وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ° ، عَنْ أَيُّوبَ ° ، عَنْ نَافِعٍ ° ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ° ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ ، وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ ، وَتَأْمَنَ الْعَاهَةَ ، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِي
وَقَدْ رَوَى حماد بْن سلمة ، عَنْ حميد ، عَنْ أَنَس ، أَن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عَنْ بيع العنب حَتَّى يسود ، وعن بيع الحب حَتَّى يشتد وَقَدْ كَانَ الشَّافِعِي مرة يَقُول : لا يَجُوز بيع الحب فِي سنبله ، وإن اشتد واستغنى عَن الماء ، ثُمَّ بلغه هَذَا الْحَدِيث ، فرجع إِلَى القول بِهِ ، وأجاز بيع الحنطة زرعا فِي سنبله ، قائما عَلَى ساقه إِذَا يبس واستغنى عَن الماء ، كقول سائر الْعُلَمَاء ، وَهُوَ مَا لا خلاف فِيهِ عَنْ جَمَاعَة فقهاء الأَمْصَار وأهل الْحَدِيث . وَقَدْ رُوِيَ عَن ابْن شهاب ، أَنَّهُ أجاز بيعه فريكا قبل أَن يشتد ، وخالفه مَالِك ، وغيره ، ومالوا إِلَى ظاهر الْحَدِيث ، حَتَّى يبيض ويشتد ، ويستغني عَن الماء . ومن قَوْل الشَّافِعِي أَن كُل ثمرة وزرع دُونَها حائل من قشر أَوْ أكمام ، وكانت إِذَا صارت إِلَى مالكيها أخرجوها من قشرها وأكمامها ، وَلَمْ تفسد بإخراجهم لَهَا ، قَالَ : فالذي أختار فِيهَا أَن لا يَجُوز بيعها فِي شجرها ، ولا موضوعة بالأرض للحائل دُونَها . وحجته فِي ذَلِكَ الإجماع عَلَى لحم الشاة المذبوحة غَيْر المسلوخة ، أَنَّهُ لا يَجُوز بيعه حَتَّى تسلخ ، ويخرج من الجلد ، قَالَ : وَلَمْ أجد أحدا من أَهْل العلم يجيز أخذ عشر الحنطة فِي أكمامها ، ولا عشر الحبوب ذوات الأكمام ، ولا بيعها محصودة مدروسة فِي التبن غَيْر ملقاة . قَالَ أَبُو عُمَر : لَمْ يجمعوا عَلَى كراهية بيع الشاة المذبوحة قبل السلخ لأن أبا يُوسُف يجيز بيعها كَذَلِكَ ، ويرى السلخ عَلَى البائع ، وأجاز بيع الطعام فِي سنبله ، وجعل عَلَى البائع تخليصه من تبنه ، وتمييزه ، والذي حكى الشَّافِعِي عَلَيْهِ الجمهور . وذكر ابْن وهب فِي موطئه ، عَنْ مَالِك ، أَنَّهُ سئل عَن الدالية ، تكون عَلَى ساق واحدة ، فيطيب منها العنقود والعنقودان ، فَقَالَ مَالِك : إِذَا كَانَ طيبه متتابعا فاشيا فلا بأس بِذَلِكَ ، قَالَ : وربما أزهى بَعْض الثمر ، واستأخر بعضه جدا ، فَهُوَ الَّذِي يكره . قَالَ : وسئل مَالِك عَن الرجل يبتاع الحائط فِيهِ أصناف من الثمر قَدْ طاب بعضه وبعضه لَمْ يطب ، فَقَالَ : مَا يعجبني . قَالَ : وسئل مَالِك عَنْ بيع الأعناب والفواكه من الثمار ، فَقَالَ : إِذَا طاب أولها ، وأمن عَلَيْهَا العاهة ، فلا بأس ببيعها . قَالَ : وسئل عَن الحائط الَّذِي تزهى فِيهِ أربع نخلات أَوْ خمس ، وَقَدْ تعجل زهوه قبل الحوائط ، أترى أَن تباع ثمرته ؟ قَالَ : نعم ، لا بأس بِهِ ، وإن تعجل قبل الحوائط . قَالَ : وسئل عَن الحائط لَيْسَ فِيهِ زهو ، وَمَا حوله قَدْ أزهى ، أترى أَن تباع ثمره وليس فِيهِ زهو ؟ قَالَ : نعم ، لا أرى بِهِ بأسا إِذَا كَانَ الزمن قَدْ أمنت فِيهِ العاهات ، فأزهت الحوائط حوله ، وإن لَمْ يزه هَذَا ، لأن منها مَا يتأخر . قَالَ : وسئل عَن الرجل يبيع الثمار من النخيل والأعناب بَعْد أَن تطيب ، عَلَى من سقيها ؟ فَقَالَ : سقيها عَلَى البائع . قَالَ : ولولا أَن السقي عَلَى البائع مَا اشتراه المشتري . قَالَ : وَقَالَ مَالِك : توضع الجائحة فِي الثمرة إِذَا كانت من قبل الماء ، قليلة كانت أَوْ كثيرة ، وإن كانت أقل من الثلث ، قَالَ : وليس الماء كغيره ، لأن مَا جاء من قبل الماء فكأنه جاء من قبل البائع . وَقَالَ الشَّافِعِي : لو كَانَ لرجل حائط آخر فأزهى حائط جاره إِلَى جنبه ، وبدا صلاحه ، حل بيعه ، وَلَمْ يحل بيع هَذَا الحائط الَّذِي لَمْ يبد صلاح أوله ، قَالَ : وأقل ذَلِكَ أَن تزهى فِي شَيْء منه الحمرة أَوِ الصفرة ، ويوكل شَيْء منه . قَالَ أَبُو عُمَر : قَدْ مضى القول فِي هَذَا الباب مستوعبا ، وَفِي الجائحة فِيهِ ، وَفِي أَكْثَر معانيه فِي بَاب حميد الطويل من كتابنا هَذَا ، وجرى منه ذكر صَالِح فِي بَاب أَبِي الرجال منه أَيْضًا ، وذكرنا منه هاهنا مَا لَمْ يقع ذكره فِي ذينك البابين . وَأَمَّا الآثار عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الباب ، فمختلفة الألفاظ ، متفقة المعاني ، متقاربة الحكم ، بَعْضهَا فِيهِ : أَن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عَنْ بيع الثمار حَتَّى يبدو صلاحها ، وَفِي بَعْضهَا : حَتَّى تطعم ، وَفِي بَعْضهَا : حَتَّى تزهي ، وَفِي بَعْضهَا : حَتَّى تحمر وتصفر ، وَفِي بَعْضهَا : حَتَّى تشقح ، ومعنى تشقح عندهم : تحمر أَوْ تصفر ، ويوكل منها ، وَفِي بَعْضهَا : طلوع الثريا ، وَهِيَ كلها آثار ثابتة محفوظة ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من حَدِيث ابْن عُمَر ، وأبي هُرَيْرَة ، وجابر ، وابن عَبَّاس ، وأبي سَعِيد الخدري ، وغيرهم . ولا خلاف بَيْنَ الْعُلَمَاء أَن جَمِيع الثمار داخل فِي معنى تمر النخل ، وأنه إِذَا بدا صلاحه وطاب أوله حل بيعه ، وإنما اختلف مَالِك والشَّافِعِي فِي الحائط إِذَا أزهى غيره قربه ، وَلَمْ يزه هُوَ ، هل يحل بيعه ؟ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِك مثل قَوْل الشَّافِعِي ، وَالأَوَّل عَنْهُ أشهر . وتحصيل مذهب مَالِك فِي ذَلِكَ أَن الزمن إِذَا جاء منه مَا يؤمن مَعَهُ عَلَى الثمار العاهة ، وبدا صلاح جنس ونوع منها ، جاز بيع ذَلِكَ الجنس والنوع ، حيث كَانَ من تلك البلدة ، وَكَانَ يلزم الشَّافِعِي أَن يَقُول مثل قَوْل مَالِك هَذَا ، قياسا عَلَى قَوْله فِي الحائط إِذَا تأخر أباره وأبر غيره ، فَإِنَّهُ راعى الوقت فِي ذَلِكَ دُونَ الحائط ، وراعى فِي بيع الثمار الحائط بنفسه ، وَهُوَ أمر متقارب ، ولكل واحد منهما وجه تَدُل عَلَيْهِ ألفاظ الأحاديث لمن تدبرها ، وَذَلِكَ واضح يغني عَن القول فِيهِ .