124 فَأَخْبَرَنَا بِهِ أَحْمَدُ بْنُ عبَدِ الْعَزِيزِ الْجَوْهَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ ، قَالَ : قَالَ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحَارِبٍ ، " دَخَلَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، فَقَالَ : أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ : " وَأَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا لَيْلَى " ، قَالَ : أَلْحَقُ بِإِبِلِي ، فَأَشْرَبُ مِنْ أَلْبَانِهَا ، فَإِنِّي مُنْكِرٌ لِنَفْسِي ، فَقَالَ : " أَتَعَرُّبًا بَعْدَ الْهِجْرَةِ يَا أَبَا لَيْلَى ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ " ، قَالَ : مَا عَلِمْتُهُ وَمَا كُنْتُ لأَخْرُجَ حَتَّى أُعْلِمَكَ ، قَالَ : فَأَذِنَ لَهُ وَأَجَّلَ لَهُ فِي ذَلِكَ أَجَلا ، فَدَخَلَ عَلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ابْنَيْ عَلِيٍّ ، فَوَدَّعَهُمَا ، فَقَالا لَهُ : أَنْشِدْنَا مِنْ شِعْرِكَ يَا أَبَا لَيْلَى ، فَأَنْشَدَهُمَا : الْحَمْدُ لِلَّهِ لا شَرِيكَ لَهُ مَنْ لَمْ يَقُلْهَا فَنَفْسُهُ ظَلَمَا ، فَقَالا : يَا أَبَا لَيْلَى مَا كُنَّا نَرْوِي هَذَا الشَّعْرَ إِلا لأُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ ، فَقَالَ : يَا بَنِيَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي لَصَاحِبُ هَذَا الشِّعْرِ ، وَأَوَّلُ مَنْ قَالَهُ ، وَإِنَّ عَيْنَ السُّرُوقِ لَمَنْ سَرَقَ شِعْرَ أُمَيَّةَ "
قَالَ أَبُو زيد عُمَر بْن شبة في خبره : كان النابغة شاعرا متقدما ، وكان مغلبا ما هاجى قط إلا غلب ، هاجى أوس بْن مغراء ، وليلى الأخيلية ، وكعب بْن جعيل ، فغلبوه جميعا ، مهاجاته ، وأوس بْن مغراء ، وقال أَبُو عمرو الشيباني : كان بدء حديث النابغة وأوس بْن مغراء أن معاوية لما وجه بسر بْن أرطأة الفهري لقتل شيعة علي بْن أَبِي طالب رضي اللَّه تعالى عنه ، قام إليه معن بْن يزيد بْن الأخنس السلمي ، وزياد بْن الأشهب بْن ورد بْن عمرو بْن ربيعة بْن جعدة ، فقالا : يا أمير المؤمنين ، نسألك باللَّه وبالرحم ألا تجعل لبسر على قيس سلطانا ، فيقتل قيسا بمن قتلت بنو سليم من بني فهر ، وبني كنانة يوم دخل رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة ، فقال معاوية : يا بسر ، لا أمر لك على قيس ، وسار بسر حتى أتى المدينة ، فقتل ابني عبيد اللَّه ابن العباس وفر أهل المدينة ، ودخلوا الحرة حرة بني سليم ، ثم سار بسر حتى أتى الطائف ، فقالت له ثقيف : ما لك علينا سلطان نحن من قيس ، فسار حتى أتى همدان ، وهم في جبل لهم يقال له : شبام فتحصنت فيه همدان ، ثم نادوا يا بسر نحن همدان ، وهذا شبام ، فلم يلتفت إليهم حتى إذا اغتروا ونزلوا إلى قراهم أغار عليهم ، فقتل وسبى نساءهم ، فكن أول مسلمات سبين في الإسلام ومر بحي من بني سعد نزول بين ظهري بني جعدة بالفلج ، فأغار بسر على الحي السعديين ، فقتل منهم وأسر ، فقال أوس بْن مغراء في ذلك : مشرين ترعون النجيل وقد غدت بأوصال قتلاكم كلاب مزاحم المشر : الذي قد بسط ثوبه في الشمس ، والنجيل : جنس من الحمض . فقال النابغة : يجيبه : متى أكلت لحومكم كلابي أكلت يديك من جرب تهام أخبرنا أَبُو خليفة الفضل بْن الحباب ، مما أجاز لنا روايته عنه : من حديثه وأخباره ، مما ذكره منها ، عن مُحَمَّد بْن سلام الجمحي ، عن أَبِي الغراف ، وأخبرنا به أَحْمَد بْن عبد العزيز ، وحبيب بْن نصر ، قالا : حَدَّثَنَا عُمَر بْن شبة ، عن مُحَمَّد بْن سلام ، عن أَبِي الغراف ، " أن النابغة هاجى أوس بْن مغراء ، قَالَ : ولم يكن أوس مثله ، ولا قريبا منه في الشعر ، فقال النابغة : إني وإياه لنبتدر بيتا أينا سبق إليه غلب صاحبه ، فلما بلغه قول أوس : لعمرك ما تبلى سرابيل عامر من اللؤم ما دامت عليها جلودها قَالَ النابغة : هذا البيت الذي كنا نبتدر إليه ، فغلب أوس عليه " . قَالَ أَبُو زيد فحَدَّثَنِي المدائني أنهما اجتمعا في المربد ، فتنافرا وتهاجيا ، وحضرهما العجاج والأخطل وكعب بْن جعيل ، فقال أوس : لما رأت جعدة منا ووردا ولوا نعاما في البلاد ربدا إن لنا عليكم معدا كاهلها وركنها الأشدا ، فقال العجاج : كل امرئ يعدو بما استعدا وقال الأخطل : يعين أوس بْن مغراء ويحكم له . وإني لقاض بين جعدة عامر وسعد قضاء بين الحق فيصلا أَبُو جعدة الذئب الخبيث طعامه وعوف بْن كعب أكرم الناس أولا وقال كعب بْن جعيل : إني لقاض قضاء سوف يتبعه من أم قصدا ولم يعدل إلى أود فصلا من القول تأتم القضاة به ولا أجور ولا أبغي على أحد ناكت بنو عامر سعدا وشاعرها كما تنيك بنو عبس بني أسد مهاجاته ليلى الأخيلية ، وقال أَبُو عمرو الشيباني : كان سبب المهاجاة بين ليلى الأخيلية وبين الجعدي ، أن رجلا من قشير ، يقال له : ابن الحيا وهي أمه ، واسمه سوار بْن أوفى بْن سبرة ، هجاه وسب أخواله من أزد في أمر كان بين قشير وبين بني جعدة ، وهم بأصبهان متجاورون ، فأجابه النابغة بقصيدته التي يقال لها الفاضحة ، سميت بذلك لأنه ذكر فيها مساوي قشير وعقيل وكل ما كانوا يسبون به ، وفخر بمآثر قومه وبما كان لسائر بطون بني عامر سوى هذين الحيين من قشير وعقيل : جهلت علي ابن الحيا وظلمتني وجمعت قولا جاء بيتا مضللا وقال في هذه القصة أيضا : قصيدته التي أولها : إما ترى ظلل الأيام قد حسرت عني وشمرت ذيلا كان ذيالا وهي طويلة يقول فيها : ويوم مكة إذ ماجدتم نفرا حاموا على عقد الأحساب أزوالا عند النجاشي إذ تعطون أيديكم مقرنين ولا ترجون إرسالا إذ تستحبون عند الخذل أن لكم من آل جعدة أعماما وأخوالا ، لو تستطيعون أن تلقوا جلودكم وتجعلوا جلد عَبْد اللَّهِ سربالا ، يعني عَبْد اللَّهِ بْن جعدة بْن كعب : إذا تسربلتم فيه لينجيكم مما يقول ابن ذي الجدين إذ قالا حتى وهبتم لعَبْد اللَّهِ صاحبه والقول فيكم بإذن اللَّه ما فالا تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أَبوالا يعني بهذا البيت أن ابن الحيا فخر عليه بأنهم سقوا رجلا من جعدة أدركوه في سفر ، وقد جهد عطشا لبنا وماء فعاش . وقال في هذه القصة أيضا قصيدته التي أولها : أبلغ قشيرا والحريش فما ذا رد في أيديكم شتمي وفخر عليهم بقتل علقمة الجعفي يوم وادي نساح ، وقتل شراحيل بْن الأصهب الجعفي ، وبيوم رحرحان أيضا ، فقال فيه : هلا سألت بيومي رحرحان وقد ظنت هوازن أن العز قد زالا ، فلما ذكر ذلك النابغة ، قَالَ : تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أَبوالا ، ففخر بما له وغض مما لهم . ودخلت ليلى الأخيلية بينهما ، فقالت : وما كنت لو قاذفت جل عشيرتي لأذكر قعبي حازر قد تثملا ، وهي كلمة فلما بلغ النابغة قولها ، قَالَ : ألا حييا ليلى وقولا لها هلا فقد ركبت أيرا أغر محجلا وقد أكلت بقلا وخيما نباته وقد شربت من آخر الصيف أيلا ، يعني ألبان الأيل . دعي عنك تهجاء الرجال وأقبلي على أذلغي يملأ استك فيشلا وكيف أهاجي شاعرا رمحه استه خضيب البنان لا يزال مكحلا ، فردت عليه ليلى الأخيلية ، فقالت : أنابغ لم تنبغ ولم تك أولا وكنت صنيا بين صدين مجهلا الصني شعب صغير يسيل منه الماء . وصدان : جبلان أنابغ إن تنبغ بلؤمك لا تجد للؤمك إلا وسط جعدة مجعلا تعيرني داء بأمك مثله وأي حصان لا يقال لها هلا فغلبته فلما أتى بني جعدة قولها هذا ، اجتمع ناس منهم فقالوا : واللَّه لنأتين صاحب المدينة أو أمير المؤمنين ، فليأخذن لنا بحقنا من هذه الخبيثة ، فإنها قد شتمت أعراضنا ، وافترت علينا ، فتهيئوا لذلك ، وبلغها أنهم يريدون أن يستعدوا عليها ، فقالت : أتاني من الأنباء أن عشيرة بشوران يزجون المطي المذللا يروح ويغدو وفدهم بصحيفة ليستجلدوا لي ساء ذلك معملا ، وقد أخبرني ببعض هذه القصة أَحْمَد بْن عبد العزيز ، عن عُمَر بْن شبة ، فجاء بها مختلطة ، وهذا أوضح وأصح . يوم وادي نساح ، قَالَ أَبُو عمرو : فأما ما فخر به النابغة من الأيام فمنها ، يوم علقمة الجعفي ، فإنه غدا في مذحج ، ومعه زهير الجعفي ، فأتى بني عقيل بْن كعب ، فأغار عليهم ، وفي بني عقيل بطون من سليم يقال لهم : بنو بجلة ، فأصاب سبيا وإبلا كثيرة ، ثم انصرف راجعا بما أصاب ، فاتبعه بنو كعب ولم يلحق به من بني عقيل ، إلا عقال بْن خويلد بْن عامر بْن عقيل ، فجعل يأخذ أبعار إبل الجعفيين ، فيبول عليها حتى ينديها ، ثم يلحق ببني كعب ، فيقول : إيه ، فدى لكم أَبَوَايَ قد لحقتم القوم حتى وردوا عليهم النخيل في يوم قائظ ، ورأس زهير في حجر جارية من سليم من بني بجلة سباها يومئذ ، وهي تفليه ، وهو متوسد قطيفة حمراء وهي تضفر سعفاته ، أي أعلى رأسه بهدب القطيفة ، فلم يشعروا إلا بالخيل ، فكان أول من لحق زهيرا بْن النهاضة ، فضرب وجه زهير بقوسه حتى كسر أنفه ، ثم لحقه عقال بْن خويلد ، فبعج بطنه ، فسال من بطنه برير وحلب ، والبرير ثمر الأراك ، والحلب لبن كان قد اصطبحه . فذلك يوم يقول أَبُو حرب أخو عقال بْن خويلد : واللَّه لا أصطبح لبنا حتى آمن من الصباح ، قَالَ : وهذا اليوم هو يوم وادي نساح ، وهو باليمامة . يوم شراحيل ، قَالَ : وأما يوم شراحيل بْن الأصهب الجعفي ، فإنه يوم مذكور تفتخر به مضر كلها ، وكان شراحيل خرج مغيرا في جمع عظيم من اليمن ، وكان قد طال عمره ، وكثر تبعه ، وبعد صيته ، واتصل ظفره ، وكان قد صالح بني عامر على أن يغزو العرب مارا بهم في بدأته وعودته ، لا يعرض أحد منهم لصاحبه ، فخرج غازيا في بعض غزواته فأبعد ، ثم رجع إليهم ، فمر على بني جعدة ، فقرته ونحرت له فعمد ناس من أصحابه سفهاء فتناولوا إبلا لبني جعدة فنحروها ، فشكت ذلك بنو جعدة إلى شراحيل ، فقالوا : قريناك وأحسنا ضيافتك ، ثم لم تمنع أصحابك مما يصنعون ، فقال : إنهم قوم مغيرون ، وقد أساؤوا لعمري ، وإنما يقيمون عندكم يوما أو يومين ، ثم يرتحلون عنكم ، فقال الرقاد بْن عمرو بْن ربيعة بْن جعدة لأخيه ورد بْن عمرو ، وقيل : بل قَالَ ذلك لابن أخيه الجعد بْن ورد دعني أذهب إلى بني قشير ، قَالَ : وجعدة وقشير أخوان لأم وأب أمهما ريطة بنت قنفذ بْن مالك بْن عوف بْن امرئ القيس بْن بهثة بْن سليم بْن منصور ، فأدعوهم واصنع أنت يا هذا لشراحيل طعاما حسنا كثيرا ، وادعه ، وأدخله إليك فاقتله ، فإن احتجت إلينا فدخن ، فإني إذا رأيت الدخان أتيتك بهم ، فوضعنا سيوفنا على القوم ، فعمد ورد هذا إلى طعام فأصلحه ، ودعا شراحيل وناسا من أصحابه وأهله وبني عمه ، فجعلوا كلما دخل البيت رجل قتله ورد ، حتى انتصف النهار ، فجاء أصحاب شراحيل يتبعونه ، فقال لهم ورد : تروحوا فإن صاحبكم قد شرب وثمل وسيروح ، فرجعوا ودخن ورد وجاءت قشير فقتلوا من أدركوا من أصحابه ، وسار سائرهم وبلغهم قتل شراحيل ، فمروا على بني عقيل ، وهم إخوتهم ، فقالوا : لنقتلن مالك بْن المنتفق ، فقال لهم مالك : أنا آتيكم بورد ، فركب ببني عقيل إلى بني جعدة ، وقشير ليعطوهم وردا فامتنعوا من ذلك ، وساروا بأجمعهم فذبوا عن عقيل حتى تفرق من كان مع شراحيل ، فقال في ذلك بحير بْن عَبْد اللَّهِ بْن سلمة : أحي يتبعون العير نحرا أحب إليك أم حيا هلال ، لعلك قاتل وردا ولما تساق الخيل بالأسل النهال ألا يا مال ويح سواك أقصر أما ينهاك حلمك عن ضلال أما يوما رحرحان ، فأحدهما : مشهور قد ذكر في موضع آخر من هذا الكتاب بعقب أخبار الحارث بْن ظالم ، وهذا اليوم الثاني ، فكان الطماح الحنفي أغار في بني حنيفة وبني قيس بْن ثعلبة على بني الحريش بْن كعب وبني عبادة بْن عقيل وطوائف من بني عبس يقال لهم : بنو حذيفة فركبت بنو جعدة وبنو أَبِي بكر بْن كلاب ، ولم يشهد ذلك من بني كلاب غير بني أَبِي بكر ، فأدركوا الطماح من يومهم ، فاستنقذوا ما أخذه وأصابوا ما كان معه ، وقتلوا عددا من أصحابه وهزموهم ، قَالَ : وأما ما ذكره من إدراكهم بثأر كعب الفوارس ، فإن كعب الفوارس وهو ابن معاوية بْن عبادة بْن البكاء مر على بني نهد وعليه سلاحه ، فحمل عليه رجل من نهد يقال له خليف فقتله ، وأخذ فرسه وسلاحه ، ثم إن خليفا بعد ذلك بدهر مر على بني جعدة ، فرآه مالك بْن عَبْد اللَّهِ بْن جعدة ، وعليه جبة كعب ، وفيها أثر الطعنة وكان محرما ، فلم يقدر على قتله ، فقال : يا هذا ألا رقعت هذا الخرق الذي في جبتك وجعل يترصده بعد ذلك حتى بلغه بعد دهر أنه مر ببني جعدة ، فركب مالك بْن عَبْد اللَّهِ بْن جعدة فرسا له ، وقد أخبر أن خليفا مر بجنباتهم ، فأدركه فقتله ، ثم قَالَ بؤ بكعب ، ثم غزا نواحيهم عَبْد اللَّهِ بْن ثور بْن معاوية بْن عبادة بْن البكاء ، جرما ونهدا ، وهم يومئذ في بني الحارث ، فناداهم بنو البكاء : ليس معنا أحد من قومنا غيرنا وإن النهدي قتل صاحبنا محرما ، فقاتلهم نهد وجرم جميعا يومئذ ، وكان عَبْد اللَّهِ بْن ثور يومئذ على فرس ورد ، فأصابوا من نهد يومئذ غنيمة عظيمة ، وقتلوا قتلى كثيرة . فقال عَبْد اللَّهِ في ذلك : فسائل بني جرم إذا ما لقيتهم ونهدا إذا حجت عليك بنو نهد فإن يخبروك الحق عنا تجدهم يقولون أبلى صاحب الفرس الورد قَالَ : وأما يوم الفلج ، فإن بكر بْن وائل بعثت عينا على بني كعب ابن ربيعة حتى جاء الفلج ، وهو ماء ، فوجد النعم بعضه قريبا من بعض ووجد الناس قد احتملوا ، فليس في النعم إلا من لا طباخ به من راع أو ضعيف ، فجاءهم عينهم بذلك فركبت بكر بْن وائل يريدونهم ، حتى إذا كانوا منهم بحيث يسمعون أصواتهم ، سمعوا الصهيل وأصوات الرجال ، فقالوا لعينهم : ما هذا ويلك ! قَالَ : واللَّه ما أدري ، وإن هذا لمما لم أعهد ، فأرسلوا من يعلم علمهم فرجع فأخبرهم ، أن الرجال قد رجعوا ، ورأى جمعا عظيما وخيولا كثيرة ، فكروا راجعين من ليلتهم ، وأصبحت بنو كعب فرأوا الأثر فاتبعوهم ، فأصابوا من أخرياتهم رجالا وخيلا ، فرجعوا بها قَالَ : وأما قوله : لو تستطيعون أن تلقوا جلودكم وتجعلوا جلد عَبْد اللَّهِ سربالا ، فإن السبب في ذلك أن هبيرة بْن عامر بْن سلمة بْن قشير ، لقي خداش ابن زهير البكائي ، فتنافرا على مائة من الإبل ، وقال كل منهما لصاحبه : أنا أكرم وأعز منك ، فحكما في ذلك رجلا من بني ذي الجدين ، فقضى بينهما أن أعزهما وأكرمهما أقربهما من عَبْد اللَّهِ بْن جعدة نسبا ، فقال خداش بْن زهير : أنا أقرب إليه أم عَبْد اللَّهِ بْن جعدة عمتي ، وهي أميمة بنت عمرو بْن عامر ، وإنما أنت أدنى إليه مني منزلة بأب ، فلم يزالا يختصمان في القرابة لعَبْد اللَّهِ دون المكاثرة بآبائهما إقرارا له بذلك ، حتى فلج هبيرة القشيري وظفر ، قَالَ أَبُو عمرو : وكان عَبْد اللَّهِ بْن جعدة سيدا مطاعا ، وكانت له إتاوة بعكاظ يؤتى بها ، يأتيه بها هذا الحي من الأزد وغيرهم ، فجاء سمير بْن سلمة القشيري وعَبْد اللَّهِ جالس على ثياب قد جمعت له من إتاوته ، فأنزله عنها وجلس مكانه ، فجاء رياح بْن عمرو بْن ربيعة بْن عقيل وهو الخليع ، سمي بذلك لتخلعه عن الملوك لا يعطيهم الطاعة ، فقال للقشيري : مالك ولشيخنا تنزله عن إتاوته ونحن ها هنا حوله ، فقال القشيري : كذبت ما هي له ثم مد القشيري رجله ، فقال : هذه رجلي فاضربها إن كنت عزيزا ، قَالَ : لا لعمري لا أضرب رجلك ، فقال له القشيري : فامدد لي رجلك حتى تعلم أأضربها أم لا ، فقال : ولا أمد لك رجلي ولكن أفعل ما لا تنكره العشيرة وما هو أعز لي وأذل لك ، ثم أهوى إلى رجل القشيري فسحبه على قفاه ونحاه ، وأقعد عَبْد اللَّهِ بْن جعدة مكانه . قَالَ : وعَبْد اللَّهِ بْن جعدة أول من صنع الدبابة ، وكان السبب في ذلك أنهم انتجعوا ناحية البحرين فهجموا على عبد لرجل يقال له : كودن في قصر حصين ، فدخن العبد ودعا النساء والصبيان فظنوا أنه يطعمهم ثريدا ، حتى إذا امتلأ القصر منهم أغلقه عليهم ، فصاح النساء والصبيان وقام العبد ومن معه على شرف القصر ، فجعل لا يدنوا منه أحد إلا رماه ، فلما رأى ذلك عَبْد اللَّهِ بْن جعدة صنع دبابة على جذوع النخل وألبسها جلود الإبل ، ثم جاء بها والقوم يحملونها حتى أسندوها إلى القصر ، ثم حفروا حتى خرقوه ، فقتل العبد ومن كان معه واستنقذ صبيانهم ونساءهم ، فذلك قول النابغة : ويوم دعا ولدانكم عبد كودن فخالوا لدى الداعي ثريدا مفلفلا وقى ابن زياد وهو عقبة خيركم هبيرة ينزو في الحديد مكبلا يعنى هبيرة بْن عامر بْن سلمة بْن قشير ، وكان عَبْد اللَّهِ بْن مالك بْن عدس بْن ربيعة بْن جعدة خرج ومعه مالك بْن عَبْد اللَّهِ بْن جعدة ، حتى مروا على بني زياد العبسيين ، والرجال غيب فأخذوا ابنا لأنس بْن زياد ، وانطلقوا به يرجون الفداء ، وانطلق عمه عمارة بْن زياد حتى أتى بني كعب ، فلقي هبيرة ابن عامر بْن سلمة بْن قشير ، فقال له : يا هبيره إن الناس يقولون : إنك بخيل ، قَالَ : معاذ اللَّه ، قَالَ : فهب لي جبتك هذه ، فأهوى ليخلعها ، فلما وقعت في رأسه وثب عليه فأسره ، ثم بعث إلى بني قشير علي وعلي إن قبلت من هبيرة أقل من فدية حاجب إلا أن يأتوني بابن أخي الذي في أيدي بني جعدة ، فمشت بنو قشير إلى بني جعدة فاستوهبوه منهم ، فوهبوه لهم ، فافتدوا به هبيرة . وأما خبر وحوح أخي النابغة الذي تقدم ذكره مع نسب أخيه النابغة ، فإن أبا عمرو ذكر أن بني كعب أغارت على بني أسد فأصابوا سبيا وأسرى ، فركبت بنو أسد في آثارهم حتى لحقوهم بالشريف ، فعطفت بنو عدس بْن ربيعة بْن جعدة ، فذادوا بني أسد حتى قتلوا منهم ثلاثين رجلا وردوهم ، ولم يظفروا منهم بشيء . وتعلقت امرأة من بني أسد بالحكم بْن عمرو بْن عَبْد اللَّهِ بْن جعدة ، وقد أردفها خلفه ، فأخذت بضفيرته ومالت به فصرعته ، فعطف عليه عَبْد اللَّهِ بْن مالك بْن عدس وهو أَبُو صفوان ، فضرب يدها بالسيف فقطعها ، وتخلصه . وطعن يومئذ وحوح بْن قيس أخو النابغة الجعدي ، فارتث في معركة القوم ، فأخذه خالد بْن نضلة الأسدي ، وعطف عليه يومئذ أخوه النابغة ، فقال له خالد بْن نضلة : هلم إلي وأنت آمن ، فقال له النابغة : لا حاجة لي في أمانك ، أنا على فرسي ومعي سلاحي وأصحابي قريب ، ولكني أوصيك بما في العوسجة ، يعني أخاه وحوح بْن قيس ، فعدل إليه خالد فأخذه وضمه إليه ومنع من قتله وداواه حتى فدي بعد ذلك . قَالَ : ففي ذلك يقول مدرك العبسي ، أقمت على الحفاظ وغاب فرج وفي فرج عن الحسب انفراج كذلك فعلنا وحبال عمي وردن بوحوح فلج الفلاج ، ومما قاله النابغة في هذه المفاخرة : وغني فيه قوله وقد جمع معه كل ما يغنى فيه من القصيدة :