← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#124 1 : 244 ☰ حديث رابع لإسحاق عن أنس مسند
A− A+

حدثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ° ، قَالَ : حدثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ° ، قَالَ : حدثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ° ، قَالَ : حدثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ ° ، قَالَ : حدثنا أَبُو الأَحْوَصِ ° ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ° ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ° ، عَنْ عُمَرَ ° ، قَالَ : " الْخَمْرُ مِنْ خَمْسَةٍ : مِنَ التَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ ، وَالْعَسَلِ ، وَالْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالْخَمْرُ مَا خَمَّرْتَهُ "

وقد أجمع علماء المسلمين في كل عصر وبكل مصر فيما بلغنا ، وصح عندنا أن عصير العنب إذا رمى بالزبد وهدأ وأسكر الكثير منه أو القليل أنه خمر ، وأنه ما دام على حاله تلك حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير رجس نجس كالبول ، إلا ما روى عن ربيعة ، في نقط من الخمر شيء لم أر لذكره وجها ، لأنه خلاف إجماعهم ، وقد جاء عنه في مثل رءوس الإبر من نقط البول نحو ذلك . والذي عليه عامة العلماء في خمر العنب ، ما ذكرت لك عنهم من تحريم قليلها وكثيرها ، وأنها عندهم رجس كسائر النجاسات ، إلا أن تحريمها عندهم لعلة الشدة والإسكار ، وليس كذلك تحريم الميتة وما جرى مجراها ، مما حرم لذاته وعينه ، ولهذا ما اختلف العلماء في تحليل الخمر وفي طيبها عند زوال العلة المذكورة عنها ، وسنذكراختلافهم في تحليل الخمر في آخر هذا الباب إن شاء الله . وكخمر العنب عندهم نقيع الزبيب ، إذا غلا وأسكر ، قليله وكثيره في التحريم سواء ، لأنه عندهم ميت أحيى . واختلف العلماء في سائر الأنبذة المسكرة ، فقال العراقيون : إنما الحرام منها السكر وهو فعل الشارب ، وأما النبيذ في نفسه فليس بحرام ، ولا نجس ، لأن الخمر العنب لا غيره ، بدليل قول الله عز وجل : إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا سورة يوسف آية 36 يعني عنبا . قَالَ أبو عمر : ليس في هذا دليل على أن الخمر ما عصر من العنب لما قدمنا ذكره ، من أن الخمر المعروفة عند العرب ما خمر العقل وخامره ، وذلك اسم جامع للمسكر من عصير العنب وغيره . وقال أهل المدينة ، وسائر أهل الحجاز ، وعامة أهل الحديث وأئمتهم : إن كل مسكر خمر ، حكمه حكم خمر العنب في التحريم ، والحد على من شرب شيئا من ذلك كله ، كما هو عند الجميع منهم على شارب خمر العنب . ومن الحجة لهم أن القرآن قد ورد بتحريم الخمر مطلقا ، ولم يخص خمر العنب من غيرها ، فكل ما وقع عليه اسم خمر من الأشربة ، فهو داخل في التحريم بظاهر الخطاب ، والدليل على ذلك أن الخمر نزل تحريمها بالمدينة ، وليس بها شيء من خمر العنب . قال أبو عمر : لا خلاف بين علماء المسلمين إن سورة المائدة نزلت بتحريم الخمر ، وهي مدنية من آخر ما نزل بالمدينة ، وذلك قول الله عز وجل : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ سورة المائدة آية 90 ، ثم قَالَ : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ سورة المائدة آية 91 ، فنهى عنها وأمر باجتنابها كما قَالَ : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ سورة الحج آية 30 ، ثم زجر وأوعد من لم ينته أشد الوعيد في كتابه ، وعلى لسان رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسماها رجسا ، وقرنها بالميتة والدم ولحم الخنزير ، بقوله : قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا سورة الأنعام آية 145 والرجس النجاسة وقال في الخمر : رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ سورة المائدة آية 90 ، فقرنها بلحم الخنزير . وورد التحريم في الميتة والدم ولحم الخنزير خبرا ، وفي الخمر نهيا وزجرا ، وهو أقوى التحريم وأوكده عند العلماء ، وفي إجماع أهل الصلاة على هذا التأويل ما يغني عن الإكثار فيه ، وقد مضى في باب إسماعيل بن أبي حكيم ذكر معنى التحريم في اللغة ، وأنه المنع ، وكل ما منعت منه فقد حرم عليك ، دليل ذلك قول الله عز وجل : وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ سورة القصص آية 12 ، أي منعناه من رضاع غير أمه ، وقال الله عز وجل : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ سورة البقرة آية 219 ، وقال تبارك اسمه : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ سورة الأعراف آية 33 ، الآية . فحصل بهاتين الآيتين أيضا تحريم الخمر ، نصا .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
شجرة الإسناد