أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ° ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ° ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ° ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ° ، يَقُولُ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى ، فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَبَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ، وَكَانَ يَرْمِيهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ ، وَيَقُولُ لَنَا : " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ، فَلَعَلَّي لا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ "
وقال مالك في الموطأ : السنة الثابتة التي لا اختلاف فيها عندنا أن أحدا لا يحلق رأسه ، ولا يأخذ من شعره حتى ينحر هديا إن كان معه ، وذلك أن الله عز وجل يقول في كتابه : وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ سورة البقرة آية 196 . وقال مالك : الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن من قرن بين الحج والعمرة ، لم يأخذ من شعره شيئا حتى ينحر هديا إن كان معه ، ولا يحل من شيء كان حرم عليه حتى يحل يوم النحر بمنى . وسئل مالك عن الرجل ينسى الحلاق في الحج بمنى أواسع له أن يحلق بمكة ؟ قال : ذلك واسع ، والحلاق بمنى أحب إلي . قال أبو ثابت : قلت لابن القاسم : ما قول مالك فيمن حلق قبل أن يرمي جمرة العقبة ؟ فقال : قال مالك : عليه الفدية . قيل له : فما قول مالك فيمن حلق قبل أن يذبح ؟ قال : لا شيء عليه ، وهو يجزئه . قيل له : فما قول مالك إن ذبح قبل أن يرمي ؟ قال : يجزئه ، ولا شيء عليه . قال أبو عمر : لم يختلف قول مالك وأصحابه فيمن حلق قبل أن يرمي جمرة العقبة ، أن عليه الفدية ، ويمر بعد ذلك الموسى على رأسه ، وذكر ابن عبد الحكم فيمن طاف طواف الإفاضة ، قبل أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر ، أنه يرمي ، ثم يحلق رأسه ، ثم يعيد الطواف للإفاضة . قال : ومن طاف للإفاضة قبل الحلاق إلا أنه قد رمى جمرة العقبة ، فإنه يحلق رأسه ، ثم يعيد طواف الإفاضة ، فإن لم يعد الطواف ، فلا شيء عليه ، لأنه قد طاف . وقال إسماعيل القاضي : من حلق قبل أن يذبح لم يكن عليه شيء ، لأن الظاهر يدل على أنه من رمى جمرة العقبة ، ثم حلق قبل أن يذبح ، فلا شيء عليه . وقد كان ينبغي له أن يذبح ، ثم يحلق بعد الذبح ، فلما بدأ بالحلاق كان قد أخطأ ، ولم يكن عليه شيء ، لأن الرمي يحل به الحلق ، ألا ترى أن رجلا لو لم يكن معه هدي ، ثم رمى جمرة العقبة حل له الحلق ولبس الثياب ، وما أشبه ذلك ، فلهذا المعنى لم يكن على من بدأ بالحلق قبل الذبح شيء . قال إسماعيل : وإذا نحر قبل أن يرمي لم يكن أيضا عليه شيء ، لأن الهدي قد بلغ محله ، ألا ترى أن معتمرا لو ساق معه هديا فنحره حين بلغ مكة ، قبل أن يطوف ويسعى ، لكان قد أخطأ ، ولم يكن عليه إبدال الهدي ، وإنما كان ينبغي له أن لا ينحر الهدي حتى يفرغ من طوافه وسعيه ، فينحر الهدي ثم يحلق ، فلما أخطأ لم يكن عليه الإبدال ، لأن الهدي قد بلغ محله ، ولم يكن في شيء من ذلك انتقاص لعمرته ، لأن الرجل قد يعتمر ولا يسوق هديا ، فتكون عمرته تامة ، ولو نحر هديه قبل أن يبلغ محله في الحج لم يكن عليه غير إبدال الهدي خاصة ، ولا يكون عليه في ذلك انتقاص لشيء من أمر الحج . قال إسماعيل : وهاتان الخلتان هما المبتغتان في حديث الزهري ، عن عيسى بن طلحة ، عن عبد الله بن عمرو ، قال إسماعيل : والذي رواه هشام بن حسان ، عن عطاء ، عن ابن عباس مثله في المعنى . والذي رواه وهيب ، عن ابن طاوس ، مجمل غير أنه لا يبين فيه خلاف حديث الزهري ، والذي رواه خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، ذكر فيه أنه رمى بعدما أمسى ، وهذا أيضا ليس فيه انتقاص للحج ، وإنما كان ينبغي له أن يرمي جمرة العقبة في ذلك اليوم قبل الزوال ، فلما أخطأ وأخرها إلى بعد الزوال لم يكن عليه شيء ، لأن مالكا قال : إذا رمى جمرة العقبة يوم النحر في بقية النهار ، لم يكن عليه شيء ، وإن أخرها إلى الليل ، فإن أبا ثابت حكى ، عن ابن القاسم ، قال : كان مالك مرة يقول : عليه دم ، ومرة لا يراه عليه . قال : وقد تأخرت صفية امرأة ابن عمر ، عن ابنة أخيها حتى أتت منى بعد ما غابت الشمس يوم النحر ، فرمت ولم يبلغنا أن ابن عمر أمرها بشيء . قال أبو عمر : قد روى سحنون ، عن ابن القاسم : أن ملكا لم يأخذ برخصة ابن عمر لصفية في ذلك ، ورأى أن من أخر رمي جمرة العقبة حتى الليل ورماها بالليل عليه لذلك دم ، والذي رواه أبو ثابت ، عن ابن القاسم أتم وأكثر العلماء على أنه ليس في ذلك دم . وقد ذكرنا هذه المسألة ، وما للعلماء فيها من الأقوال فيما تقدم من هذا الباب والحمد لله . قال إسماعيل : وحديث عكرمة يدل على أن الرجل رمى بالعشي ، لأنه حكى أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل يومئذ ، فعلم أن المسألة كانت في اليوم . قال : والظاهر أيضا في قوله بعدما أمسيت يدل على العشي ، لأنه الغالب في كلام الناس ، فهذا هو النص القوي في الحديث الصحيح ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأما ما يزاد في الأحاديث الضعيفة ، فهو شيء لا يدرى كيف صحته ؟ والله أعلم به . قال أبو عمر : اللفظ الذي أنكره إسماعيل في هذا الحديث على من ذكره ، وزاده وأتى به هو قوله حلقت قبل أن أرمي ، وهو محفوظ في الأحاديث ثم ذكر إسماعيل حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ ° فَقَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ ، فَيَقُولُ : " لا حَرَجَ " فَسَأَلَهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ . فَقَالَ : " لا حَرَجَ " . فَقَالَ : رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ . قَالَ : " لا حَرَجَ " . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ مِثْلَهُ قَالَ : وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قِيلَ لَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ بِمِنًى فِي الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَقَالَ : " لا حَرَجَ " قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ يَوْمَ النَّحْرِ عَنْ رَجُلٍ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ ؟ ، أَوْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ وَأَشْبَاهِ هَذَا ، فَأَكْثَرُوا فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، فَمَا سَأَلَهُ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ مِنْ هَذَا النَّحْوِ إِلا قَالَ : " لا حَرَجَ " وَقَالَ أَبُو ثَابِتٍ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ مَالِكٌ : إِنْ ذَبَحَ الْمُحْرِمُ ذَبِيحَتَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَعَادَ ذَبِيحَتَهُ . قال أبو عمر : قوله هذا معناه عندي على أصله ، أن الذبح بالليل لا يجزئ في الهدي والضحايا ، ولا وجه له عندي غير ذلك على مذهبه ، ألا ترى إلى ما قدمنا من قوله : أن من رمى قبل الفجر ، وإن كان لا يجزئه رميه أن النحر قد حل له . وقوله : أن من قدم نحره قبل رميه لا شيء عليه . قال إسماعيل : ولا يضره ذلك ، ولا ينتقص من حجه شيء ، لأن هديه قد بلغ محله ، فإذا لم يفسد عليه ما قدمه من نحره قبل رميه شيئا من حجه ولا أوجب عليه شيئا ، فلا وجه لإعادة ما نحره من هديه ، إلا من أجل أنه ذبحه بالليل ، وذلك لا يجزئه عنده لقول الله عز وجل : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ سورة الحج آية 28 ، فذكر الأيام دون الليالي ، وعند غيره الليالي تبع للأيام والله أعلم . قال أبو عمر : اختلف العلماء فيمن قدم نسكا قبل نسك ، أو أخره مما يصنعه الحاج يوم النحر خاصة مثل تقديم النحر قبل الرمي ، أو الحلق قبل النحر ، أو قبل الرمي . فأما اختلافهم فيمن حلق قبل أن يرمي ، فإن ملكا قال : ما تقدم ذكره عنه ، وعليه أصحابه في إيجاب الفدية في ذلك قال : ومن ذبح قبل أن يرمي ، أو حلق قبل أن يذبح ، فلا شيء عليه . وروى ، عن ابن عباس ، أنه قال : " من قدم من حجه شيئا أو أخره ، فعليه دم ، ولا يصح ذلك عنه " . وعن إبراهيم ، وجابر بن زيد ، مثل قول مالك في إيجاب الفدية على من حلق قبل أن يرمي ، وهو قول الكوفيين . وقال الشافعي : وأبو ثور ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وداود ، والطبري لا شيء على من حلق قبل أن يرمي ، ولا على من قدم شيئا ، أو أخره ساهيا مما يفعل يوم النحر . وروى عن الحسن ، وطاوس ، أنه لا شيء على من حلق قبل أن يرمي ، مثل قول الشافعي ، ومن تابعه ، وعن عطاء بن أبي رباح : من قدم نسكا قبل نسك ، فلا حرج . وروى ذلك عن سعيد بن جبير ، وطاوس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وقتادة . وذكر ابن المنذر ، عن الشافعي في هذه المسألة : من حلق قبل أن يرمي ، أن عليه دما ، وزعم أن ذلك حفظه ، عن الشافعي ، وهو خطأ على الشافعي ، والمشهور من مذهبه في كتبه ، وعند أصحابه : أنه لا شيء على من قدم ، أو أخر من أعمال الحج كلها شيئا إذا كان ساهيا ، وأما اختلافهم فيمن حلق قبل أن يذبح ، فجمهور العلماء على أن لا شيء عليه . كذلك قال عطاء ، وطاوس ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة . وهو قول مالك ، والأوزاعي ، والثوري ، والشافعي ، وأبي ثور ، وأحمد ، وإسحاق ، وداود ، ومحمد بن جرير ، وقال إبراهيم النخعي : من حلق قبل أن يذبح أهراق دما . وقال جابر بن زيد : عليه الفدية . وقال أبو حنيفة : عليه دم . قال : وإن كان قارنا فعليه دمان دم للقران ، ودم للحلق . وقال زفر : على القارن إذا حلق قبل أن ينحر ثلاثة دماء دم للقران ، ودمان للحلق قبل النحر ، ولا أعلم خلافا فيمن نحر قبل أن يرمي ، أنه لا شيء عليه . وذلك والله أعلم ، لأن الهدي قد بلغ محله مع ما جاء في حديث ابن شهاب هذا من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن نحر قبل أن يرمي أو حلق قبل أن يذبح : " لا حرج " . وحجة من لم يوجب على من قدم شيئا من نسك يوم النحر ، أو أخره ساهيا : الأخبار التي رويت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ففي بعضها ، من قدم نسكا قبل نسك لا حرج . وفي بعضها أن القائل ، قال : حلقت قبل أن أرمي وحلقت قبل أن أذبح ، وذبحت قبل أن أرمي .