حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ ° ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ شَبُّوَيْةِ السِّجْسِيُّ ° ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ° ، قَالَ : حدثنا مَعْمَرٌ ° ، عَنْ قَتَادَةَ ° ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ° ، أَوْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، قَالَ : " الْهِرُّ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ ، وَالطَّوَّافُ ، وَالْخَادِمُ "
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ سورة الواقعة آية 17 أَيْ يَخْدِمُهُمْ وِلْدَانٌ وَيَتَرَدَدُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَشْتَهُونَ ، وَطَهَارَةُ الْهِرِّ تَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ الْكَلْبِ ، وَأَنَّ لَيْسَ فِي حَيٍّ نَجَاسَةً سِوَى الْخِنْزِيرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، لأَنَّ الْكَلْبَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْنَا ، وَمِمَّا أُبِيحَ لَنَا اتِّخَاذُهُ فِي مَوَاضِيعِ الأُمُورِ ، وَإِذَا كَانَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِيعِ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ سُؤْرَهُ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْمَوَاضِيعِ ، كَسُؤْرِهِ فِيهَا ، لأَنَّ عَيْنَهُ لا تَنْتَقِلُ . وَدَلَّ مَا ذَكَرْنَاهُ عَلَى أَنَّ مَا جَاءَ فِي الْكَلْبِ مِنْ غَسْلِ الإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا أَنَّهُ تَعَبُّدٌ وَاسْتِحْباب ، لأَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْهِرِّ : " إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسٍ ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ " . بَيَانٌ أَنَّ الطَّوَّافِينَ عَلَيْنَا لَيْسُوا بِنَجِسٍ فِي طِبَاعِهِمْ وَخِلْقَتِهِمْ ، وَقَدْ أُبِيحَ لَنَا اتِّخَاذُ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَالْغَنَمِ وَالزَّرْعِ أَيْضًا ، فَصَارَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْنَا ، وَالاعْتِبَارُ أَيْضًا يَقْضِي بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لَعَلَّهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبُعٌ يَفْتَرِسُ ، وَيَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، فَإِذَا جَاءَ نَصٌّ فِي أَحَدِهِمَا كَانَ حُكْمُ نَظِيرِهِ حُكْمَهُ ، وَلَمَّا فَارَقَ غَسْلُ الإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَائِرَ غَسْلِ النَّجَاسَاتِ كُلِّهَا عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِنَجَاسَةٍ ، وَلَوْ كَانَ لِنَجَاسَةٍ سَلَكَ بِهِ سَبِيل النَّجَاسَاتِ فِي الإِنْقَاءِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ ، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مَا يَدُلُّ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى طَهَارَةِ الْهِرِّ ، وَزَعَمَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ هُوَ الْقَائِلُ : أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسٍ ، ثُمَّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ " . فَإِنَّهُ شُبْهَةٌ عَلَيْهِ بِرِوَايَةِ مَنْ روى هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ ، فَقَالَ فِيهِ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ : أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسٍ . وَقَالَ : قَالَ أَبُو قَتَادَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ " . قَالَ : وَيَكُونُ الطَّوَّافُونَ عَلَيْنَا يُنَجِّسُونَ الْمَاءَ . قَالَ : فَقَوْلُ أَبِي قَتَادَةَ : أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسٍ ، لَمْ يُضِفْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا أَضَافَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ قَوْلَهُ إنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ . قال أبو عمر : هذا اعتلال لا معنى له ، لأن حديث مالك ، وهو أصح الناس له نقلا عن إسحاق فيهن أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إنها ليست بنجس ، إنها من الطوافين عليكم " . وفي هذا بيان جهله بحديث مالك ، يقول : إن ذلك لو كان كما ذكرمن قول أبي قتادة ، ولم يكن مرفوعا ، لكنا أسعد بالتأويل منه ، لأن أبا قتادة ، إنما خاطبها بما فهمه عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الهر ، ومن شهد القول ، وعرف مخرجه سلم له في التأويل ، والنجاسة في الحيوان أصلها مأخوذ من التوقيف لا من جهة الرأي ، فاستحال أن يكون ذلك رأي أبي قتادة مع أن رواية مالك في طهارة الهر مرفوعة ، ومن خالف مالكا ، فوقفها ليس بحجة فيما قصر عنه على مالك ، ومالك عليه حجة عند جميع أهل النقل ، إن شاء الله . وما أعلم أحدا قط أسقط من حديث أبي قتادة هذا قوله ، عن النبي عليه السلام : " إنها ليست بنجس " إلا ما ذكره أسد بن موسى ، عن حماد بن سلمة ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أبي قتادة ، أنه كان يصغى الإناء للسنور ، فيلغ فيه ثم يتوضأ منه ، ويقول : قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هي من الطوافين والطوافات عليكم " . وما رواه أيضا أسد ، عن قيس بن الربيع ، عن كعب بن عبد الرحمن ، عن جده أبي قتادة ، نحوه ، وهذان لا يحتج بهما لانقطاعها ، وفسادهما ، وتقصير رواتهما عن الإتقان في الإسناد والمتن وقد روى هذا الحديث جماعة عن إسحاق ، كما رواه مالك منهم : همام بن يحيى ، وحسين المعلم ، وهشام بن عروة ، وابن عيينة ، وإن كان هشام ، وابن عيينة ، لم يقيما إسناده ، وهؤلاء كلهم يقولون في هذا الحديث ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ : " إنها ليست بنجس " . وإن كان بعضهم يخالف في إسناده ، فمالك ومن تابعه قد أقام إسناده وجوده ، وقد روى إسحاق بن راهويه ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ قَالَ : " إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ " وَمَنْ أَسْقَطَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَهُ : " إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ " ، فَلْم يَحْفَظْ ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِنَقْلِ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدَ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ بِهِ الْهِرُّ فَيُصْغِي لَهَا الإِنَاءَ فَتَشْرَبُ ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهَا " ، وممن روينا عنه أن الهر ليس بنجس ، وأنه لا بأس بفضل سؤره للوضوء والشرب ، العباس بن عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وابن عمر ، وعائشة ، وأبو قتادة ، والحسن ، والحسين ، وعلقمة ، وإبراهيم ، وعكرمة ، وعطاء بن يسار . واختلف في ذلك ، عن أبي هريرة ، والحسن البصري ، فروى عطاء ، عن أبي هريرة : " أن الهر كالكلب يغسل منه الإناء سبعا " . وروى أبو صالح ذكوان ، عن أبي هريرة ، قَالَ : السنور من أهل البيت . وروى أشعث عن الحسن ، أنه كان لا يرى بأسا بسؤر السنور ، وروى يونس ، عن الحسن ، أنه قَالَ : يغسل الإناء من ولوغه مرة ، وهذا يحتمل أن يكون رأى في فمه أذى ، ليصح مخرج الروايتين عنه ، ولا نعلم أحدا من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ روى عنه في الهر ، أنه لا يتوضا بسؤره إلا أبا هريرة على اختلاف عنه . وأما التابعون فروينا عن عطاء بن أبي رباح ، وسعيد بن المسيب ، ومحمد بن سيرين ، أنهم أمروا بإراقة ماء ولغ فيه الهر ، وغسل الإناء منه ، وسائر التابعين بالحجاز ، والعراق يقولون : في الهر إنه طاهر ، لا بأس بالوضوء بسؤره . وروى الوليد بن مسلم ، قَالَ : أخبرني سعيد ، عن قتادة ، عن ابن المسيب ، والحسن ، أنهما كرها الوضوء بفضل الهر . قَالَ الوليد : فذكرت ذلك لأبي عمرو الأوزاعي ، ومالك بن أنس ، فقالا : توضأ به ، فلا بأس به ، وإن وجدت غيره . قال أبو عمر : الحجة عند التنازع والاختلاف سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقد صح عنه من حديث أبي قتادة في هذا الباب ما ذكرنا . وعليه اعتماد الفقهاء في كل مصر ، إلا أبا حنيفة ، ومن قَالَ بقوله ، قَالَ أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي الذي صار إليه جل أهل الفتوى من علماء الأمصار من أهل الأثر ، والرأي جميعا ، أنه لا بأس بسؤر السنور ، اتباعا للحديث الذي رويناه ، يعني عن أبي قتادة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : وممن ذهب إلى ذلك مالك بن أنس ، وأهل المدينة ، والليث بن سعد ، فيمن وافقه من أهل مصر ، والمغرب ، والأوزاعي في أهل الشام ، وسفيان الثوري ، فيمن وافقه من أهل العراق ، قَالَ : وكذلك قول الشافعي ، وأصحابه ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وأبي عبيدة ، وجماعة أصحاب الحديث ، قَالَ : وكان النعمان يكره سؤره ، وقال : إن كان توضأ به أجزأه ، وخالفه أصحابه ، فقالوا : لا بأس به . قال أبو عمر : ما حكاه المروزي عن أصحاب أبي حنيفة ، فليس كما حكاه عندنا ، وإنما خالفه من أصحابه أبو يوسف وحده ، وأما محمد ، وزفر ، والحسن بن زياد ، فيقولون بقوله ، وأكثرهم يروون عنه ، أنه لا يجزئ الوضوء بفضل الهر ، ويحتجون لذلك ، يروون عن أبي هريرة ، وابن عمر ، أنهما كرها الوضوء بسؤر الهر ، وهو قول ابن أبي ليلى . وأما الثوري فقد اختلف عنه في سؤر الهر ، فذكرفي جامعه ، أنه كان يكره سؤر ما لا يؤكل لحمه ، وما يؤكل لحمه ، فلا بأس بسؤره ، وهو ممن يكره أكل الهر ، وذكرالمروزي ، قَالَ : حدثنا عمرو بن زرارة ، قَالَ : حدثنا أبو النضر ، قَالَ : حدثني الأشجعي ، عن سفيان ، قَالَ : لا بأس بفضل السنور . قَالَ أبو عمر : لا أعلم لمن كره سؤر الهر حجة أحسن من أنه لم يبلغه حديث أبي قتادة ، وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب ، فقاس الهر على الكلب ، وقد فرقت السنة بين الهر والكلب في باب التعبد ، وجمعت بينهما على حسب ما قدمنا ذكره من باب الاعتبار والنظر ، ومن حجته السنة خصمته ، وما خالفها مطروح وبالله التوفيق . ومن حجتهم أيضا ما رواه قرة بن خالد ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " طَهُورُ الإِنَاءِ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْهِرُّ أَنْ يُغْسَلَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ " . شَكَّ قُرَّةُ وهذا الحديث لم يرفعه إلا قرة بن خالد ، وقرة بن خالد ثقة ثبت وأما غيره فيرويه ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، قوله ، وفي هذا الحديث من رأى أبي قتادة دليل على أن الماء اليسير تلحقه النجاسة ، ألا ترى إلى قوله : أتعجبين يا ابنة أخي ، سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " ليست بنجس " . فدل هذا أن الهر لو كان عنده من باب النجاسات لأفسد الماء ، وإنما حمله على أن يصغى لها الإناء طهارتها ، ولو كان مما تنجس لم يفعل ، فدل هذا على أن الماء عنده تفسده النجاسة ، وإن لم تظهر فيه ، لأن شرب الهر وغيره من الحيوان في الإناء ، إذا لم يكن في فمه أذى من غيره ، ليس ترى معه نجاسة في الإناء . وهذا المعنى اختلف فيه أصحابنا وسائر العلماء ، فذهب المصريون من أصحاب مالك إلى أن قليل الماء يفسده قليل النجاسة ، وأن الكثير لا يفسده إلا ما غير لونه ، أو طعمه ، أو ريحه من المحرمات ، وما غلب عليه من الأشياء الطاهرة أخرجه من باب التطهير ، وأبقاه على طهارته ، ولم يحدوا بين القليل من الماء الذي يفسده قليل النجاسة ، وبين الكثير الذي لا يفسده إلا ما غلب عليه حدا يوقف عنده ، إلا أن ابن القاسم روى عن مالك في الجنب يغتسل في حوض من الحياض التي تسقى فيها الدواب ، ولم يكن غسل ما به من الأذى ، أنه قد أفسد الماء ، وروى عن مالك في الجنب يغتسل في الماء الدائم الكثير ، مثل الحياض التي تكون بين مكة والمدينة ، ولم يكن غسل ما به من الأذى ، أن ذلك لا يفسد الماء ، وهذا مذهب ابن القاسم ، وأشهب ، وابن عبد الحكم ، ومن اتبعهم من أصحابهم المصريين ، إلا ابن وهب ، فإنه قَالَ في الماء بقول المدنيين من أصحاب مالك ، وقولهم ما حكاه أبو المصعب عنهم ، وعن أهل المدينة ، أن الماء لا تفسده النجاسة الحالة فيه قليلا كان أو كثيرا ، إلا أن تظهر فيه النجاسة ، وتغير منه طعما ، أو ريحا ، أو لونا ، وكذلك ذكرأحمد بن المعدل أن هذا قول مالك بن أنس في الماء . وذكر ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، عن خالد بن أبي عمران ، أنه سأل القاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله ، عن الماء الراكد الذي لا يجري تموت فيه الدابة ، أيشرب منه ويغسل منه الثياب ، فقالا : انظر بعينك ، فإن رأيت ماء لا يدنسه ما وقع فيه ، فنرجو أن لا يكون بأس . قَالَ : وأخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، قَالَ : كل ماء فيه فضل عما يصيبه من الأذى حتى لا يغير ذلك طعمه ، ولا لونه ، ولا ريحه ، فهو طاهر يتوضأ به . قَالَ : وأخبرني عبد الجبار بن عمر عن ربيعة ، قَالَ : إذا وقعت الميتة في البئر فلم يتغير طعمها ، ولا لونها ، ولا ريحها ، فلا بأس أن يتوضأ منها ، وإن رأى فيه الميتة . قَالَ : فإن تغيرت نزع منها قدر ما يذهب الرائحة عنها ، وهو قول ابن وهب ، وإلى هذا ذهب إسماعيل بن إسحاق ، ومحمد بن بكير ، وأبو الفرج ، والأبهري ، وسائر المنتحلين لمذهب مالك من البغداديين . وروى هذا المعنى ، عن عبد الله بن عباس ، وابن مسعود ، وسعيد ابن المسيب على اختلاف عنه ، وسعيد بن جبير ، وهو قول الأوزاعي ، والليث بن سعد ، والحسن بن صالح ، وداود بن علي ، وهو مذهب أهل البصرة أيضا ، وهو الصحيح في النظر ، وجيد الأثر . وأما الكوفيون فالنجاسة عندهم تفسد قليل الماء وكثيره إذا حلت فيه ، إلا الماء المستجد الكثير الذي لا يقدر آدمي على تحريك جميعه قياسا على البحر ، الذي قَالَ فيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " . وأما الشافعي فمذهبه في الماء نحو مذهب المصريين من أصحاب مالك ، وروايتهم في ذلك عن مالك ، أن قليل الماء يفسده قليل النجاسة ، ولا يفسد كثيره إلا ما غلب طعمه ، أو رائحته ، أو لونه إلا أن مالكا في هذه الرواية عنه ، لا يحد حدا بين قليل الماء الذي تلحقه النجاسة ، وبين كثيره الذي لا تلحقه النجاسة ، إلا بالغلبة عليه ، إلا ما غلب على النفوس ، أنه قليل ، وما الأغلب عند الناس ، أنه كثير ، وهذا لا يضبط لاختلاف آراء الناس ، وما يقع في نفوسهم . وأما الشافعي فحد في ذلك حدا بين القليل والكثير لحديث ابن عمر ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إذا كان الماء قلتين لم تلحقه نجاسة أو لم يحمل خبثا " . وهو حديث يرويه محمد بن إسحاق والوليد بن كثير ، جميعا ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، وبعض رواة الوليد بن كثير ، يقول فيه : عنه ، عن محمد بن عباد بن جعفر ، ولم يختلف عن الوليد بن كثير ، أنه قَالَ فيه : عن عبد الله بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، يرفعه ، ومحمد بن إسحاق ، يقول فيه ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، وعاصم أيضا ، فالوليد يجعله عن عبد الله بن عبد الله ، ومحمد بن إسحاق يجعله عن عبيد الله بن عبد الله ، ورواه عاصم بن المنذر ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، فاختلف فيه عليه أيضا ، فقال حماد بن سلمة : عن عاصم بن المنذر ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، وقال فيه حماد بن زيد : عن عاصم بن المنذر ، عن أبي بكر بن عبيد الله ، عن عبد الله بن عمر ، وقال حماد بن سلمة فيه : إذا كان الماء قلتين ، أو ثلاثا ، لم ينجسه شيء . وبعضهم يقول فيه : إذا كان الماء قلتين لم يحصل الخبث ، وهذا اللفظ محتمل للتأويل ، ومثل هذا الاضطراب في الإسناد ، يوجب التوقف عن القول بهذا الحديث إلى أن القلتين غير معروفتين ، ومحال أن يتعبد الله عباده بما لا يعرفونه . وأما حديث ولوغ الكلب في الإناء ، وحديث النهي عن إدخال اليد في الإناء قبل غسلها لمن انتبه من نومه ، وحديث النهي عن البول في الماء الدائم الراكد ، فقد عارضها ما هو أقوى منها ، والأصل في الماء الطهارة ، فالواجب أن لا يقضي بنجاسته إلا بدليل لا تنازع فيه ، ولا مدفع له ، ونحن نذكرما نختاره من المذاهب في الماء هاهنا ، ونذكرمعنى حديث ولوغ الكلب وغسل اليد في باب أبي الزناد ، إن شاء الله عز وجل . قال أبو عمر : الدليل على أن الماء لا يفسد إلا بما ظهر فيه من النجاسة ، أن الله عز وجل سماه طهورا ، فقال : وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا سورة الفرقان آية 48 ، وفي طهور معنيان ، أحدهما : أن يكون طهور بمعنى طاهر ، مثل : صبور وصابر ، وشكور وشاكر ، وما كان مثله . والآخر : أن يكون بمعنى فعول ، مثل : قتول وضروب ، فيكون فيه معنى التعدي والتكثير ، يدل على ذلك قوله عز وجل : وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ سورة الأنفال آية 11 . وقد أجمعت الأمة أن الماء مطهر للنجاسات ، وأنه ليس في ذلك كسائر المائعات الطاهرات ، فثبت بذلك هذا التأويل ، وما كان طاهرا مطهرا استحال أن تلحقه النجاسة ، لأنه لو لحقته النجاسة لم يكن مطهرا أبدا ، لأنه لا يطهرها إلا بممازجته إياها ، واختلاطه بها ، فلو أفسدته النجاسة من غير أن تغلب عليه ، وكان حكمه حكم سائر المائعات التي تنجس بمماسة النجاسة لها ، لم تحصل لأحد طهارة ولا استنجى أبدا . والسنن شاهدة لما قلنا بمثل ما شهد به النظر من كتاب الله عز وجل ، فمن ذلك أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أن يصب على بول الأعرابي دلو من ماء ، أو ذنوب من ماء " . وهو أصح حديث يروى في الماء ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ومعلوم أن البول إذا صب عليه الماء مازجه ، ولكنه إذا غلب الماء عليه طهره ، ولم يضره ممازجة البول له .