر الصديق ، فلم يضلل دينك ، ولم تعن نفسك ، وترما يغيظك ويغيظ المسلمين معك " . أَخْبَرَنِي الحرمي ، قال : حدثنا الزُّبَيْر ، قال : حَدَّثَنِي عبد الرحمن بن عَبْد اللَّهِ ، عن عمه موسى بن عَبْد الْعَزِيزِ ، قال : " وفد الأحوص على الوليد بن عبد الملك وامتدحه ، فأنزله منزلا وأمر بمطبخه أن يمال عليه ، ونزل على الوليد بن عبد الملك شعيب بن عَبْد اللَّهِ بن عمرو بن العاصي ، فكان الأحوص يراود وصفاء للوليد خبازين عن أنفسهم ويريدهم أن يفعلوا به ، وكان شعيب قد غضب على مولى له ونحاه ، فلما خاف الأحوص أن يفتضح بمراودته الغلمان ، اندس لمولى شعيب ذلك فَقال : ادخل على أمير المؤمنين ، فاذكر له أن شعيبا أرادك عن نفسك ففعل المولى ذلك فالتفت الوليد إلى شعيب فَقال : ما يقول هذا ؟ فَقال : لكلامه غورا يا أمير المؤمنين ، فاشدد به يدك يصدقك فشدد عليه فَقال : أمرني بذلك الأحوص . فَقال : قيم الخبازين : أصلحك الله إن الأحوص يراود الخبازين عن أنفسهم . فأرسل به الوليد إلى ابن حزم بالمدينة ، وأمره أن يجلده مائة ، ويصب على رأسه زيتا ، ويقيمه على البلس ، ففعل ذلك به . فَقال وهو على البلس أبياته التي يقول فيها : ما من مصيبة نكبة أمنى بها إلا تشرفني وترفع شاني " . أَخْبَرَنِي أَحْمَد بن عَبْد الْعَزِيزِ ، قال : حدثنا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ ، قال : حَدَّثَنِي أيوب بن عمر ، قال : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّهِ بن عمران بن أبي فروة ، قال : " رأيت الأحوص حين وقفه ابن حزم على البلس في سوق المدينة وإنه ليصيح ويقول : ما من مصيبة نكبة أمنى بها إلا تعظمني وترفع شاني وتزول حين تزول عن متخمط تخشى بوادره على الأقران إني إذا خفي اللئام رأيتني كالشمس لا تخفى بكل مكان " . قال : وهجا الأحوص ابن حزم بشعر كثير منه : أقول وأبصرت ابن حزم بن فرتنى وقوفا له بالمأزمين القبائل ترى فرتنى كانت بما بلغ ابنها مصدقة لو قال ذلك قائل . أَخْبَرَنِي الحرمي ، قال : حدثنا الزُّبَيْر ، عن أبي عبيدة ، قال : " كل أمة يقال لها فرتنى " وأخبرنا أبو خليفة ، عن مُحَمَّد بن سلام ، قال : " فرتنى : الأمة بنت الأمة ، قال الزُّبَيْر : فَقال ابن حزم حين سمع قول الأحوص فيه ابن فرتنى لرجل من قومه له علم : أنحن من ولد فرتنى ؟ أو تعرفها ؟ فَقال : لا والله ، قال : ولا أنا أعلم والله ذلك . ولقد عضهني به ، ولو كانت ولدتني لم أجهل ذلك . قال الزُّبَيْر : وحَدَّثَنِي عمي مصعب ، عن عَبْد اللَّهِ بن مُحَمَّد بن عمارة ، قال : " فرتنى أم لهم في الجاهلية من بلقين ، كانوا يسبون بها ، لا أدري ما أمرها ، قد طرحوها من كتاب النسب ، وهي أم خالد بنت خالد بن سنان بن وهب ابن لوذان الساعدية أم بني حزم " . أَخْبَرَنِي الحرمي ، قال : حدثنا الزُّبَيْر ، قال : حَدَّثَنِي عبد الملك بن عَبْد الْعَزِيزِ ، عن يوسف بن الماجشون ، " أن الأحوص قال لابن حزم : لعمري لقد أجرى ابن حزم بن فرتنى إلى غاية فيها السمام المثمل وقد قلت مهلا آل حزم بن فرتنى ففي ظلمنا صاب ممر وحنظل وهي طويلة ، وَقال أيضا : أهوى أمية إن شطت وإن قربت يوما وأهدي لها نصحي وأشعاري ولو وردت عليها الفيض ما حفلت ولا شفت عطشي من مائه الجاري لا تأوين لحزمي رأيت به ضرا ولو طرح الحزمي في النار الناخسين بمروان بذي خشب والمقحمين على عثمان في الدار " . أخبرنا الحرمي ، قال : حدثنا الزُّبَيْر ، قال : حَدَّثَنِي جماعة من مشايخ الأنصار : " إن ابن حزم لما جلد الأحوص ووقفه على البلس يضربه ، جاءه بنو زريق فدفعوا عنه ، واحتملوه من أعلى البلس . فَقال في ذلك ، قال ابن الزُّبَيْر : أنشدنيه عبد الملك بن الماجشون ، عن يوسف بن أبي سلمة الماجشون : إما تصبني المنايا وهي لاحقة وكل جنب له قد حم مضطجع فقد جزيت بني حزم بظلمهم وقد جزيت زريقا بالذي صنعوا قوم أبى طبع الأخلاق أولهم فهم على ذاك من أخلاقهم طبعوا وإن أناس ونوا عن كل مكرمة وضاق باعهم عن وسعهم وسعوا إني رأيت غداة السوق محضرهم إذ نحن ننظر ما يتلى ونستمع " . أَخْبَرَنِي الحرمي ، قال : حدثنا الزُّبَيْر ، قال : حَدَّثَنِي عمر بن أبي بكر المؤملي ، قال : حَدَّثَنِي غير واحد من أهل العلم : " أن أبا بكر بن مُحَمَّد بن عمرو بن حزم جلد الأحوص في الخنث ، وطاف به وغربه إلى دهلك في محمل عريانا فَقال الأحوص وهو يطاف به : ما من مصيبة نكبة أبلى بها ، الأبيات ، وزاد فيها : إني على ما قد ترون محسد أنمى على البغضاء والشنآن أصبحت للأنصار فيما نابهم خلفا وللشعراء من حسان قال الزُّبَيْر : ومما ضرب فيه أيضا قوله : شر الحزاميين ذو السين منهم وخير الحزامين يعدله الكلب فإن جئت شيخا من حزام وجدته من النوك والتقصير ليس له قلب فلو سبني عون إذا لسببته بشعري أو بعض الألى جدهم كعب عون ، يعني عون بن مُحَمَّد بن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله . وكعب يعني كعب بن لؤي : أولئك أكفاء لبيتي بيوتهم ولا تستوي الأعلاث والأقدح القضب " . أَخْبَرَنِي الحرمي بن أبي العلاء ، قال : حدثنا الزُّبَيْر ، قال : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن ثابت الأنصاري ، عن مُحَمَّد بن فضالة ، قال : " كان الأحوص بن مُحَمَّد الأنصاري قد أوسع قومه هجاء فملاهم شرا ، فلم يبق له فيهم صديق إلا فتى من بني جحجبى ، فلما أراد الأحوص الخروج إلى يزيد بن عبد الملك نهض الفتى في جهازه ، وقام بحوائجه وشيعه ، فلما كان بسقاية سليمان ، وركب الأحوص محمله أقبل على الفتى فَقال : لا أخلف الله عليك بخير . فَقال : مه ، غفر الله لك . قال الأحوص : لا والله أو أعلقها حربا . يعني قباء وبني عمرو بن عوف " . أَخْبَرَنِي أَحْمَد بن عَبْد الْعَزِيزِ ، قال : حدثنا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ ، قال : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن يحيى ، قال : قال غسان بن عبد الحميد : " أقبل الأحوص حتى وقف على معن بن حميد الأنصاري أحد بني عمرو بن عوف بن جحجبى ، فَقال : رأيتك مزهوا كأن أباكم صهيبة أمسى خير عوف مركبا تقربكم كوثى إذا ما نسبتم وتنكركم عمر بن عوف بن جحجبى عليك بأدنى الخطب إن أنت نلته وأقصر فلا يذهب بك التيه مذهبا فقام إليه بنوه ومواليه فَقال : دعوا الكلب ، خلوا عنه ، لا يمسه أحد منكم ، فانصرف حتى إذا كان عند أحجار المراء بقباء لقيه ابن أبي جرير أحد بني العجلان ، وكان شديدا ضابطا ، فَقال له الأحوص : إن بقوم سودوك لحاجة إلى سيد لو يظفرون بسيد فألقى ثيابه وأخذ بحلق الأحوص ، ومع الأحوص راويته ، وجاء الناس ليخلصوه فحلف لئن خلصه أحد من يديه ليأخذنه وليدعن الأحوص ، فخنقه حتى استرخى ، وتركه حتى أفاق ثم قال له كل مملوك لي حر ، لئن سمع أو سمعت هذا البيت من أحد من الناس لأضربنك ضربة بسيفي أريد بها نفسك ، ولو كنت تحت أستار الكعبة . فأقبل الأحوص على راويته فَقال : إن هذا مجنون ولم يسمع هذا البيت غيرك ، فإياك أن يسمعه منك خلق " . أَخْبَرَنِي الحرمي ، والطوسي ، قالا : حدثنا الزُّبَيْر بن بكار ، قال : حَدَّثَنِي بعض أصحابنا : " أن الأحوص مر بعباد بن حمزة بن عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْر ، ومُحَمَّد بن مصعب بن الزُّبَيْر بخيمتي أم معبد ، وهما يريدان الحج مرجعه من عند يزيد بن عبد الملك ، وهو على نجيب له فاره ، ورحل فاخر ، وبزة مرتفعة ، فحدثهما أنه قدم على يزيد بن عبد الملك ، فأجازه وكساه وأخدمه ، فلم يرهما يهشان لذلك ، فجعل يقول : خيمتي أم معبد ، عباد ومُحَمَّد ، كأنه يروض القوافي للشعر يريد قوله . فَقال له مُحَمَّد بن مصعب : إني أراك في تهيئة شعر وقواف ، وأراك تريد أن تهجونا ، وكل مملوك لي حر لئن هجوتنا بشيء إن لم أضربك بالسيف مجتهدا على نفسك . فَقال الأحوص : جعلني الله فداك إني أخاف أن تسمع هذا في عدوا فيقول شعرا يهجوكما به فينحلنيه ، وأنا أبرئكما الساعة ، كل مملوك لي حر إن هجوتكما ببيت شعر أبدا " . أَخْبَرَنِي الحرمي ، قال : حدثنا الزُّبَيْر ، قال : حَدَّثَنِي عمي مصعب ، قال : حدثنا الزُّبَيْر ابن خبيب ، عن أبيه خبيب بن ثابت ، قال : " خرجنا مع مُحَمَّد بن عباد بن عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْر إلى العمرة ، فإنا لبقرب قديد إذ لحقنا الأحوص الشاعر على جمل برحل فَقال : الحمد لله الذي وفقكم لي ، ما أحب أنكم غيركم ، وما زلت أحرك في آثاركم مذ رفعتم لي ، فقد ازددت بكم غبطة . فأقبل عليه مُحَمَّد ، وكان صاحب جد يكره الباطل وأهله ، فَقال : لكنا والله ما اغتبطنا بك ولا نحب مسايرتك ، فتقدم عنا أو تأخر . فَقال : والله ما رأيت كاليوم جوابا قال : هو ذاك . قال : وكان مُحَمَّد صاحب جد يكره الباطل وأهله ، فأشفقنا مما صنع ، ومعه عدة من آل الزُّبَيْر ، فلم يقدر أحد منهم أن يرد عليه . قال : وتقدم الأحوص ، ولم يكن لي شأن غير أن أعتذر إليه ، فلما هبطنا من المشلل على خيمتي أم معبد سمعت الأحوص يهمهم بشيء فتفهمته ، فإذا هو يقول خيمتي أم معبد ، مُحَمَّد ، كأنه يهيئ القوافي ، فأمسكت راحلتي حتى جاءني مُحَمَّد فقلت : إني سمعت هذا يهيئ لك القوافي ، فإما أذنت لنا أن نعتذر إليه ونرضيه ، وإما خليت بيننا وبينه فنضربه ، فإنا لا نصادفه في أخلى من هذا المكان . قال : كلا إن سعد بن مصعب قد أخذ عليه ألا يهجو زبيريا أبدا ، فإن فعل رجوت أن يخزيه الله ، دعه " . قال الزُّبَيْر : وأما خبره مع سعد بن مصعب ، فحَدَّثَنِي به عمي مصعب ، قال : أَخْبَرَنِي يحيى بن الزُّبَيْر بن عباد ، أو مصعب بن عثمان ، شك أيهما حدثه ، قال : " كانت أمة الملك بنت حمزة بن عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْر ، تحت سعد بن مصعب بن الزُّبَيْر ، وكان فيهم مأتم ، فاتهمته بامرأة ، فغارت عليه وفضحته ، فَقال الأحوص يمازحه : وليس بسعد النار من تزعمونه ولكن سعد النار سعد بن مصعب ألم تر أن القوم ليلة نوحهم بغوه فألفوه على شر مركب فما يبتغي بالغي لا در دره وفي بيته مثل الغزال المربب قال : وسعد النار رجل يقال له : سعد حضنة ، وهو الذي جدد لزياد بن عبيد الله الحارثي الكتاب الذي في جدار المسجد ، وهو آيات من القرآن أحسب أن منها : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ سورة النحل آية 90 ، فلما فرغ منه قال لزياد : أعطني أجري . فَقال له زياد : انتظر ، فإذا رأيتنا نعمل بما كتبت ، فخذ أجرك . قال : فعمل سعد بن مصعب سفرة ، وَقال للأحوص : اذهب بنا إلى سد عبيد الله بن عمر نتغد عليه ، ونشرب من مائه ، ونستنقع فيه ، فذهب معه ، فلما صارا إلى الماء أمر غلمانه أن يربطوه وأراد ضربه ، وَقال : ما جزعت من هجائك إياي ، ولكن ما ذكرك زوجتي ؟ فَقال له : يا سعد ، إنك لتعلم أنك إن ضربتني لم أكفف عن الهجاء ، ولكن خير لك من ذلك : أحلف لك بما يرضيك ألا أهجوك ولا أحدا من آل الزُّبَيْر أبدا ، فأحلفه وتركه " . أَخْبَرَنِي الحرمي ، قال : حدثنا الزُّبَيْر ، قال : حَدَّثَنِي مصعب عمي ، عن مصعب بن عثمان ، قال : قال الأحوص لمجمع بن يزيد بن جارية : وجمعت من أشياء شتى خبيثة فسميت لما جئت منها مجمعا فَقال له مجمع : إني لا أحسن الشعر ، ثم أخذ كرنافة فغمسها في ماء فغاصت ، ثم رفع يده عنها فطفت فَقال : هكذا والله كانت تصنع خالاتك السواحر " أَخْبَرَنِي الحرمي ، قال : حدثنا الزُّبَيْر ، قال : " كانت امرأة يقال لها أم ليث امرأة صدق ، فكانت قد فتحت بينها وبين جارة لها من الأنصار خوخة ، وكانت الأنصارية من أجمل أنصارية خلقت . فكلم الأحوص أم ليث أن تدخله في بيتها يكلم الأنصارية من الخوخة التي فتحت بينها وبينها ، فأبت فَقال : أما لأكافئنك ثم قال : هيهات منك بنو عمر ومسكنهم إذا تشتيت قنسرين أو حلبا قامت تراءى وقد جد الرحيل بنا بين السقيفة والباب الذي نقبا إني لمانحها ودي ومتخذ بأم ليث إلى معروفها سببا فلما بلغت الأبيات زوج المرأة ، سد الخوخة ، فاعتذرت إليه أم ليث فأبى أن يقبل ويصدقها ، فكانت أم ليث تدعو على الأحوص " . أَخْبَرَنِي أَحْمَد بن عَبْد الْعَزِيزِ ، قال : حَدَّثَنِي عمر بن شبة ، قال : حَدَّثَنِي أبي ، قال : " ركب الأحوص إلى الوليد بن عبد الملك قبل ضرب ابن حزم إياه ، فلقيه رجل من بني مخزوم يقال له : مُحَمَّد بن عتبة ، فوعده أن يعينه ، فلما دخل على الوليد قال : ويحك ما هذا الذي رميت به يا أحوص ؟ قال : والله يا أمير المؤمنين ، لو كان الذي رماني به ابن حزم من أمر الدين لاجتنبته ، فكيف وهو من أكبر معاصي الله . فَقال ابن عتبة : يا أمير المؤمنين ، إن من فضل ابن حزم وعدله كذا وكذا وأثنى عليه . فَقال الأحوص : هذا والله كما قال الشاعر : وكنت كذئب السوء لما رأى دما بصاحبه يوما أحال على الدم " . فأما خبره في بقية أيام سليمان بن عبد الملك ، وعمر بن عَبْد الْعَزِيزِ ، فأَخْبَرَنِي به أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي ، قال : حدثنا عون بن مُحَمَّد بن سلام ، قال : حَدَّثَنِي أبي ، عمن حدثه ، عن الزهري ، وأَخْبَرَنِي به الطوسي ، والحرمي بن أبي العلاء ، قالا : حدثنا الزُّبَيْر بن بكار ، قال : حَدَّثَنِي عمي مصعب ، عن مصعب بن عثمان ، قال : " كان الأحوص ينسب بنساء ذوات أخطار من أهل المدينة ، ويتغنى في شعره معبد ومالك ويشيع ذلك في الناس ، فنهي فلم ينته ، فشكي إلى عامل سليمان بن عبد الملك على المدينة وسألوه الكتاب فيه إليه ، ففعل ذلك ، وكتب سليمان إلى عامله يأمره أن يضربه مائة سوط ، ويقيمه على البلس للناس ، ثم يصيره إلى دهلك ففعل ذلك به ، فثوى هناك سلطان سليمان بن عبد الملك ، ثم ولي عمر بن عَبْد الْعَزِيزِ فكتب إليه يستأذنه في القدوم ويمدحه ، فأبى أن يأذن له ، وكتب فيما كتب إليه به : أيا راكبا إما عرضت فبلغن هديت أمير المؤمنين رسائلي وقل لأبي حفص إذا ما لقيته لقد كنت نفاعا قليل الغوائل وكيف ترى للعيش طيبا ولذة وخالك أمسى موثقا في الحبائل هذه الأبيات من رواية الزُّبَيْر وحده ، ولم يذكرها ابن سلام قال : فأتى رجال من الأنصار عمر بن عَبْد الْعَزِيزِ فكلموه فيه وسألوه أن يقدمه ، وَقَالُوا له : قد عرفت نسبه وموضعه وقديمه ، وقد أخرج إلى أرض الشرك ، فنطلب إليك أن ترده إلى حرم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودار قومه . فَقال لهم عمر : فمن الذي يقول : فما هو إلا أن أراها فجاءة فأبهت حتى ما أكاد أجيب قَالُوا : الأحوص . قال : فمن الذي يقول : أدور ولولا أن أرى أم جعفر بأبياتكم ما درت حيث أدور وما كنت زوارا ولكن ذا الهوى إذا لم يزر لا بد أن سيزور قَالُوا : الأحوص . قال : فمن الذي يقول : كأن لبنى صبير غادية أو دمية زينت بها البيع الله بيني وبين قيمها يفر مني بها وأتبع قَالُوا : الأحوص . قال : بل الله بين قيمها وبينه . قال : فمن الذي يقول : ستبقى لها في مضمر القلب والحشا سريرة حب يوم تبلى السرائر قَالُوا : الأحوص . قال : إن الفاسق عنها يومئذ لمشغول ، والله لا أرده ما كان لي سلطان . قال فمكث هناك بقية ولاية عمر وصدرا من ولاية يزيد بن عبد الملك . قال : فبينا يزيد وجاريته حبابة ذات ليلة على سطح تغنيه بشعر الأحوص قال لها : من يقول هذا الشعر ؟ قالت : لا وعينيك ما أدري . قال : وقد كان ذهب من الليل شطره ، فَقال : ابعثوا إلى ابن شهاب الزهري ، فعسى أن يكون عنده علم من ذلك . فأتي الزهري فقرع عليه بابه ، فخرج مروعا إلى يزيد . فلما صعد إليه قال له يزيد : لا ترع ، لم ندعك إلا لخير ، اجلس ، من يقول هذا الشعر ؟ قال : الأحوص بن مُحَمَّد يا أمير المؤمنين ، قال : ما فعل ؟ قال : قد طال حبسه بدهلك . قال : قد عجبت لعمر كيف أغفله . ثم أمر بتخلية سبيله ، ووهب له أربع مائة دينار . فأقبل الزهري من ليلته إلى قومه من الأنصار فبشرهم بذلك " . أَخْبَرَنِي الحرمي ، قال : حدثنا الزُّبَيْر بن بكار ، قال : حدثنا مُحَمَّد بن إسماعيل ، ومُحَمَّد بن زيد الأنصاري ، قالا : " لما ولي عمر بن عَبْد الْعَزِيزِ الخلافة أدنى زيد بن أسلم ، وجفا الأحوص فَقال له الأحوص : ألست أبا حفص هديت مخبري أفي الحق أن أقصى ويدنى ابن أسلما فَقال عمر : ذلك هو الحق . قال الزُّبَيْر : وأنشدنيها عبد الملك بن الماجشون ، عن يوسف بن الماجشون : ألا صلة الأرحام أدنى إلى التقى وأظهر في أكفائه لو تكرما فما ترك الصنع الذي قد صنعته ولا الغيظ مني ليس جلدا وأعظما وكنا ذوي قربى لديك فأصبحت قرابتنا ثديا أجد مصرما وكنت وما أملت منك كبارق لوى قطره من بعد ما كان غيما وقد كنت أرجى الناس عندي مودة ليالي كان الظن غيبا مرجما أعدك حرزا إن جنيت ظلامة ومالا ثريا حين أحمل مغرما تدارك بعتبى عاتبا ذا قرابة طوى الغيظ لم يفتح بسخط له فما " . أَخْبَرَنِي الحرمي ، قال : حدثنا الزُّبَيْر بن بكار ، قال : كتب إلي إسحاق بن إِبْرَاهِيم ، أن أبا عبيدة حدثه : " أن الأحوص لم يزل مقيما بدهلك حتى مات عمر بن عَبْد الْعَزِيزِ ، فدس إلى حبابة فغنت يزيد بأبيات له ، قال أبو عبيدة : أظنها قوله : صوت أيهذا المخبري عن يزيد بصلاح فداك أهلي ومالي ما أبالي إذا يزيد بقي لي من تولت به صروف الليالي لم يجنسه . كذا جاء في الخبر أنها غنته به ، ولم يذكر طريقته ، قال أبو عبيدة : أراه عرض بعمر بن عَبْد الْعَزِيزِ ولم يقدر أن يصرح مع بني مروان ، فَقال : من يقول هذا ؟ قالت : الأحوص ، وهونت أمره ، وكلمته في أمانه فأمنه . فلما أصبح حضر فاستأذنت له ثم أعطاه مائة ألف درهم " . الحسين بن يحيى ، عن حماد ، عن أبيه ، عن الهيثم بن عدي ، عن صالح ابن حسان : " أن الأحوص دس إلى حبابة فغنت يزيد قوله : كريم قريش حين ينسب والذي أقرت له بالملك كهلا وأمردا وليس وإن أعطاك في اليوم مانعا إذا عدت من أضعاف أضعافه غدا أهان تلاد المال في الحمد إنه إمام هدى يجري على ما تعودا تشرف مجدا من أبيه وجده وقد ورثا بنيان مجد تشيدا فَقال يزيد : ويلك يا حبابة من هذا من قريش ؟ قالت : ومن يكون ؟ أنت هو يا أمير المؤمنين . فَقال : ومن قال هذا الشعر ؟ قالت : الأحوص يمدح به أمير المؤمنين ، فأمر به أمير المؤمنين أن يقدم عليه من دهلك ، وأمر له بمال وكسوة " . أَخْبَرَنِي الحرمي ، قال : حدثنا الزُّبَيْر ، قال : حَدَّثَنِي بعض أهل العلم ، قال : " دخل الأحوص على يزيد بن عبد الملك وهو خليفة ، فَقال له يزيد : والله لو لم تمت إلينا بحرمة ، ولا توسلت بدالة ، ولا جددت لنا مدحا ، غير أنك مقتصر على البيتين اللذين قلتهما فينا ، لكنت مستوجبا لجزيل الصلة مني حيث تقول : وإني لأستحييكم أن يقودني إلى غيركم من سائر الناس مطمع وأن أجتدي للنفع غيرك منهم وأنت إمام للرعية مقنع قال : وهذه قصيدة مدح بها عمر بن عَبْد الْعَزِيزِ " . أَخْبَرَنِي الحرمي ، قال : حدثنا الزُّبَيْر ، قال : حَدَّثَنِي عبد الرحمن بن عَبْد اللَّهِ الزهري ، قال : حَدَّثَنِي عمر بن موسى بن عَبْد الْعَزِيزِ ، قال : " لما ولي يزيد بن عبد الملك بعث إلى الأحوص ، فأقدم عليه فأكرمه وأجازه بثلاثين ألف درهم ، فلما قدم قباء صب المال على نطع ودعا جماعة من قومه ، وَقال : إني قد عملت لكم طعاما ، فلما دخلوا عليه كشف لهم عن ذلك المال ، وَقال : أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ سورة الطور آية 15 ، قال الزُّبَيْر : وَقال في يزيد بن عبد الملك يمدحه حينئذ بهذه القصيدة : صرمت حبلك الغداة نوار إن صرما لكل حبل قصار وهي طويلة ، يقول فيها : من يكن سائلا فإن يزيدا ملك من عطائه الإكثار عم معروفه فعز به الدين وذلت لملكه الكفار وأقام الصراط فابتهج الحق منيرا كما أنار النهار ومن هذه القصيدة بيتان يغني فيهما ، وهما :