قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ ° رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ , حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ° ، ثنا سُفْيَانُ ° ، حَدَّثُونِي عَنِ الزُّهْرِيِّ ° ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، قَالَ : " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ وَالطُّورِ ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ { 35 } أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ { 36 } سورة الطور آية 35-36 , كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ " ، أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحافظ ° ، قَالَ : زَادَنِي أَبُو صَالِحٍ ° ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَعْقِلٍ ° ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ ° ، فَذَكَرَهُ
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : إِنَّمَا كَانَ انْزِعَاجُهُ عِنْدَ سَمَاعِ هَذِهِ الآيَةِ , لِحُسْنِ تَلَقِّيهِ مَعْنَى الآيَةِ وَمَعرِفَتِهِ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ بَلِيغِ الْحُجَّةِ ، فَاسْتَدْرَكَهَا بِلَطِيفِ طَبْعِهِ ، وَاسْتَشَفَّ مَعْنَاهَا بِذَكِيِّ فَهْمِهِ ، وَهَذِهِ الآيَةُ مُشْكِلَةٌ جِدًّا . قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ ، قَالَ : فَهِيَ أَصْعَبُ مَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ : لَيْسَ هُمْ بِأَشَدَّ خَلْقًا مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، لأَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ خُلِقَتَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ، وَهُمْ خُلِقُوا مِنْ آدَمَ ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ . قَالَ : وَقِيلَ قَوْلٌ آخَرُ : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ؟ أَمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ ؟ أَيْ خُلِقُوا بَاطِلا لا يُحَاسَبُونَ وَلا يُؤْمَرُونَ وَلا يُنْهَوْنَ . قَالَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ : وَهَهُنَا قَوْلٌ ثَالِثٌ هُوَ أَجْوَدُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا أَبُو إِسْحَاقَ ، وَهُوَ الَّذِي يَلِيقُ بِنَظْمِ الْكَلامِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ خَلَقَهُمْ ، فَوُجِدُوا بِلا خَالِقٍ ، وَذَلِكَ مَا لا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ , لأَنَّ تَعَلُّقَ الْخَلْقِ بِالْخَالِقِ مِنْ ضَرُورَةِ الأَمْرِ ، فَلا بُدَّ لَهُ مِنْ خَالِقٍ ، فَإِذْ قَدْ أَنْكَرُوا الإِلَهَ الْخَالِقَ ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُوجَدُوا بِلا خَالِقٍ خَلَقَهُمْ أَفَهُمُ الْخَالِقُونَ لأَنْفُسِهِمْ ؟ وَذَلِكَ فِي الْفَسَادِ أَكْثَرُ ، وَفِي الْبَاطِلِ أَشَدُّ ، لأَنَّ مَا لا وُجُودَ لَهُ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالْقُدْرَةِ ، وَكَيْفَ يَخْلُقُ وَكَيْفَ يَتَأَتَّى مِنْهُ الْفِعْلُ ، وَإِذَا بَطَلَ الْوَجْهَانِ مَعًا قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ لَهُمْ خَالِقًا فَلْيُؤْمِنُوا بِهِ إِذًا . ثُمَّ قَالَ : أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ سورة الطور آية 36 , أَيْ : إِنْ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَدَّعُوا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ فِي تِلْكَ الْحَالِ فَلْيَدَّعُوا خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، وَذَلِكَ شَيْءٌ لا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَدَّعُوهُ بِوَجْهٍ ، فَهُمْ مُنْقَطِعُونَ ، وَالْحُجَّةُ لازِمَةٌ لَهُمْ مِنَ الْوَجْهَيْنِ مَعًا ، ثُمَّ قَالَ : بَلْ لا يُوقِنُونَ فَذَكَرَ الْعِلَّةَ الَّتِي عَاقَتْهُمْ عَنِ الإِيمَانِ ، وَهِيَ عَدَمُ الْيَقِينِ الَّذِي هُوَ مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَلا يُنَالُ إِلا بِتَوْفِيقِهِ ، وَلِهَذَا كَانَ انْزِعَاجُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى قَالَ : كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَذَا بَابٌ لا يَفْهَمُهُ إِلا أَرْبَابُ الْقُلُوبِ . قُلْتُ : وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا , تَفْسِيرَ هَذِهِ السُّورَةِ , وَقَالَ فِي هَذِهِ الآيَةِ : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ سورة الطور آية 35 , مِنْ غَيْرِ رَبٍّ ، أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ سورة الطور آية 35 , يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ