أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ° ، أنبا أَبُو الْوَلِيدِ الْفَقِيهُ ° ، أنبا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ ° ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ° ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ° ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ° ، قَالا : ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ° ، عَنْ نَافِعٍ ° ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ° ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهَ ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا " ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وفي رواية عبد اللَّه بن دينار عَنِ ابْنِ عُمَرَ : إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ ، وَإِلا رَجَعَتْ إِلَيْهِ ، قَالَ الْحَلِيمِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : إِذَا قَالَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ لِمُسْلِمٍ ، فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ : إِنْ أَرَادَ أَنَّ الدِّينَ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ كُفْرٌ ، كَفَرَ بِذَلِكَ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ كَافِرٌ فِي الْبَاطِنِ ، وَلَكِنَّهُ يُظْهِرُ الإِيمَانَ نِفَاقًا ، لَمْ يَكْفُرْ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا ، لَمْ يَكْفُرْ ، لأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ رَمَاهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ مِثْلَهُ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : قَدْ رَوَيْنَا ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ حِينَ خَانَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكِتَابَةِ إِلَى مَكَّةَ : " دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقَ " ، فَسَمَّاهُ عُمَرُ مُنَافِقًا ، وَلَمْ يَكُنْ مُنَافِقًا ، فَقَدْ صَدَّقَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَمْ يَصِرْ بِهِ عُمَرُ كَافِرًا ، لأَنَّهُ اكْفَرَهُ بِالتَّأْوِيلِ ، وَكَانَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ مُحْتَمَلٌ
بَابُ الْقَوْلِ فِي إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ وَالْمُرْتَابِ المقلد من تدين ما تدين لأنه دين آبائه ، وقرابته ، وأهل بلده ، وليس عنده وراء ذلك حجة يأوي إليها . والمرتاب من يقول : اعتقدت الإسلام ، وتابعت أهله احتياطا لنفسي ، فإن كان حقا فقد فزت ، وإن لم يكن من ذلك شيء لم يضرني , وواحد من هذين ليس بمسلم . وبسط الحليمي ، رحمه الله تعالي ، الكلام فيه ، قال : والمؤمن الذي ليس بمقلد رجلان : أحدهما : الذي يعرف الله ، تعالي جده ، بالدلائل والحجج معرفة تامة لا شك معها ، وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجج الدالة علي صدقة ، ثم اعترف بالله ورسوله ، وقبل عن رسوله جميع ما جاء به من عنده ، وأسلم نفسه بالطاعة له فيما أمره به ، ونهاه عنه . والآخر : من يؤمن بالله إجابة لدعوة نبيه بعد قيام الحجة علي نبوته وبسط الكلام فيه إلى أن قال : ثم ينظر ، فإن كان المؤمن قبل أن آمن يثبت الله تعالي جده ، إلا أنه يلحد في أسمائه وصفاته ، كان إيمانه الحادث ترك ذلك الإلحاد لما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم ويدعوه إليه . وإن كان قبل ذلك لا يدين ، ويري أن لا صانع للعالم ، وأنه لم يزل على ما هو عليه الآن ، فوجه إيمانه بالله لدعوة نبيه هو أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن للعالم إلها واحدا لم يزل ولا يزال ، ولا يشبه شيئا ، قادرا لا يعجزه شيء ، عالما ، حكيما ، كان ولا شيء غيره ، وأبدع كل موجود سواه ، واخترعه اختراعا لا من أصل ، وأنه أرسله إلى الناس ليعرفه إليهم ، وينبههم علي آثار خلقه التي يرونها ويعقلون عنها ، ويدعوهم إلى طاعته وعبادته ، وأن دلالته علي صدقه هي ما أيده به من كذا وكذا مما لا يستطيع الناس ، وإن تظاهروا ، أن يأتوا بمثله ، وإنه إذا كان واحدا من الناس تجمعه وإياهم البشرية ثم يجمعه وأهل بلده الهواء والأرض والماء ، وكان ما عدا هذا ، الذي يذكر أنه تأيد به ليكون دلالة علي صدقه ، لا يباين فيه أحدا من الناس ، ويحتاج من الطعام والشراب إلى مثل ما يحتاجون إليه ، ولا يقدر من الأشياء المعتادة إلا على ما يقدرون عليه ، ويعجز عما يعجزون عنه ، وجب أن يعلموا أنه من فضل هذا الإله الذي اختص به فما هو خارج عن قضية العادات ، عاجز مثلهم ، وإنه وإن كان عاجزا عنه وقد وجد به وظهر علي يده حتى أنه ليس من صنعه ولكن من صنع غيره . ولا جائز أن يكون ذلك الغير من جنسه ، أو مثله ، أو في القدرة نظيره ، إذ لو كان كذلك لا ستحال وجوده من غيره كما استحال وجوده منه . وفي ذلك ما يوجب أن يكون من صنع صانع لا يفعل الأشياء بمثل القوة والقدرة التي بها صنع الصناع المشاهدون ، وأنه كما لم يشبه صنعه صنعهم ، فكذلك هو غير مشبه إياهم ، ولا جائز عليه من معاني النقص ما هو جائز عليهم ، فانتظمت حجته هذه إثبات الصانع علي من يجهله ولا يعترف به ، وإثبات رسالته من عنده . فمن استسلم لحجته ، وصدقه في جميع قوله ، وآمن بجملة دعوته ، كان إثبات الرسول والمرسل منه معا في مقام واحد . فهذا وجه الإيمان بالله إجابة لدعوة رسوله إليه ، وهذا إجابة بحجة . ومن هذا الوجه كان إيمان عامة المستجيبين للأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم ، ثم قد كان فيهم من تنبه بعد ، فرأى ، ونظر ، وبحث فبصره الله تعالي من الدلائل ما شد به أزره ، وعصم دينه ، وقوى يقينه ، وطلب من هذا العلم ما ينصر به الدين ، ويجادل به أعداءه وينصب به للدفع عنه .