← الأغاني لأبي الفرج الأصفه…
الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني
#203 212 ☰ أخبار أبي الأسود الدؤلي ونسبه
A− A+

212 أخبرنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْيَزِيدِيُّ ، قَالَ : حدثنَا الْبَغَوِيُّ ، قَالَ : حدثنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، قَالَ : حدثنَا مُعَلَّى بْنِ هِلالٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَأخبرنِي أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ ، قَالَ : حدثنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ ، قَالَ : حدثنَا الْمَدَائِنِيُّ جَمِيعًا ، قَالُوا : " لَمَّا خَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِلَى الْمَدِينَةِ مِنَ الْبَصْرَةِ تَبِعَهُ أَبُو الأَسْوَدِ فِي قَوْمِهِ لِيَرُدَّهُ ، فَاعْتَصَمَ عَبْدُ اللَّهِ بِأَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي هِلالٍ فَمَنَعُوهُ ، وَكَادَتْ تَكُونُ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ ، فقال لَهُمْ بَنُو هِلالٍ : نَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَلا تَسْفِكُوا بَيْنَنَا دِمَاءً تَبْقَى مَعَهَا الْعَدَاوَةُ إِلَى آخِرِ الأَبَدِ ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَوْلَى بِابْنِ عَمِّهِ ، فَلا تُدْخِلُوا أَنْفُسَكُمْ بَيْنَهُمَا ، فَرَجَعَتْ كِنَانَةُ عَنْهُ ، وَكَتَبَ أَبُو الأَسْوَدِ إِلَى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخبرهُ بِمَا جَرَى ، فَوَلاهُ الْبَصْرَةَ

أخبرنِي حبيب بن نصر المهلبي ، ووكيع ، وعمي ، قالوا جميعا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال : حدثني محمد بن عمران الضبي ، قال : حدثني خالد بن عبد الله ، قال : حدثني أبو عبيدة معمر بن المثنى ، قال : كان أبو الأسود الدؤلي كاتبا لابن عباس على البصرة ، وهو الذي يقول : وإذا طلبت من الحوائج حاجة فادع الإله وأحسن الأعمالا فليعطينك ما أراد بقدرة فهو اللطيف لما أراد فعالا إن العباد وشأنهم وأمورهم بيد الإله يقلب الأحوالا فدع العباد ولا تكن بطلابهم لهجا تضعضع للعباد سؤالا . أخبرنِي هاشم بن محمد الخزاعي ، قال : حدثنا الرياشي ، عن محمد بن سلام ، قال : كان أبو الأسود الدؤلي قد أسن وكبر ، وكان مع ذلك يركب إلى المسجد والسوق ويزور أصدقاءه ، فقال له رجل : يا أبا الأسود ، أراك تكثر الركوب وقد ضعفت عن الحركة وكبرت ، ولو لزمت منزلك كان أودع لك ، فقال له أبو الأسود : صدقت ولكن الركوب يشد أعضائي ، وأسمع من أخبار الناس لا أسمعه في بيتي ، واستنشى الريح ، وألقى إخواني ، ولو جلست في بيتي لاغتم بي أهلي ، وأنس بي الصبي ، واجترأ علي الخادم ، وكلمني من أهلي من يهاب كلامي ، لإلفهم إياي ، وجلوسهم عندي ، حتى لعل العنز أن تبول علي فلا يقول لها أحد : هس . أخبرنِي محمد بن القاسم الأنباري ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا أبو عكرمة ، قال : كان بين بني الديل وبين بني ليث منازعة ، فقتلت بنو الديل منهم رجلا ، ثم اصطلحوا بعد ذلك على أن يؤدوا ديته ، فاجتمعوا إلى أبي الأسود يسألونه المعاونة على أدائها ، وألح عليه غلام منهم ذو بيان وعارضة ، فقال له : يا أبا الأسود ، أنت شيخ العشيرة وسيدهم ، وما يمنعك من معاونتهم قلة ذات يد ولا سؤدد ولا جود ، فلما أكثر أقبل عليه أبو الأسود ، ثم قال له : قد أكثرت يا ابن أخي فاسمع مني : إن الرجل والله ما يعطي ماله إلا لإحدى خلال : إما رجل أعطى ماله رجاء مكافأة ممن يعطيه ، أو رجل خاف على نفسه فوقاها بماله ، أو رجل أراد وجه الله وما عنده في الدار الآخرة ، أو رجل أحمق خدع عن ماله ، ووالله ما أنتم إحدى هذه الطبقات ، ولا جئتم في شيء من هذا ، ولا عمك الرجل العاجز فينخدع لهؤلاء ، ولما أفدتك إياه في عقلك خير لك من مال أبي الأسود لو وصل إلى بني الديل ، قوموا إذا شئتم ، فقاموا يبادرون الباب . أخبرنِي محمد بن الحسن بن دريد ، قال : حدثنا أبو حاتم ، عن أبي عبيدة ، قال : كان طريق أبي الأسود الدؤلي إلى المسجد والسوق في بني تيم الله بن ثعلبة ، وكان فيهم رجل متفحش يكثر الاستهزاء بمن يمر به ، فمر به أبو الأسود الدؤلي يوما ، فقال لقومه : كأن وجه أبي الأسود وجه عجوز راحت إلى أهلها بطلاق ، فضحك القوم ، وأعرض عنهم أبو الأسود ، ثم مر به مرة أخرى ، فقال لهم : كأن غضون قفا أبي الأسود غضون الفقاح ، فأقبل عليه أبو الأسود ، فقال له : هل تعرف فقحة أمك فيهن ؟ فأفحمه ، وضحك القوم منه ، وقاموا إلى أبي الأسود ، فاعتذروا إليه مما كان ، ولم يعاوده الرجل بعد ذلك ، وقال فيه أبو الأسود بعد ذلك حين رجع إلى أهله : وأهوج ملجاج تصاممت قبله أن اسمعه وما بسمعي من باس ولو شئت قد أعرضت حتى أصيبه على أنفه حدباء تعضل بالأسي فإن لساني ليس أهون وقعة وأصغر آثارا من النحت بالفاس وذي إحنة لم يبدها غير أنه كذي الخبل تأبى نفسه غير وسواس صفحت له صفحا جميلا كصفحه وعيني ، وما يدري ، عليه وأحراسي وعندي له إن فار فوار صدره فحا جبلي لا يعاوده الحاسي وخب لحوم الناس أكثر زاده كثير الخنا صعب المحالة هماس تركت له لحمي وأبقيت لحمه لمن نابه من حاضر الجن والناس فكر قليلا ثم صد كأنما يعض بصم من صفا جبل راسي أخبرنَا محمد بن العباس اليزيدي ، قال : حدثنا أحمد بن الحارث الخراز ، قال : حدثنا المدائني ، قال : خرج أبو الأسود الدؤلي ومعه جماعة أصحاب له إلى الصيد ، فجاءه أعرابي ، فقال له : السلام عليك ، فقال له أبو الأسود : كلمة مقولة ، قال : أدخل ؟ قال وراؤك أوسع لك ، قال : إن الرمضاء قد أحرقت رجلي ، قال : بل عليها أو ائت الجبل يفيء عليك ، قال : هل عندك شيء تطعمنيه ؟ قال : نأكل ونطعم العيال ، فإن فضل شيء فأنت أحق به من الكلب ، فقال الأعرابي ما رأيت قط ألأم منك ، قال أبو الأسود : بلى قد رأيت ، ولكنك قد أنسيت . أخبرنِي هاشم بن محمد الخزاعي ، قال : حدثنا عيسى بن إسماعيل ، عن المدائني بهذا الخبر ، فقال فيه : كان أبو الأسود جالسا في دهليزه وبين يديه رطب ، فجاز به رجل من الأعراب يقال له : ابن أبي الحمامة ، فسلم ثم ذكر باقي الخبر ، مثل الذي تقدمه ، وزاد عليه ، فقال أنا ابن أبي الحمامة . قال كن ابن أبي طاوسة ، وانصرف ، قال : أسألك بالله إلا أطعمتني مما تأكل ، قال : فألقى إليه أبو الأسود ثلاث رطبات ، فوقعت إحداهن في التراب ، فأخذها يمسحها بثوبه ، فقال له أبو الأسود : دعها فإن الذي تمسحها منه أنظف من الذي تمسحها به ، فقال : إنما كرهت أن أدعها للشيطان ، فقال له لا والله ولا لجبريل وميكائيل تدعها . أخبرنِي محمد بن عمران الضبي الصيرفي ، قال : حدثنا الحسن بن عليل ، قال : حدثنا محمد بن معاوية الأسدي ، قال : ذكر الهيثم بن عدي ، عن ابن عياش ، قال : خطب أبو الأسود الدؤلي امرأة من عبد القيس يقال لها أسماء بنت زياد ابن غنيم ، فأسر أمرها إلى صديق له من الأزد يقال له : الهيثم بن زياد ، فحدث به ابن عم لها كان يخطبها ، وكان لها مال عند أهلها ، فمشى ابن عمها الخاطب لها إلى أهلها الذين مالها عندهم ، فأخبرهم خبر أبي الأسود ، وسألهم أن يمنعوها من نكاحه ، ومن مالها الذي في أيديهم ، ففعلوا ذلك ، وضاروها حتى تزوجت بابن عمها ، فقال أبو الأسود الدؤلي في ذلك : لعمري لقد أفشيت يوما فخانني إلى بعض من لم أخش سرا ممنعا فمزقه مزق العمي وهو غافل ونادى بما أخفيت منه فأسمعا فقلت ولم أفحش لعا لك عاثرا وقد يعثر الساعي إذا كان مسرعا ولست بجازيك الملامة إنني أرى العفو أدنى للرشاد وأوسعا ولكن تعلم أنه عهد بيننا فبن غير مذموم ولكن مودعا حديثا أضعناه كلأنا فلا أرى وأنت نجيا آخر الدهر أجمعا وكنت إذا ضيعت سرك لم تجد سواك له إلا أشت وأضعيا قال : وقال فيه : أمنت أمرءا في السر لم يك حازما ولكنه في النصح غير مريب أذاع به في الناس حتى كأنه بعلياء نار أوقدت بثقوب وكنت متى لم ترع سرك تلتبس قوارعه من مخطئ ومصيب فما كل ذي نصح بمؤتيك نصحه وما كل مؤت نصحه بلبيب ولكن إذا ما استجمعا عند واحد فحق له من طاعة بنصيب أخبرني عمي ، قال : حدثني الكراني ، قال : حدثنا العمري ، عن الهيثم بن عدي ، عن ابن عياش ، قال : اشترى أبو الأسود جارية ، فأعجبته ، وكانت حولاء فعابها أهله عنده بالحول ، فقال في ذلك : يعيبونها عندي ولا عيب عندها سوى أن في العينين بعض التأخر فإن يك في العينين سوء فإنها مهفهفة الأعلى رداح المؤخر أخبرنِي محمد بن الحسن بن دريد الأزدي ، قال : حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي ، عن عمه ، قال : كان لأبي الأسود الدؤلي صديق من بني تميم ثم من بني سعد يقال له : مالك بن أصرم ، وكانت بينه وبين ابن عم له خصومة في دار له وأنهما اجتمعا عند أبي الأسود فحكماه بينهما ، فقال له خصم صديقه : إني بالذي بينك وبينه عارف ، فلا يحملنك ها ذاك على أن تحيف علي في الحكم ، وكان صديق أبي الأسود ظالما ، فقضى أبو الأسود على صديقه لخصمه بالحق ، فقال له صديقه : والله ما بارك الله لي في صداقتك ، ولا نفعني بعلمك وفقهك ، ولقد قضيت علي بغير الحق ، فقال أبو الأسود : إذا كنت مظلوما فلا تلف راضيا عن القوم حتى تأخذ النصف واغضب وإن كنت أنت الظالم القوم فأطرح مقالتهم واشغب بهم كل مشغب وقارب بذي جهل وباعد بعالم جلوب عليك الحق من كل مجلب فإن حدبوا فاقعس وإن هم تقاعسوا ليستمكنوا مما وراءك فاحدب ولا تدعني للجور واصبر على التي بها كنت أقضي للبعيد على أبي فإني امرؤ أخشى إلهي وأتقي معادي وقد جربت ما لم تجرب كتب إلي أبو خليفة يذكر أن محمد بن سلام ، حدثه ، وأخبرنِي محمد بن يحيى الصولي ، عن أبي ذكوان ، عن محمد بن سلام ، قال : وجه أبو الأسود الدؤلي إلى الحصين بن أبي الحر العنبري جد عبيد الله بن الحسن القاضي ، وهو يلي بعض أعمال الخراج لزياد ، وإلى نعيم بن مسعود النهشلي وكان يلي مثلي ذلك برسول ، وكتب معه إليهما وأراد أن يبراه ، ففعل ذلك نعيم بن مسعود ، ورمى الحصين بن أبي الحر بكتاب أبي الأسود وراء ظهره ، فعاد الرجل فأخبره ، فقال أبو الأسود للحصين : حسبت كتابي إذ أتاك تعرضا لسيبك لم يذهب رجائي هنالكا وخبرني من كنت أرسلت أنما أخذت كتابي معرضا بشمالكا نظرت إلى عنوانه فنبذته كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا نعيم بن مسعود أحق بما أتى وأنت بما تأتي حقيق بذلكا يصيب وما يدري ويخطي وما درى وكيف يكون النوك إلا كذلكا ؟ قال : محمد بن سلام : فتقدم رجل إلى عبيد الله بن الحسن بن الحصين بن أبي الحر ، وهو قاضي البصرة مع خصم له فخلط في قوله ، فتمثل عبيد الله بقول أبي الأسود : يصيب وما يدري ويخطي وما درى وكيف يكون النوك إلا كذلكا فقال الرجل : إن رأى القاضي أن يدنيني منه لأقول شيئا فعل ، فقال له : ادن ، فقال له : إن أحق الناس بستر هذا الشعر أنت ، وقد علمت فيمن قيل ، فتبسم عبيد الله وقال له : إني أرى فيك مصطنعا فقم إلى منزلك ، وقال لخصمه : رح إلي فغرم له ما كان يطالب به . أخبرنِي عمي ، قال : حدثنا الكراني ، عن ابن عائشة ، قال : أراد أبو الأسود الدؤلي الخروج إلى فارس ، فقالت له ابنته : يا أبت إنك قد كبرت ، وهذا صميم الشتاء ، فانتظر حتى ينصرم وتسلك الطريق آمنا ، فإني أخشى عليك ، فقال أبو الأسود : إذا كنت معنيا بأمر تريده فما للمضاء والتوكل من مثل توكل وحمل أمرك الله إن ما تراد به آتيك فاقنع بذي الفضل ولا تحسبن السير أقرب للردى من الخفض في دار المقامة والثمل ولا تحسبيني يا بنتي عز مذهبي بظنك ، إن الظن يكذب ذا العقل وإني ملاق ما قضى الله فاصبري ولا تجعلي العلم المحقق كالجهل وإنك لا تدرين : هل ما أخافه أبعدي يأتي في رحيلي أو قبلي وكم قد رأيت حاذرا متحفظا أصيب وألفته المنية في الأهل أخبرنِي هاشم بن محمد ، قال : حدثنا عيسى بن إبراهيم العتكي ، قال : حدثنا ابن عائشة ، عن أبيه ، قال : كان لأبي الأسود صديق من بني سليم يقال له : نسيب بن حميد ، وكان يغشاه في منزله ، ويتحدث إليه في المسجد ، وكان كثيرا ما يحلف له أنه ليس بالبصرة أحد من قومه ولا من غيرهم آثر عنده منه ، فرأى أبو الأسود يوما معه مستقة مخملة أصبهانية من صوف ، فقال له أبو الأسود : ما تصنع بهذه المستقة ؟ فقال : أريد بيعها ، فقال له أبو الأسود : انظر ما تبلغ فعرفنيه حتى أبعث به إليك ، فإنها من حاجتي ، قال : لا بل أكسوكها ، فأبى أبو الأسود أن يقبلها إلا بثمنها ، فبعث بها إلى السوق فقومت بمائتي درهم ، فبعث إليه أبو الأسود بالدراهم ، فردها وقال : لست أبيعها إلا بمائتين وخمسين درهما ، فقال أبو الأسود : بعني نسيب ولا تثبني إنني لا أستثيب ولا أثيب الواهبا إن العطية خير ما وجهتها وحسبتها حمدا وأجرا واجبا ومن العطية ما يعود غرامة وملامة تبقى ومنا كاذبا وبلوت أخبار الرجال وفعلهم فملئت علما منهم وتجاربا فأخذت منهم ما رضيت بأخذه وتركت عمدا ما هنالك جانبا فإذا وعدت الوعد كنت كغارم دينا أقر به وأحضر كاتبا حتى أنفذه على ما قلته وكفى علي به لنفسي طالبا وإذا فعلت فعلت غير محاسب وكفى بربك جازيا ومحاسبا وإذا منعت منعت منعا بينا وأرحت من طول العناء الراغبا لا أشتري الحمد القليل بقاؤه يوما بذم الدهر أجمع واصبا أخبرنِي أحمد بن عبيد الله بن محمد الرازي ، ومحمد بن العباس اليزيدي ، وعمي ، قالوا : حدثنا أحمد بن الحارث الخراز ، عن المدائني ، قال : زعم أبو بكر الهذلي أن أبا الأسود الدؤلي كان يحدث معاوية يوما فتحرك فضرط ، فقال لمعاوية : استرها علي ، فقال : نعم ، فلما خرج حدث بها معاوية عمرو بن العاص ، ومروان بن الحكم ، فلما غدا عليه أبو الأسود ، قال عمرو : ما فعلت ضرطتك يا أبا الأسود بالأمس ؟ قال : ذهبت كما تذهب الريح مقبلة ومدبرة من شيخ ألان الدهر أعصابه ولحمه عن إمساكها ، وكل أجوف ضروط ، ثم أقبل على معاوية فقال : إن امرءا ضعفت أمانته عن كتمان ضرطة لحقيق بألا يؤمن على أمور المسلمين . أخبرنِي عيسى بن الحسين الوراق ، قال : حدثنا سليمان بن أبي شيخ ، قال : حدثنا محمد بن الحكم ، عن عوانة ، قال : كان أبو الأسود يجلس إلى فناء امرأة بالبصرة فيتحدث إليها ، وكانت برزة جميلة ، فقالت له : يا أبا الأسود ، هل لك في أن أتزوجك ؟ فإني صناع الكف ، حسنة التدبير ، قانعة بالميسور ، قال : نعم ، فجمعت أهلها فتزوجته ، فوجد عندها خلاف ما قدره ، وأسرعت في ماله ، ومدت يدها إلى خيانته ، وأفشت سره ، فغدا على من كان حضر تزويجه إياها ، فسألهم أن يجتمعوا عنده ففعلوا ، فقال لهم : أريت أمرءا كنت لم أبله أتاني فقال اتخذني خليلا فخاللته ثم أكرمته فلم أستفد من لدنه فتيلا وألفيته حين جربته كذوب الحديث سروقا بخيلا فذكرته ثم عاتبته عتابا رفيقا وقولا جميلا فألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا ألست حقيقا بتوديعه وإتباع ذلك صرما طويلا ؟ فقالوا : بلى والله يا أبا الأسود ، قال : تلك صاحبتكم ، وقد طلقتها لكم ، وأنا أحب أن أستر ما أنكرته من أمرها ، فانصرفت معهم . حدثنا اليزيدي ، قال : حدثنا البغوي ، قال : حدثنا العمري ، قال : كان أبو الأسود أبخر ، فسار معاوية يوما بشيء فأصغى إليه ممسكا بكمه على أنفه ، فنحى أبو الأسود يده عن أنفه ، وقال : لا والله لا تسود حتى تصبر على سرار المشايخ البخر . أخبرنِي عبد الله بن محمد الرازي ، قال : حدثنا محمد بن الحارث الخراز ، قال : حدثنا المدائني ، عن أبي بكر الهذلي ، قال : كان علي بن أبي طالب عليه السلام استعمل أبا الأسود على البصرة ، واستكتب زياد بن أبيه على الديوان والخراج ، فجعل زياد يسبع أبا الأسود عند علي ويقع فيه ، ويبغي عليه ، فلما بلغ ذلك أبا الأسود عنه قال فيه : رأيت زيادا ينتحيني بشره وأعرض عنه وهو باد مقاتله وكل امرئ ، والله بالناس عالم له عادة قامت عليها شمائله تعودها فيما مضى من شبابه كذلك يدعو كل أمر أوائله ويعجبه صفحي له وتجملي وذو الجهل يحذو الجهل من لا يعاجله فقلت له : دعني وشأني إننا كلأنا عليه معمل هو عامله فلولا الذي قد يرتجى من رجائه لجربت مني بعض ما أنت جاهله لجربت أني أمنح الغي من غوى علي وأجزي ما جزى وأطاوله وقال لزياد أيضا في ذلك : نبئت أن زيادا ظل يشتمني والقول يكتب عند الله والعمل وقد لقيت زيادا ثم قلت له وقبل ذلك ما خبت به الرسل حتام تسرقني في كل مجمعة عرضي ، وأنت إذا ما شئت منتفل كل امرئ صائر يوما لشيمته في كل منزلة يبلى بها الرجل قال فلما ادعى معاوية زيادا وولاه العراق كان أبو الأسود يأتيه فيسأله حوائجه ، فربما قضاها ، وربما منعها لما يعلمه من رأيه وهواه في علي بن أبي طالب عليه السلام ، وما كان بينهما في تلك الأيام وهما عاملان ، فكان أبو الأسود يترضاه ويداريه ما استطاع ويقول في ذلك : رأيت زيادا صد عني وجهه ولم يك مردودا عن الخير سائله ينفذ حاجات الرجال وحاجتي كداء الجوى في جوفه لا يزايله فلا أنا ناس ما نسيت فآيس ولا أنا راء ما رأيت ففاعله وفي اليأس حزم للبيب وراحة من الأمر لا ينسى ولا المرء نائله وقال المدائني : نظر عبد الرحمن بن أبي بكرة إلى أبي الأسود في حال رثه فبعث إليه بدنانير وثياب ، وسأله أن ينبسط إليه في حوائجه ويستمنحه إذا أضاق ، فقال أبو الأسود يمدحه : أبو بحر أمن الناس طرا علينا بعد حي أبي المغيره لقد أبقى لنا الحدثان منه أخا ثقة منافعه كثيره قريب الخير سهلا غير وعر وبعض الخير تمنعه الوعوره بصرت بأننا أصحاب حق ندل به وإخوان وجيره وأهل مضيعة فوجدت خيرا من الخلان فينا والعشيره وإنك قد علمت وكل نفس ترى صفحاتها ولها سريره لذو قلب بذي القربى رحيم وذو عين بما بلغت بصيره لعمرك ما حباك الله نفسا بها جشع ولا نفسا شريره ولكن أنت لا شرس غليظ ولا هشم تنازعه خئوره كأنا إذا أتيناه نزلنا بجانب روضة ريا مطيره قال المدائني : وكان أبو الأسود يدخل على عبيد الله بن زياد ، فيشكو أن عليه دينا لا يجد إلى قضائه سبيلا ، فيقول له : إذا كان غد فارفع إلي حاجتك فإني أحب قضاءها ، فيدخل إليه من غد ، فيذكر له أمره ، ووعده فيتغافل عنه ، ثم يعاوده فلا يصنع في أمره شيئا ، فقال فيه أبو الأسود : دعاني أميري كي أفوه بحاجتي فقلت فما رد الجواب ولا استمع فقمت ولم أحسس بشيء ولم أصن كلامي وخير القول ما صين أو نفع وأجمعت يأسا لا لبانة بعده ولليأس أدنى للعفاف من الطمع أخبرنَا محمد بن العباس اليزيدي ، قال : حدثنا عيسى بن إسماعيل تينة ، قال : حدثني ابن عائشة ، قال : سأل رجل أبا الأسود شيئا فمنعه ، فقال له : يا أبا الأسود ، ما أصبحت حاتميا ؟ قال : بلى قد أصبحت حاتميا من حيث لا تدري ، أليس حاتم الذي يقول : أماوي إما مانع فمبين وإما عطاء لا ينهنهه الزجر . أخبرنِي حبيب بن نصر المهلبي ، قال : حدثنا عمر بن شبة ، قال : حدثنا ابن عائشة ، قال : كان لأبي الأسود جار يحسده وتبلغه عنه قوارص ، فلما باع أبو الأسود داره في بني الديل ، وانتقل إلى هذيل ، قال جار أبي الأسود لبعض جيرانه من هذيل : هل يسقيكم أبو الأسود من ألبان لقاحه ؟ وكانت لا تزال عنده لقحة أو لقحتان ، وكان جاره هذا يصيب من الشراب ، فبلغ أبا الأسود قوله ، فقال فيه : إن امرأ نبئته من صديقنا يسائل هل أسقي من اللبن الجارا ؟ وإني لأسقي الجار في قعر بيته واشرب ما لا إثم فيه ولا عارا شرابا حلالا يترك المرء صاحيا ولا يتولى يقلس الإثم والعارا أخبرنِي عبيد الله بن محمد الرازي ، قال : حدثنا أحمد بن الحارث الخراز ، قال : حدثنا المدائني ، قال : كان لأبي الأسود صديق من بني قيس بن ثعلبة يقال له حوثرة بن سليم ، فاستعمله عبيد الله بن زياد على جي وأصبهان ، وكان أبو الأسود بفارس ، فلما بلغه خبره أتاه فلم يجد عنده ما يقدره ، وجفاه حوثرة ، فقال فيه أبو الأسود وفارقه : تروحت من رستاق جي عشية وخلفت في رستاق أخا لكا أخا لك إن طال التنائي وجدته نسيا وإن طال التعاشر ملكا ولو كنت سيفا يعجب الناس حده وكنت له يوما من الدهر فلكا ولو كنت أهدى الناس ثم صحبته وطاوعته ضل الهوى وأضلكا إذا جئته تبغي الهدى خالف الهدى وإن جرت عن باب الغواية دلكا قال المدائني وكان لأبي الأسود جار ، يقال له وثاق من خزاعة ، وكان يحب اتخاذ اللقاح ، ويغالي بها ويصفها ، فأتى أبا الأسود وعنده لقحة غزيرة يقال لها : الصفوف ، فقال له : يا أبا الأسود ما بلقحتك بأس لولا عيب كذا وكذا ، فهل لك في بيعها ؟ فقال أبو الأسود : على ما تذكر فيها من العيب ؟ فقال : إني أغتفر ذلك لها لما أرجوه من غزارتها ، فقال له أبو الأسود : بئست الخلتان أنا لعيب مالي أشد اغتفارا ، وقال أبو الأسود فيه : يريد وثاق ناقتي ويعيبها يخادعني عنها وثاق بن جابر فقلت : تعلم يا وثاق بأنها عليك حمى أخرى الليالي الغوابر بصرت بها كوماء حوساء جلدة من الموليات الهام حد الظواهر فحاولت خدعي والظنون كواذب وكم طامع في خدعتي غير ظافر قال وكانت له لقحة أخرى يقال لها : الطيفاء ، وكان يقول : ما ملكت مالا قط أحب إلي منها ، فأتاه فيها رجل من بني سدوس ، يقال له : أوس بن عامر ، فجعل يماكر أبا الأسود ويعيبها ، فألفاه بها بصيرا وفيها منافسا ، فبذل له فيها ثمنا وافيا ، فأبى أن يبيعه وقال فيه : أتاني في الطيفاء أوس بن عامر ليخدعني عنها بجن ضراسها فسام قليلا ناسئا غير ناجز وأحصر نفسا وانتهى بمكاسها فأقسم لو أعطيت ما سمت مثله وضعفا له لما غدوت براسها أغرك منها أن نحرت حوارها لجيران أم السكن يوم نفاسها فولى ولم يطمع وفي النفس حاجة يرددها مردودة بإياسها أخبرنَا اليزيدي ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابن عائشة ، والأصمعي أن رجلا سأل أبا الأسود الدؤلي فرده فألح عليه ، فقال له أبو الأسود : ليس للسائل الملحف مثل الرد الجامس ، قال : يعني بالجامس الجامد . وقال المدائني : خطب أبو الأسود امرأة من بني حنيفة ، وكان قد رآها فأعجبته ، فأجابته إلى ذلك وأذنت له في الدخول إليها ، فدخل دارها فخاطبها بما أراد ، فلما خرج لقيه ابن عم لها قد كان خطبها على أخيه ، فقال له : ما تصنع هاهنا ؟ فأخبره بخطبته المرأة ، فنهاه عن التعرض لها ، ووضع عليها أرصادا ، فكان أبو الأسود ربما مر بهم واجتاز بقبيلتهم ، فدسوا إليه رجلا يوبخه في كل محفل يراه فيه ، ففعل ، وأتاه وهو في نادي قومه فقال له : يا أبا الأسود ، أنت رجل شريف ، ولك سن وخطر وعرض ، وما أرضى لك أن تلم بفلانة وليست لك بزوجة ولا قرابة ، فإن أهلها قد أنكروا ذلك وتشكوه ، فإما أن تتزوجها أو تضرب عنها ، فقال له أبو الأسود : لقد جد في سلمى الشكاة وللذي يقولون لو يبدو لك الرشد أرشد يقولون لا تمذل بعرضك واصطنع معادك إن اليوم يتبعه غد وإياك والقوم الغضاب فإنهم بكل طريق حولهم تترصد تلام وتلحى كل يوم ولا ترى على اللوم وإلا حولها تتردد أفادتكها العين الطموح وقد ترى لك العين ما لا تستطيع لك اليد وقال أبو الأسود : دعوا آل سلمى ظنتي وتعنتي وما زل مني إن ما فات فائت ولا تهلكوني بالملامة إنما نطقت قليلا ثم إني لساكت سأسكت حتى تحسبوني أنني من الجهد في مرضاتكم متماوت ألم يكفكم أن قد منعتم بيوتكم كما منع الغيل الأسود النواهت تصيبون عرضي كل يوم كما علا نشيط بفأس معدن البرم ناحت أخبرنِي حبيب بن نصر المهلبي ، قال : حدثنا عمر بن شبة ، قال : ذكر الهيثم بن عدي ، عن مجالد بن سعيد ، عن عبد الملك بن عمير ، قال : كان ابن عباس يكرم أبا الأسود الدؤلي لما كان عاملا لعلي بن أبي طالب عليه السلام على البصرة ويقضي حوائجه ، فلما ولى ابن عامر ، جفاه وأبعده ومنعه حوائجه لما كان يعلمه من هواه في علي بن أبي طالب عليه السلام ، فقال فيه أبو الأسود : ذكرت ابن عباس بباب ابن عامر وما مر من عيشي ذكرت وما فضل أميرين كأنا صاحبي كلاهما فكل جزاه الله عني بما فعل فإن كان شرا كان شرا جزاؤه وإن كان خيرا كان خيرا إذا عدل أخبرنِي حبيب بن نصر المهلبي ، قال : حدثنا بن شبة ، قال : ذكر الهيثم بن عدي ، عن خالد بن سعيد ، أخبرنِي محمد بن خلف وكيع ، قال : حدثنا عبد الله بن شبيب ، قال : حدثنا إبراهيم بن المنذر الخزامي ، قال : حدثنا محمد بن فليح بن سليمان ، عن موسى بن عقبة ، قال : قال أبو الأسود الدؤلي لابنه أبي حرب وكان له صديق من باهلة يكثر زيارته فكان أبو الأسود يكرهه ويستريب منه : أحب إذا أحببت حبا مقاربا فإنك لا تدري متى أنت نازع وأبغض إذا أبغضت بغضا مقاربا فإنك لا تدري متى أنت راجع وكن معدنا للحلم واصفح عن الخنا فإنك راء ما عملت وسامع وقال المدائني حدثني أبو بكر الهذلي ، قال : كان لأبي الأسود جار من بني حليس بن يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل من رهطة دنية ، ومنزل أبي الأسود يومئذ في بني الديل ، فأولع جاره برميه بالحجارة كلما أمسى ، فيؤذيه . فشكا أبو الأسود ذلك إلى قومه وغيرهم ، فكلموه ولاموه ، فكان ما اعتذر به إليهم أن قال : لست أرميه ، وإنما يرميه الله لقطعه للرحم ، وسرعته إلى الظلم ، بخله بماله ، فقال أبو الأسود : والله ما أجاور رجلا يقطع رحمي ، ويكذب على ربي ، فباع داره واشترى دارا في هذيل ، فقيل له : يا أبا الأسود ، أبعث دارك ؟ قال : لم أبع داري ، ولكن بعت جاري ، فأرسلها مثلا وقال في ذلك : رماني جاري ظالما برميه فقلت له : مهلا فأنكر ما أتى وقال : الذي يرميك ربك جازيا بذنبك والحوبات تعقب ما ترى فقلت له لو أن ربي برمية رماني لما أخطا إلهي ما رمى جزى الله شرا كل من نال سوءة وينحل فيها ربه الشر والأذى وقال فيه أيضا : لحى الله مولى السوء لا أنت راغب إليه ولا رام به من تحاربه وما قرب مولى السوء إلا كبعده بل البعد خير من عدو تصاقبه وقال فيه أيضا : وإني لتثنيني عن الشتم والخنا وعن سب ذي القربى خلائق أربع حياء وإسلام ولطف وأنني كريم ، ومثلي قد يضر وينفع فإن أعف يوما عن ذنوب أتيتها فإن العصا كانت لمثلي تقرع وشتان ما بيني وبينك إنني على كل حال أستقيم وتظلع أخبرنِي عمي ، قال : حدثنا الكراني ، قال : حدثنا الرياشي ، عن العتبي ، قال : كان لأبي الأسود جار في ظهر داره له باب إلى قبيلة أخرى ، وكان بين دار أبي الأسود وبين داره باب مفتوح ، يخرج منه كل واحد منهما إلى قبيلة صاحبه إذا أرادها ، وكان الرجل ابن عم أبي الأسود دنية ، وكان شرسا سيء الخلق ، فأراد سد ذلك الباب ، فقال له قومه لا تفعل فتضر بأبي الأسود وهو شيخ ، وليس عليك في هذا الباب ضرر ولا مؤنة ، فأبى إلا سده ، ثم ندم على ذلك لأنه أضر به ، فكان إذا أراد سلوك الطريق التي كان يسلكها منه بعد عليه ، فعزم على فتحه ، وبلغ ذلك أبا الأسود فمنعه منه وقال فيه :

السند · الإسناد بالترتيب
محمد بن العباس اليزيدي←البغوي←علي بن الجعد←معلى بن هلال←الشعبي←أحمد بن عبيد الله بن عمار←عمر بن شبة←المدائني جميعا←ابن عباس←عبد الله بن أبي←خالد←أبو الأسود←معاوية←عمرو←المدائني←المدائني←المدائني←أبو الأسود