وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسَدِ ، نا الدَّبَرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ لِقَتَلَةِ عُثْمَانَ : " إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَمْ تَزَلْ مُحِيطَةً بِمَدِينَتِكُمْ هَذِهِ ، مُنْذُ قَدِمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى الْيَوْمَ ، فَوَاللَّهِ ، لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَتَذْهَبَنَّ ، ثُمَّ لا تَعُودُ أَبَدًا ، فَوَاللَّهِ لا يَقْتُلُهُ رَجُلٌ إِلا لَقِيَ اللَّهَ أَجْذَمَ لا يَدَ لَهُ "
ومثله في الحديث كثير . وأما القول فيه عَلَى مذهب أهل اللغة ، فإن تقديرَ الأَجذَم عندهم ، من الجَذْمِ ، تِقْدير الأقطع من القَطْع لا يكادون يقولون : أقطع ، وهم يريدون مقطوعَ الأذن ، أو مَجْدُوعَ الأَنْفِ ، إنا يُنزِلُونه خصوصًا عَلَى المقطوعِ اليدِ ، هذا هُوَ الظاهر في عُرْف اللغة ، فأما مَنْ أُبَين منه عُضْو غير اليَدِ ، فإنما يَضاف القطع إليه باسمع ، وكذلك الأَجذَم إذا أطلق ، فإنما يَلْقى مَنْ جُذِمَت يده , أي : قُطعت ، وقلَّ ما يقال فيمن أصابه داءُ الجذام أَجذم ، إنما يقال : مَجْذوم ، وبه جاء الخبر ، وهو ما يروى , أَنَّهُ قَالَ : " فِرَّ من المجذومِ فِرارك من الأسَدِ " . فأما قوله : في مشاكلة العقوبات الذنوبَ واطّراد القياس فيها عَلَى ما تمثَّل به من آية الربا ففيه نظر ، وقد جاء في الحديث : " مَنْ تحلمَّ كاذبا ، فَقَالَ : رأيتُ ما لم يَرَ كُلِّفَ عَقد شعيرة في النار " . وكان الواجب عَلَى هذا القياس , أن تناله العقوبةُ في عينه إلا أنَّا لم نُكَلَّف القياس في أمر الآخرة ، وإنما ننتهي من علمه إلى ما نطق به القرآن ، ووردت به الأخبار الصحيحة ، ولو كان القياس الَّذِي اعتبره في مشاكلة العقوبات الذنوب معنى صحيحًا لكانت أحكام الدُّنيا بها أَولى ، إذ كُنا متعبدين بالقياس فيها ، وقد وجدنا كثيرًا من الحدود , والعقوبات الواجبة فيها معدولًا بها عن مواقعة الأَعْضاء , التي باشرت تلك الذّنوب المُوجبة لتلك العقوبات . ألا تَرَى أنّ القاذفَ يقذِفُ بِلسانه فيُجلدُ ظهرهُ ، والزَّانِي يزني بفرْجه فيفرَّق الحدُّ عَلَى أعضائه ، ويُجْتَنَب الفرجُ خاصة مَعَ سائر المَقَاتِل ، والله أعلم بالمصالح ، وله أن يتَعَبَّدنا بما شَاءَ من حُكمه ، وكل ذَلِكَ حكمةٌ وصَوابٌ ، وإن زَلّت عنه أفهامُنا ولم تُدركْه عقولنا ، مَعَ أن قَولَ ابن قُتَيبة إذ يقول : ولا سبب لليد في نسيان القُرآن ينقض كلامه في الفصل الآخر حين يقول : لأَنَّ اليد لم تخرج عن رعاية القرآن , ولم تخلُ من حفظه ، والعجَبُ منه حين لم يَقْنَع من عقوبته بقطع اليد وإبانة الكَفّ ، ثُمَّ رَضِيَ بقَطْع الأصابع والنَّقص العارض لبعض الأعضاء ، ومعلوم أن الجُذامَ داء يعالَجُ فيَزُول ، وأن العُضْوَ المقطوع تالِفٌ لا يعود . قَالَ أبو سليمان : ومعنى الخبر ما ذهب إليه ابن الأعرابي : محمد بن زياد . قَالَ ابن الأعرابي : هذا مَثَلٌ ، والمعنى أنّ مَنْ نَسِيَ القرآن لَقِيَ الله خالِيَ اليَدِ من الخَيْرِ صَفِرها من الثواب ، كَنَى باليد عَمَّا تَحويه اليَدُ وتشتمل عليه من الخير , كقولهم : إذا وصَفُوا الرجلَ بانقطاع القُدرَة : فُلانٌ لا يَدَ له ، وإنه لقَصير اليَدِ إذا كان بخيلًا , كما قَالُوا : جَعدُ البَنَان ، وكَزُّ البنانِ ، وفلان طَويلُ اليَدِ ، إذا وصف بالجودِ وبسط المَقْدِرة , وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنِسَائِهِ : " أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا " فَكَانَتْ سَوْدَةُ ، وَكَانَتِ امْرَأَةً تُحِبُّ الصَّدَقَةَ . ويدُلّ عَلَى صِحَّة ما ذهب إليه