حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ° ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ ° ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ ° ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ حَبِيبٍ ° ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُكَيْنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ° ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، أَنَّ الْفَضْلَ كَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، فَجَعَلَ يَلْحَظُ إِلَى امْرَأَةٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَهْ يَا غُلامُ ، فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ حَفِظَ فِيهِ بَصَرَهُ غُفِرَ لَهُ "
وفيه دليل على أن إحرام المرأة في وجهها ، وهذا ما لم يختلف فيه الفقهاء ، وفيه دليل على أن المرأة تحج ، وإن لم يكن معها ذو محرم ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للخثعمية : " حجي عن أبيك " ، ولم يقل : إن كان معك ذو محرم ، وفي ذلك دليل على أن المحرم ليس من السبيل ، والله أعلم . وستأتي هذه المسألة ، واختلاف العلماء فيها في باب سعيد بن أبي سعيد إن شاء الله . وأما اختلاف أهل العلم في معنى هذا الحديث ، فإن جماعة منهم ذهبوا إلى أن هذا الحديث مخصوص به أبو الخثعمية لا يجوز أن يتعدى به إلى غيره ، بدليل قول الله عز وجل : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا سورة آل عمران آية 97 ، وكان أبو الخثعمية ممن لا يستطيع ، فلم يكن عليه الحج ، فلما لم يكن ذلك عليه لعدم استطاعته كانت ابنته مخصوصة بذلك الجواب ، وممن قال ذلك : مالك بن أنس وأصحابه ، وجعلوا أبا الخثعمية مخصوصا بالحج عنه كما كان سالم مولى أبي حذيفة عندهم ، وعند من خالفهم في هذه المسألة مخصوصا برضاعه في حال الكبر مع اشتراط الله عز وجل تمام الرضاعة في الحولين ، فكذلك أبو الخثعمية مع شرط الله في وجوب الحج الاستطاعة ، وهي القدرة ، وذهب آخرون إلى أن الاستطاعة تكون بالبدن والقدرة ، وتكون أيضا في المال لمن لم يستطع ببدنه ، واستدلوا بهذا الحديث ومثله . وممن قال ذلك الشافعي ، واختلف العلماء في الاستطاعة التي عنى الله عز وجل بقوله : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا سورة آل عمران آية 97 ، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " السبيل الزاد والراحلة " ، وهذا الحديث لو صح لكان فرض الحج في المال والبدن نصا ، كما قال الشافعي ومن تابعه ، ولكنه حديث انفرد به إبراهيم بن يزيد الخوزي ، وهو ضعيف . رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَغَيْرُهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : مَنِ الْحَاجُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " الشَّعْثُ ، التَّفْلُ " ، فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ ، فَقَالَ : أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " الْعَجُّ ، وَالثَّجُّ " ، فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ ، فَقَالَ : مَا السَّبِيلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ " وروى عن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن عباس ، أنهما قالا : " السبيل : الزاد والراحلة " وروى معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، في قوله : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا سورة آل عمران آية 97 ، قال : السبيل أن يصح بدن العبد ، ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به ، وبه قال الحسن البصري ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وإليه ذهب الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه . قال أبو حنيفة ، والشافعي : لا يجب الحج إلا على من ملك زادا وراحلة من الأحرار البالغين . وعند أبي حنيفة وأصحابه ، وأحمد ، وطائفة : ذو المحرم في المرأة من السبيل ، وسنبين هذا في باب سعيد بن أبي سعيد إن شاء الله ، والذي عول عليه الشافعي وأصحابه في هذا الباب حديث ابن عباس في قصة الخثعمية ، وبه استدلوا على أن الحج فرض واجب في المال . قالوا : وأما البدن ، فمجتمع عليه ، والنكتة التي بها استدلوا ، وعليها عولوا قول المرأة في هذا الحديث : أن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة ، فأخبرته أن الحج إذا فرض على المسلمين كان أبوها في حال لا يستطيعه ببدنه ، فأخبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه يجزئه أن تحج عنه ، وأعلمها أن ذلك كالدين تقضيه عنه ، فكان في هذا الكلام معان منها : أن الحج وجب عليه كوجوب الدين ، ومعلوم أن الدين واجب في المال لا في البدن ، ومنها أن عملها في ذلك يجزئ عنه ، فدل على أن ذلك ليس كالصلاة التي لا يعملها أحد عن أحد ، ومنها أن الاستطاعة تكون بالمال ، كما تكون بالبدن ، واحتجوا من الآثار بكل ما ذكر فيه تشبيه الحج بالدين ، وسنذكرها في هذا الباب إن شاء الله ، وأجمع علماء المسلمين أن الحج غير واجب على من لم يبلغ من الرجال والنساء . وقال داود : الحج على العبد واجب ، وقال سائر الفقهاء : لا حج عليه . وقال الشافعي : الاستطاعة على وجهين أحدهما : أن يكون مستطيعا ببدنه ، واجدا من ماله ما يبلغه الحج بزاد وراحلة ، واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم المذكور . قال : الوجه الآخر : أن يكون معضوبا ببدنه لا يقدر أن يثبب على ركب بحال ، وهو قادر على من يطيعه إذا أمره أن يحج عنه بطاعته له ، أو من يستأجره ، فيكون هذا ممن لزمه فرض الحج ؛ لأنه قادر بهذا الوجه . قال : ومعروف من لسان العرب أن يقول الرجل : أنا مستطيع أن ابني دارا ، أو أخيط ثوبا يعني بالإجارة ، أو بمن أطاعه ، واحتج بحديث الخثعمية حديث ابن عباس هذا المذكور في هذا الباب ، وقال مالك : كل من قدر على التوصل إلى البيت ، وإقامة المناسك بأي وجه قدر بزاد وراحلة ، أو ماشيا على رجليه ، فقد لزمه فرض الحج ، ومن لم يستطع بمرض ، أو زمانة ، فليس بمخاطب في الحج هذا مذهب مالك وجميع أصحابه ، واتفق مالك ، وأبو حنيفة أن المعضوب الذي لا يتمسك على الراحلة ليس عليه الحج ، وممن روى عنه مثل قول مالك عكرمة ، والضحاك بن مزاحم ، والمعضوب : الضعيف الهرم الذي لا يقدر على النهوض ، وقال الخليل : رجل معضوب كأنما لوي ليا ، والمعضوب الذي كادت أعضاؤه تنتشر جزعا . أخبرني أبو عبد الله محمد بن خليفة ، قال : حدثنا أبو الحسن محمد بن نافع المكي ، قال : حدثنا إسحاق بن أحمد الخزاعي ، قال : حدثنا ابن المقرئ ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا حيوة ، وابن لهيعة ، قالا : حدثنا شرحبيل بن شريك ، قال : سمعت عكرمة مولى ابن عباس ، يقول في قول الله عز وجل : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا سورة آل عمران آية 97 ، قال : السبيل : الصحة ، وقال الضحاك : إذا كان شابا فليواجر نفسه بأكلة وعقبة حتى يقضى نسكه ، ومن حجة مالك أيضا ، ومن ذهب مذهبه عموم قول الله عز وجل : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا سورة آل عمران آية 97 ، فبأي وجه استطاع ، ذلك بنفسه وقدر ، فقد لزمه الحج ، وليس استطاعة غيره استطاعة له ، والحج عنده وعند أصحابه من عمل الأبدان ، فلا ينوب فيه أحد عن أحد قياسا على الصلاة ، وحمل بعضهم حديث الخثعمية على أن ذلك على الاستحباب لمن شاء ، لا على أداء واجب ، واحتجوا بحديث : عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ يَزِيدَ بن الأصم ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، أَنَّ رَجُلا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : حِجُّ عَنْ أَبِي ؟ قَالَ : " نَعَمْ " ، إِنْ لَمْ تَزِدْهُ خَيْرًا لَمْ تَزِدْهُ شَرًّا قال أبو عمر : أما هذا الحديث ، فقد حملوا فيه على عبد الرزاق لانفراده به عن الثوري من بين سائر أصحابه ، وقالوا : هذا حديث لا يوجد في الدنيا عند أحد بهذا الإسناد إلا في كتاب عبد الرزاق ، أو في كتاب من أخرجه من كتاب عبد الرزاق ، ولم يروه أحد عن الثوري غيره . وقد خطأوه فيه وهو عندهم خطأ ، فقالوا : هذا لفظ منكر لا تشبهه ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمر بما لا يدري ، هل ينفع أم لا ينفع ؟ حدثني خلف بن سعيد ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا أحمد بن خالد ، قال : حدثنا عبيد بن محمد الكشوري ، قال : لم يرو حديث الشيباني ، عن يزيد بن الأصم ، عن ابن عباس أحد غير عبد الرزاق ، عن الثوري ، ولم يروه عن الثوري لا كوفي ، ولا بصري ، ولا أحد . قال أبو عمر : أما ظاهر إسناد هذا الحديث ، فظاهر جميل ؛ لأن الشيباني ثقة ، وهو سليمان بن أبي سليمان . وروى عنه شعبة ، والثوري ، وهشيم ، وكذلك يزيد بن الأصم ثقة ، ولكنه حديث لا يوجد عند أصحاب الثوري الذين هم أعلم بالثوري من عبد الرزاق : مثل القطان ، وابن مهدي ، وابن المبارك ، ووكيع ، وأبي نعيم ، وهؤلاء جلة أصحاب الثوري في الحديث . وعبد الرزاق ثقة ، فإن صح هذا الخبر ، ففيه حجة لمالك وأصحابه فيما تأولوه في حديث الخثعمية ، ويدخل عليهم منه ؛ لأنهم لم يجعلوه أصلا يقيسون عليه ، ولا يجيزون صلاة أحد من أحد ، ولا يقولون فيها : إنها إن لم تزد المصلى عنه خيرا لم تزده شرا ، كما في هذا الخبر في الحج ، ومن حجة مالك وأصحابه أيضا الإجماع على أن الفقير إذا وصل إلى البيت بخدمة الناس ، أو بالسؤال ، أو بأي وجه وصل إليه ، فقد تعين عليه الفرض ، ووجب عليه الحج ، وأنه إذا أيسر ، فلا قضاء عليه . ومن قول مالك وأصحابه أيضا أن الذي لا زاد له ليس عليه الحج ، وإن كان قادرا على المشي إذا لم يكن من عادته السؤال والتبذل ، فإن حج أجزأه ، فإن قيل : إن الفقير إذا وصل إلى البيت ، فقد تعين عليه الفرض ولزمه ؛ لأنه مستطيع حينئذ ، قيل له لو كان الحج لا يجب فرضا إلا على من ملك زادا أو راحلة لما تعين فرضه على الفقير بدخوله مكة كما لا يتعين فرضه على العبد بدخوله مكة ، ولو كان الزاد والراحلة من شرائط الوجوب لاستوى فيه حاضرو المسجد الحرام وغيرهم ، كما استووا في الحرية والبلوغ الذي لا يجوز الحج إلا بهما ، ويدخل على قائلي هذا القول أن العلة في العبيد باقية لم تزل ، وهي الرق ، وعلة الذي لم يستطع ثم استطاع قد زالت . ومن حجة الشافعي ، ومن قال بقوله حَدِيثُ شُعْبَةَ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينِ الْعَامِرِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ، قَالَ : " احْجُجْ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ " وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، قَالَ : قَالَ رَجُلٌ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنَّ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؟ قَالَ : " أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ ؟ " قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : " فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقٌّ "