وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّكَنِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ° ، عَنِ الأَعْمَشِ ° ، سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ° ، يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَة ° ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثَلاثَةٌ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلا يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ فَمَنَعَهُ ابْنَ السَّبِيلِ . . . ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن شاكر ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مَسْعُود الزبيري ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد الحكم . وَحَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد اللَّهِ ، حَدَّثَنَا الميمون بْن حمزة ، قَالَ : حَدَّثَنَا الطحاوي ، قَالَ : حَدَّثَنَا المزني ، قَالا جميعا : أَخْبَرَنَا الشَّافِعِي بمعنى واحد ، قَالَ : معنى حَدِيث النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ نهى عَنْ بيع الماء ، وعن بيع فضل الماء ، وأنه نهى عَنْ منع فضل الماء هُوَ ، والله أعلم ، أَن يباع الماء فِي المواضع الَّتِي جعله اللَّه فِيهَا ، وَذَلِكَ أَن يَأْتِي الرجل الرجل لَهُ البئر ، أَوِ العين ، أَوِ النهر ليشرب من مائه ذَلِكَ ، وليسقي دابته ، وَمَا أشبه هَذَا ، فيمنعه ذَلِكَ ، فهذا هُوَ المنهي عَنْهُ لأن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : لا يمنع فضل الماء . وَأَمَّا قَوْل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا يمنع فضل الماء ، ليمنع بِهِ الكلأ ، فمعنى ذَلِكَ أَن يَأْتِي الرجل بدابته وماشيته إِلَى الرجل لَهُ البئر ، وفيها فضل عَنْ سقي ماشيته ، فيمنعه صاحب البئر السقي ، يريد بيع فضل مائه منه ، فذلك الَّذِي نهي عَنْهُ من بيع فضل الماء ، وعليه أَن يبيح غيره فضل مائه ليسقي ماشيته لأن صاحب الماشية إِذَا منع أَن يسقي ماشيته لَمْ يقدر عَلَى المقام ببلد لا يسقي فِيهِ ماشيته ، فيكون منعه الماء الَّذِي يملك منعا للكلأ الَّذِي لا يملك ، ودلت السنة عَلَى أَن مَالِك الماء أحق بالتقدم فِي السقي من غيره لأنه أمر بأن لا يمنع الفضل ، والفضل هُوَ الفضل عَن الكفاف والكفاية ، ودلت السنة عَلَى أَن المنع الَّذِي ورد فِي فضل الماء هُوَ منع شفاه النَّاس والمواشي أَن يشربوا ، فضلا عَنْ حاجة صاحب الْمَلِك من الماء ، وأن لَيْسَ لصاحب الماء منعهم ، وأحاديث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ متفقة ، تفسرها ألسنة المجتمع عَلَيْهَا ، وإن كانت الأحاديث بألفاظ شتى ، قَالَ : وإن كَانَ هَذَا فِي ماء البئر كَانَ فيما هُوَ أَكْثَر من ماء البئر أولى أَن لا يمنع من الشفة ، قَالَ : ولو أَن رجلا أراد من رجل لَهُ بئر فضل مائه من تلك البئر ليسقي بِذَلِكَ زرعه ، لَمْ يكن لَهُ ذَلِكَ ، وَكَانَ لمالك البئر منعه من ذَلِكَ لأن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أباحه فِي الشفاه الَّتِي يخاف مَعَ منع الماء منها التلف عَلَيْهَا ، ولا تلف عَلَى الأَرْض لأنها ليست بروح ، فليس لصاحبها أَن يسقي إلا بإذن رب الماء ، قَالَ : وإذا حمل الرجل الماء عَلَى ظهره فلا بأس أَن يبيعه من غيره لأنه مَالِك لما حمل منه ، وإنما يبيع تصرفه بحمله ، قَالَ : وَكَذَلِكَ لو جاء رجل عَلَى شفير بئر ، فلم يستطع أَن ينزع بنفسه ، لَمْ يكن بأسا أَن يعطي رجلا أجرا وينزع لَهُ لأن نزعه إِنَّمَا هُوَ إجارة ليست عَلَيْهِ ، هَذَا كُلهُ قَوْل الشَّافِعِي . وَأَمَّا جملة قَوْل مَالِك ، وأَصْحَابه فِي هَذَا الباب ، فذلك أَن كُل من حفر فِي أرضه أَوْ داره بئرا فله بيعها ، وبيع مائها كُلهُ ، وَلَهُ منع المارة من مائها إلا بثمن إلا قوم لا ثمن معهم ، وإن تركوا إِلَى أَن يردوا ماء غيره هلكوا ، فإنهم لا يمنعون ، وَلَهُمْ جهاده إِن منعهم ذَلِكَ ، وَأَمَّا من حفر من الآبار فِي غَيْر ملك معين لماشية أَوْ شفة ، وَمَا حفر فِي الصحاري كمواجل المغرب ، وأنطابلس ، وأشباه ذَلِكَ ، فلا يمنع أحد فضلها ، وإن منعوه حل لَهُ قتالهم ، فَإِن لَمْ يقدر المسافرون عَلَى دفعهم حَتَّى مَاتُوا عطشا ، فدياتهم عَلَى عواقل المانعين ، والكفارة عَنْ كُل نفس عَلَى كُل رجل من أَهْل الماء المانعين مَعَ وجيع الأدب . وكره مَالِك بيع فضل ماء مثل هذه الآبار من غَيْر تحريم ، قَالَ : ولا بأس ببيع فضل ماء الزرع من بئر أَوْ عين ، وبيع رقابهما ، قَالَ : ولا يباع أصل بئر الماشية ، ولا ماؤها ، ولا فضله ، يَعْنِي الآبار الَّتِي تحفر فِي الفلاة للماشية والشفاه ، وأهلها أحق بريهم ، ثُمَّ النَّاس سواء فِي فضلها إلا المارة أَوِ الشفة أَوِ الدواب ، فإنهم لا يمنعون . قَالَ أَبُو عُمَر : أما البئر تنهار للرجل وَلَهُ عَلَيْهَا زرع أَوْ نحوه من النبات الَّذِي يهلك بعدم الماء الَّذِي اعتاده ، ولا بد لَهُ منه ، وإلى جنبه بئر لجاره يمكن أَن يسقي منها زرعه ، فَقَدْ قَالَ مَالِك وأَصْحَابه : إِن صاحب تلك البئر يجبر عَلَى أَن يسقي جاره بفضل مائه زرعه الَّذِي يخاف هلاكه إِذَا لَمْ يكن عَلَى صاحب الماء فِيهِ ضرر بَيْنَ ، وعلى هَذَا المعنى تأول مَالِك قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا يمنع نقع بئر ، يَعْنِي بئر الزرع . واختلف أَصْحَابه ، هل يَكُون ذَلِكَ بثمن أَوْ بغير ثمن ، فَقَالَ بعضهم : يجبر ، ويعطى الثمن . وَقَالَ بَعْضهم : يجبر ، ولا ثمن لَهُ ، وجعلوه كالشفاه من الآدميين والمواشي . فتدبر مَا أوردته عَن الشَّافِعِي ، وَمَالِك تقف عَلَى المعنى الَّذِي اختلفا فِيهِ من ذَلِكَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة ، وأَصْحَابه فِي هَذَا الباب كقول الشَّافِعِي سواء ، وَقَالُوا : لكل من لَهُ بئر فِي أرضه المنع من الدخول إِلَيْهَا إلا أَن يَكُون للشفاه والحيوان ، إِذَا لَمْ يكن لَهُمْ ماء ، فيسقيهم ، قَالُوا : وليس عَلَيْهِ سقي زرع جاره . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِي : إِنَّمَا جاء الْحَدِيث فِي منع الماء لشفاه الحيوان ، وَأَمَّا الأرضون فليس يجب ذَلِكَ عَلَى الجار فِي فضل مائه . وذكر ابْن حبيب ، قَالَ : ومما يدخل فِي معنى : لا يمنع نقع بئر ، ولا يمنع وَهُوَ بئر ، البئر تكون بَيْنَ الشريكين يسقي منها هَذَا يوما وَهَذَا يوما ، وأقل ، وأكثر ، فيسقي أحدهما يومه ، فيروي نخله أَوْ زرعه فِي بَعْض يومه ، ويستغني عَن السقي فِي بقية اليوم ، أَوْ يستغني فِي يومه كُلهُ عَن السقي ، فيريد صاحبه أَن يسقي فِي يومه ذَلِكَ ، قَالَ : ذَلِكَ لَهُ ، وليس لصاحب اليوم أَن يمنعه من ذَلِكَ لأنه لَيْسَ لَهُ منعه مِمَّا لا ينفعه حبسه ولا يضره تركه . قَالَ أَبُو عُمَر : قَوْل ابْن حبيب هَذَا حسن ، ولكنه لَيْسَ عَلَى أصل مَالِك ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا يحل مال امرئ مُسْلِم إلا عَنْ طيب نفس منه ، وَقَدْ مضى القول فِي هَذَا المعنى ، وَمَا للعلماء فِيهِ من التنازع فِي بَاب ابْن شهاب ، عَن الأعرج من كتابنا هَذَا ، والحمد لِلَّهِ . قَالَ ابْن حبيب : ومن ذَلِكَ أَيْضًا أَن تكون البئر لأحد الرجلين فِي حائطه ، فيحتاج جاره ، وَهُوَ لا شركة لَهُ فِي البئر ، إِلَى أَن يسقي حائطه بفضل مائها ، فذلك لَيْسَ لَهُ ، إلا أَن تكون بئره تهورت ، فيكون لَهُ أَن يسقي بفضل ماء جاره إِلَى أَن يصلح بئره ، ويقضي لَهُ بِذَلِكَ ، وتدخل حينئذ فِي تأويل الْحَدِيث : لا يمنع نقع البئر ، قَالَ : وليس للذي تهورت بئره أَن يؤخر إصلاح بئره ، ولا يترك والتأخير ، وَذَلِكَ فِي الزرع الَّذِي يخاف عَلَيْهِ الهلاك إِن منع السقي إِلَى أَن يصلح البئر ، قَالَ : فأما أَن يحدث عَلَى البئر عملا من غرس أَوْ زرع ليسقيه بفضل ماء جاره إِلَى أَن يصلح بئره ، فليس ذَلِكَ لَهُ ، قَالَ : وَهَكَذَا فسره لي مطرف ، وابن الماجشون ، عَنْ مَالِك ، وفسره لي أيضا ابْن عَبْد الحكم ، وأصبغ بْن الفرج ، وأخبرني أَن ذَلِكَ قَوْل ابْن وهب ، وابن القاسم ، وأشهب ، وروايتهم عَنْ مَالِك . واختلفوا أَيْضًا فِي التفاضل فِي الماء ، فَقَالَ مَالِك : لا بأس ببيع الماء متفاضلا ، وإلى أجل ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة ، وأبي يُوسُف . وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن : هُوَ مِمَّا يكال ويوزن ، فعلى هَذَا القول لا يَجُوز عنده فِيهِ التفاضل ، ولا النسا ، وَذَلِكَ عنده فِيهِ ربا لأن علته فِي الربا الكيل والوزن . وَقَالَ الشَّافِعِي : لا يَجُوز بيع الماء متفاضلا ، ولا يَجُوز فِيهِ الأجل ، وعلته فِي الربا أَن يَكُون مأكولا جنسا ، وَقَدْ مضى القول فِي أصولهم فِي علل الربا فِي غَيْر موضع من كتابنا هَذَا ، فلا وجه لإعادته هاهنا .